التخلق !

يقول الرسول المصطفى والهادي المجتبى وحبيب القلب ودرة الفؤاد ” إنما العلم بالتعلُّم ، وإنما الحلم بالتحلُّم ، ومَن يتحر الخير يُعْطَه ، ومَن يتقِّ الشرَّ يُوقَه 
رواه الدار قطني في ” الأفراد ” وهو حديث حسن ، كذا قال الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2328 )

لا يجد المرء كفاتحة لحديثه عن مسألة التخلق أفضل من هذا الحديث الشامل الجامع , الذي يرسم لنا فيه المصطفى المسار العام لمسلك الإنسان حيال المسألة الأخلاقية .

فالنبي المصطفى يوضح لنا أن بكلمات موجزة أن الإنسان لا يولد مهيأ لكل الأخلاق الحميدة

فالإنسان لا يحتاج إلى تعليم أو تربية لكي يعرف ويدرك أن الصدق حسن وأن الإنسان عندما يكذب فإنه يخالف جادة الصواب – حتى ولو كان الإنسان ملحدا

فأحقية الصدق والعدل لا يختلف عليها إثنان ولا ينتطح فيها عنزان ! ولكن ثمة فارق كبير بين معرفة الخير والصواب والعمل به واتباعه

كما أن اتباع الحق والصواب مختلف الدرجات فمن الممكن لكثير من الناس أن يكونوا صادقين ولا يكذبوا – لأن الكذب يحتاج إلى اختلاق وإنشاء ! بخلاف الصدق الذي يخرج من الإنسان بدون أدنى جهد

ولكن ثمة كثير من الأخلاق الحميدة التي تحتاج إلى بذل كثير من الجهد لكي يتحصل عليها الإنسان بحيث تصبح سجية ملازمة له لا تنفك عنه إلا فيما ندر

ومن أهم هذه الأخلاق التي وردت في الحديث الشريف خلق الحلم وورد أيضا الصبر ” وإنما الصبر بالتصبر “ .

ونحن إذ نعرض هذا الحديث لا نود التركيز على خلق الحلم أو الصبر أو سواها من الأخلاق الحميدة وإنما نود الإشارة إلى العملية الاكتسابية ذاتها التي أشارت إليها المقالة النبوية وهي ” الاكتساب أو التخلق “ .
فالإنسان عليه أن يعرف تمام المعرفة ويتيقن تمام اليقين – وهذه أول خطوات التفعيل – أن التخلق أو اكتساب الخلق ليست مسألة سهلة أو هينة
فالإنسان بطبيعة الحال يحب التحرر ويود عدم التقيد , وكما قلنا في المقالة الماضية فإن الأخلاق تقدير وملاسة ! فإذا هو التزم الأخلاق فهذا يعني تقييد الحرية وضبط الانفعال والرغبات والشهوات المغروسة في الإنسان ابتداءا والتحرك تبعا للتقدير الرباني الذي حددته الشريعة من خلال الترغيب في الأخلاق الحسنة .

وحتى لا نطيل على القارئ نقدم له خطوات إجمالية لمسألة التخلق حتى يكون على بينة كيف يكون التخلق بالأخلاق الحسنة :

الخطوة الأولى :
الإقرار بالنقص والكمال !
فيجب على الإنسان كخطوة أولى أن يقر بنقصه هو وتراجعه عن النموذج المثالي الواقعي الكامل الذي أتت به الشريعة السمحاء الغراء , فإذا أقر بنقصه هو معترفا ضمنيا بكمال الشريعة تحرك كأي إنسان عاقل من أجل رأب هذا الصدع وإزالة هذا الخلل . أما أن يرى في عقله هو الكمال فلن يبدأ أبدا في عملية التخلق !

فآفة عامة المسلمين أنهم يقيسون الشرع بمقياس عقول كل واحد منهم , فما رآه حسنا فهو حسن لزاما في الشرع , وما يفعله فهو ما أمر به الشرع وما يقصر فيه فهو من المندوبات التي لا حرج في التهاون بها , وما يأتيه من المحرمات فهو حتما من مواطن الغفران التي يغفرها الله تعالى , لذا لا حاجة للتخلق !

الخطوة الثانية : البحث عن المدخل لنفسه,
فلا يعني دوما أن يقر الإنسان بالنقص والكمال أن يؤدي ذلك ولا مفر إلى التخلق , فقد نجد عند كثير من الناس إقرار بالنقص والكمال ولكنه لا يريد أن يأتي نفسه من المدخل السليم أو لنقل بكثير من حسن الظن :
هو لا يعلم من أين يأتي نفسه ! مع أن كلنا يعلم من أين تؤكل الكتف ! لذا فحتما يأتي بعد الإقرار البحث عن المدخل السليم وإلا فلن يستطيع الإنسان أن ينتقل بتاتا إلى الخطوة الثالثة .

الخطوة الثالثة : التخلق,
فبعد أن يقر ويبحث ويعرف المدخل يبدأ في الدخول إلى نفسه من أجل السيطرة عليها وتقديرها وتنظيمها بالنظام الأخلاقي الإسلامي حتى تخلق ( تبلى ) نفسه وتخضع له .
وكما يلاحظ القارئ فسيجد أن استخدمنا صيغة ” التفعل ” وهي صيغة تدل على التفرق والشدة والمقاومة , وهذا ما ينبغي أن ينتظره الإنسان عند التنفيذ , فلن تأتي المسألة هينة سلسة وإنما يحتاج الأمر إلى مواظبة التخلق .

الخطوة الرابعة : عدم اليأس ,
فقد ينجح الإنسان في التخلق ولكن يجد أنه يعود مرة أخرى بل مرات عديدة , ولكن لا يدفعه ذلك إلى الإقلاع فبطبيعة الحال لزاما ستظهر مقاومة شرسة من النفس تجاه هذا التقييد والتحديد لحركتها الوثبة الحيوانية لذلك ما أن تظهر الثغرة حتى تعود الكرة , لذا فإذا عادت فعد وهكذا أبد الدهر إذا اقتضى الأمر .

الخطوة الخامسة : الواقعية ,
فعلى الإنسان أن يعرف ويقتنع تمام الاقتناع أن المعصومين قد ولوا وانقضوا وأن كل منا عرضة للخطأ وللضلال , فإذا حدث وهو حتما حادث فلا يقيم الدنيا ويقعدها وإنما يتعامل مع الخطأ على قدره , بل وحتى إذا فشل في تهذيب بعض جوانبه السلبية السيئة فلا حرج إذا كان قد نجح في تهذيب الأعم الغالب
وقديما قالوا : كفي بالمرء فخرا أن تعد معايبه ! فكفى بك فخرا إذا استطعت أن تقول : عيوبي هي كذا وكذا وكذا فقط . بشرط أن تكون هذه هي فقط عيوبك التي لم تستطع أن تحكم لجامها بعد معركة طويلة مع عيوب أخرى خضعت للسيطرة ودخلت الحظيرة في النهاية طائعة راكعة .


وأعتقد أن فيما ذكرناه الكفاية والنجعة , نعم قد نكون أغفلنا من الجوانب المطلوبة بعضها ولكن هذا هو الإنسان , مخلوق محكوم بالضعف والنسيان محتاج للعون والبيان والكمال لله الرحمن .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.