القرآن

أعمال القلب (العقل ) في القرآن

لأن هذا الباب يتحدث عن العقل في الإسلام , ولأننا قلنا أن سنستعمل ” العقل ” نفس الاستعمال الخاطىء للمفردة بمعنى جامع العمليات الفكرية للإنسان ! مع أن التعقل هو عملية من عمليات القلب كما أبان لنا القرآن ,
لذا فإننا سنبدأ بعرض العمليات القلبية ( العقلية ) في القرآن ليكون القارئ على بينة من موقف القرآن من إعمال القلب (العقل) وليكن واثقا تمام الوثوق أن القرآن ما هو إلا دعوة لإعمال العقل ! يظهر ذلك فيه من أوله إلى آخره 

ولكنا سنركز هنا على ما ذكر فيه صراحة ” التعقل , التفكر , التدبر , النظر , التبصر  إلخ ” حتى نوضح أهمية هذه العمليات منه ومكانها فيه , ونبدأ على بركة الله تعالى :

إذا نحن بدأنا ب ” عقل ” فسنجد أنها ذكرت في تسع وأربعين موضعا جاءت كلها بالصيغة الفعلية بين ماض ومضارع ولم تأت بتاتا بشكل مصدر “عقل ” كما نستعملها نحن , ووردت بين حث على التعقل وتعجب من عدم التعقل وإنكار على مخالفة ما عقله الإنسان وبيان أن ما ذكره القرآن فيه حجة لمن يعقل ونذكر للقارئ أمثلة على ذلك من الكتاب العزيز :

لوم على مخالفة الفعل للقول :مخالفة الفعل للقول ولما عقل :
“َأفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 75] “


النظر في الطبيعة :
” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة : 164]

إلغاء العقل : ” َومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة : 171] “

مخالفة المنطق : “ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [آل عمران : 65] “

حث على اتباع المنطق : ” َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران : 118] “

دور الحركة والبحث وكيف أن الهوى يعطل كل عقل :
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46] “

الإنحدار :
” أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان : 44]

الإعداد لاستعماله العقل :
” هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [غافر : 67] “
وغير ذلك من الآيات الكثير , وعلى القارئ أن يبحث في هذه الآيات بنفسه وسيرى فيها العجب الجزيل .


فإذا نحن تركنا عملية التعقل جانبا واتجهنا إلى عملية أخرى وهي التفكر وجدنا أنها ذكرت في القرآن ثمانية عشر مرة , منها سبعة عشر موضعا حث على التفكر ومدح للمتفكرين وإعلان أن ما في القرآن آيات للمتفكرين , ونذكر للقارئ بعضا من هذه الآيات :
التفكر في خلق الله :” الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران : 191]”

بشرية الرسول وسذاجة فكر المطالبين بالآيات كدلائل للصدق : ” قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام : 50]

توصيف للحياة البشرية من مبدأها إلى منتهاها ” إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس : 24] “
الكتاب كله دعوة للتفكر :
” بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل : 44] “

دعوة للتفكر في حكمة الخلق والوجود : ” أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم : 8] “

ونلاحظ أن القرآن استعمل في هذه المواضع كلها صيغة التفعل وهي صيغة تدل على تفرق وتكرار وجهد ولم يستعمل صيغة ” فكر ” إلا في موضع واحد وهو في وصف حال الإنسان المنعَم عليه من الله في كيفية التخلص من بينات الوحي الإلهي وإنكاره
فقال الله تعالى في حقه : ” إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ [المدّثر : 18] “ مشيرا بذلك إلى أن العملية القلبية التي يجريها الإنسان من أجل تبرير رفضه للوحي الإلهي ما هي إلا عملية سطحية لم تأخذ الجهد المطلوب لذا فهي لا تستحق الإقرار أو المتابعة وإنما تؤدي بالإنسان إلى الهلاك كما جاء في الآية التالية لها .

فإذا نحن أتينا إلى المفردة ” بصر ” في القرآن وجدنا أنها ذكرت في سبع أوربعين موضعا تنوعت بين الصيغة الفعلية ” يبصرون , تبصرون , بصرت , أبصر به ” والاسمية ” مبصرون , البصر ” وكذلك تنوعت دلالتها بين البصر العيني والبصر القلبي , وكذلك تنوعت استعمالاتها بين حث على التبصر وبين لوم على عدم التبصر . فإذا نحن أخذنا المفردة المخصوصة المشتقة من ” بصر ” والمتعلقة بالعمليات القلبية والتي تأتي بصيغة الجمع وهي ” أبصار” وجدنا أنها بمفردها ذكرت خمس وثلاثين مرة , ونذكر للقارئ بعض الأمثلة على ذلك :

تأييد الله تعالى للرسول ولدينه وإظهاره على الدينقَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ [آل عمران : 13] “
” هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر : 2] “
إغلاق القلب مؤد إلى تعطل الوظائف : ” وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف : 198] “
دور التزيين في الإضلال “ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [العنكبوت : 38] “

حث على النظر في كتاب الله المخلوق “ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُون[السجدة : 27] “

كذلك وردت مفردة ” نظر “ في كتاب الله عزوجل في أكثر من مائة موضع -102موضعا –
وهي كلها تدور في فلك إعمال الدور الحقيقي للنظر وهو التبصر فالإنسان لا ينبغي أن يرى الأشياء فقط بدون أن يتبصر دلالتها لذلك ! وبما أننا ذكرنا النظر بعد البصر فلا بد أن نعرج على معنى كل منهما ونذكر مثلثهما وهو الرؤية حتى يكون القارئ على بينة من الفروق بين هذه الألفاظ واستعمالاتها :

