نفي الشرك عن خليل الرحمن !

كنت أبحث ذات مرة عن مفردة ” مشرك “ في القرآن وعلاقتها بالكفر , فوجدت أن الله عزوجل نفى الشرك عن سيدنا إبراهيم في آيات عدة , فتعجبت من تكرار النفي في حق خليل الرحمن على الرغم من أنه من المفترض بداهة في حقه أن يكون كذلك , ولكن لما تأملت في أقوال المسلمين وغير المسلمين في حق الخليل وجدت السبب المنطقي في هذا النفي وفي هذا التأكيد .

فاليهود والنصارى قال كثير منهم أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ! وقال بعضهم أنه كان مشركا قبل أن يوحي الله عزوجل إليه ! وقال بقولهم بعض علماء المسلمين ! ولما كان معنا القول الفصل , ننظر لنر كيف وردت مسألة الشرك هذه في قصة خليل الرحمن :

إذا نحن تتبعنا كلمة ” إبراهيم ” في القرآن وجدنا أنها وردت في 63 موضعا , فإذا نحن تتبعا كلمة ” مشركين ” في القرآن نجد أنها وردت 36مرة , – عكس الرقم السابق – , فإذا نحن تتبعنا الآيات التي نفى الله عزوجل الشرك فيها عن سيدنا إبراهيم وجدنا أنها وردت في ستة مواضع وهي :

وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة : 135]
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران : 67]
ُقلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران : 95]
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام : 161]
ِإنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل : 120]


ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل : 123]
وتبقى آية واحدة ينفى فيها سيدنا إبراهيم الشرك عن نفسه مع عدم ذكر اسمه في الآية وهي قوله تعالى ” إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام : 79] “

فنلاحظ أن الله تعالى نفى الشرك بجميع أشكاله وأنواعه عن سيدنا إبراهيم , فهو ” ما كان من المشركين ” و ” لم يك من المشركين ” و ” وما أنا من المشركين ” وهو حنيف مسلم قانت لله تعالى ليس يهوديا ولا نصرانيا , ومن العجيب أن كلا من اليهود والنصارى ادعوا أنه كان على ملتهم , لذلك رد عليهم الرب القدير قائلا : ” يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ” .

إذا فالخليل لم يكن يهوديا أو نصرانيا ولكنه كان حنيفا مسلما , إذا تبقى معنا نقطة واحدة وهي مسألة إيمان الخليل أوشركه أو كفره قبل بعثته , فما هو موقف علماء المسلمين وغيرهم من هذه النقطة ؟

إذا بدأنا بغير المسلمين من اليهود والنصارى وجدنا أن منهم من لا يتحرج من القول بأن إبراهيم كان مشركا أو وثنيا قبل البعثة ثم لما اصطفاه الله أصبح مؤمنا . وبنفس هذا القول يقول فريق من المسلمين !

وهناك فريق آخر يرى أن الخليل لم يكن مشركا ويرون أن الخليل مثلة مثل باقي الأنبياء معصومون من الشرك ومن الكفر قبل البعثة وبعدها ولكنهم لم يوضحوا لنا كيف ينطبق هذا على الخليل إبراهيم عليه السلام , فهل نفهم من قولهم أن الخليل أوتي الرسالة وهو لا يزال شابا يافعا أم أنه أوتيها بعد أن كبر ؟

نقطة الخلاف الرئيس في قصة سيدنا إبراهيم هي الآيات الواردة في سورة الأنعام وهي قوله تعالى ” فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ “
حيث يقول القائلون بأن إبراهيم كان على دين أبيه وقومه أن هذه الآيات دليل على دعواهم , ويرى النافون أن هذه الآيات كانت من باب الجدال والحوار والمراد منها إقامة الحجة على أقوامهم من أجل الدخول في دين الله تعالى !
لذا ننظر في آيات الله لنر أي الفريقين أحق بالصواب ؟ المتتبع يرى أن قول الفريق الأول هو الأدق والأصح وأن النتيجة التي قال بها الفريق الثاني هي ما أصابت كبد الحقيقة !

الناظر في الآيات لا يجد أن هناك ما يشير إلى أن هذه الآيات كانت من باب الجدال أو الاستدراج أو أن هناك استفهام محذوف ! الآيات وردت بشكل معين فلا بد من حملها على هذا الشكل ,

فالخليل كان يتفكر في هذه المعبودات ثم وصل إلى بطلانها , ولما وصل إلى بطلانها بالدليل المنطقي حاجه قومه في مسألة بطلانها كما قال الله تعالى في الآية التالية ” وحاجه قومه … “ وذكر القرآن محاجة قومه له دليل على أنه لم يكن يحاجهم أو يجادلهم بهذا الاستدلال حين حدوثه وإلا لكان هو البادئ وليس هم ويكون فعلهم جدلا له وردا عليه وليس من باب المحاجة !

إذا فسيدنا إبراهيم لم يكن يحاج قومه وإنما كان ينظر في هذه الكواكب هل تصلح للإيمان أم لا , ووصل إلى أنها لا تصلح .

إذا فالقول الأول هو الصواب ولكن نتيجته خاطئة , فلا يترتب عليها أن الخليل كان مشركا , فالإنسان لا يكون مشركا إلا إذا آمن بشيء مع الله والخليل لم يفعل , ونفصل فنقول : الإنسان لا يوصف بالإيمان أو الكفر أو الشرك إلا في حالة بلوغه ونضوجه ,

أما في حالة الطفولة لا يوصف بالإيمان أو الشرك إلا بالتبعية لوالديه وهذا التوصيف غير حقيقي لأنه لم يتخذ أي موقف تجاه المسألة الإيمانية , لذا فلم يكن الخليل مشركا في طفولته لأن الأصل في الإنسان أنه يولد على الفطرة , فلما بلغ الخليل لم يتبع ملة أبيه وكفر بها وبأديان قومه بما أتاه الله من العقل والحكمة والرشد ” َولَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ [الأنبياء : 51] “

فعندما بلغ الخليل وجد أباه وقومه يعبدون أصناما ومنهم من يعبد النجوم , فأخذ يقيس هذه المعبودات بمقياس العقل والفطرة , فوجدها لا تصلح أن تكون آلهة فأنكر على قومه عبادتها , فحاجه قومه , كما جاء في سورة الأنعام , وأنكر عليهم عبادة الأصنام كما في سورة الأنبياء ” إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء : 52]
نخرج من هذا بأن الخليل لم يكن مشركا وأنه ” أسوة وقدوة ” لكل البشر لأنه رفض دين قومه وأهله ولم يخضع لهم مذ أن بلغ وعقل , فكفر بأديانهم بالرشد والعقل والحكمة الذين آتاهم الله إياه وبحث عن الله وطلب العون من الله- وهذا ما جاء في القرآن وهذه المرحلة لا تسمى شركا – فهداه الله إليه “ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام : 79] “ فعلم أن هناك خالق لهذا الكون فطلب عونه فهداه وجعله إماما للناس أجمعين , جعلنا الله من عباد الرحمن أئمة المتقين .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.