نلاحظ أن الله تعالى استعمل المفردات الثلاثة في آية واحدة مما سهل علينا تحديد معاني هذه الكلمات ووردت هذه الألفاظ في قوله تعالى ” َإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف : 198] “

فإذا نحن رجعنا إلى أصل اللغة لمعرفة معان هذه المفردات وجدنا أنها كما وردت في المقاييس :
نظر : النون والظاء والراء أصلٌ صحيح يرجع فروعُه إلى معنىً واحد وهو تأمُّلُ الشّيءِ ومعاينتُه، ثم يُستعار ويُتَّسَع فيه. فيقال: نظرت إلى الشّيءِ أنظُر إليه، إذا عاينْتَه. اهـ

بصر : الباء والصاد والراء أصلان: احدهما العِلْمُ بالشيء؛ يقال هو بَصِيرٌ به. ( والأصل الآخر لا علاقة له بالباب )
رأي : الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة. فالرَّأي: ما يراه الإنسانُ في الأمر، وجمعه الآراء. رأَى فلانٌ الشيءَ وراءهُ، وهومقلوبٌ.

فإذا نحن قسنا هذه الأقوال على الآية وجدنا أن الدقة قد فاتت ابن فارس في التفريق بينها , لذا فيمكننا القول أننا لا نوافق ابن فارس وندلي بدلونا نحن في تحديد الفروق مستندين إلى كتاب الله تعالى فنقول :

نظر : النون والظاء والراء أصل واحد يدل على توجه حاسة التبصر ( العين أو القلب ) إلى بعيد متأخر .

فإذا نحن نظرنا إلى الآية وجدنا أن هذا هو التوصيف المباشر للمشركين فهم يوجهون أعينهم إلى رسول الله ولكنهم لا يحققون الناتج من ذلك وهو التبصر , كما أن هذا التوصيف هو الأدق لاستعمال ” نظر ” في اللغة والقرآن بمعنى الانتظار وعندما أراد ابن فارس ضم هذا المعنى إلى تعريفه قال : “ويقولون: نَظَرتُه، أي انتظرته. وهو ذلك القياس، كأنَّه ينظر إلى الوقت الذي يأتي فيه. اهـ “

أما بتوصيفنا نحن فنحن متفقون اتفاقا مباشرا مع الآية ومع الاستعمالات المختلفة للمفردة في اللغة بدون تكلف أو قول باستعارة أو ما شابه فأنا بانتظاري موجه قلبي وبصري لقدوم فلان أو لحدوث كذا أو كذا .

بصر : الباء والصاد والراء أصل يدل على وضوح الشيء وجلاءه كناتج لعملية التمايز والتفريق .

رأي : الراء والهمزة والياء أصل يدل على إجلاء الشيء وإظهاره للنفس أو لطرف آخر , سواءا كان ماديا أو معنويا .

فإذا نحن طبقنا هذه التعريفات على آية الأعراف – وعلى استعمالات المفردة في اللغة – وجدنا تطابقا تاما : فلكي تتحق عملية التبصر لابد من حصول الرؤيا ولكي تتم الرؤيا لا بد من النظر . إذا فالإنسان بادئ ذي بد يوجه نظره كما فعل الرسول ثم ترتد إليه حاسة النظر حاملة المنظور فتتم الرؤيا ثم يبدأ العقل ( القلب ) في الإجلاء عن طريق التمييز والتفريق . وهذا ما لم يحدث مع المشركين فهم ينظرون ولكنهم لا يبصرون (ونلاحظ أن القرآن لم يقل : لا يرون وإلا لكان معنى الآية أن هؤلاء المشركين مصابون بالعمى الحسي ) .
إذا فهذا هو الفارق بين الرؤية والنظر والبصر والله أعلى وأعلم .

ونعتذر من القارئ على هذا الاستطراد ونعود إلى موضوعنا مرة أخرى 

فإذا نحن بحثنا عن المفردة ” تدبر ” في القرآن الكريم وجدنا أنها أتت في أربعة مواضع كلها مرتبطة بالقرآن نفسه , وهذا يوضح أن القرآن يدعوا الإنسان إلى إفراغ جهده في استخراج كنوزه , والإنسان لا يدعوا غيره لتدبر عمله إلا إذا كان واثقا أكيدا من خلوه من العيب والله عزوجل يدعونا إلى تحليل كتابه وينبهنا إلى خلوه من الاختلافات ( ومن باب أولى خلوه من التناقضات ) , ونذكر للقارئ هذه المواضع 

َأفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد : 24] “
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون : 68]
ِكتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص : 29] “

فإذا نحن تتبعنا مفردة “ علم ” في القرآن الكريم وجدناها وردت في أربع وثمانين وأربعمائة موضع ! ما بين اسم وفعل بجميع أشكاله ,
ما بين حث على التعلم وما بين لوم على ترك العلم وما بين تفريق بين من يعلم ومن لا يعلم
” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [الزمر : 9] ” ومنها حث على عدم مخالفة العلم ” وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة : 42] “

وكثير من المعاني والأغراض استعمل فيها صيغة ” علم ” بتشكيلات مختلفة , ويحتار المرء ماذا يختار منها وماذا لا يختار !
وإذا نحن تتبعنا اسم الفاعل منها ” عالم “ فنلاحظ أن الله لم يذكر هذه الصيغة ” عالم ” مفردة إلا معه هو سبحانه وتأتي دوما مرتبطة بالغيب أو الغيب والشهادة , أما صيغة الجمع ” عالمون ” فلم تختص به سبحانه
.
أما جمع التكثير ” علماء ” والتي تعني العارفين المتخصصين في مجال معين فأتت في موضعين إثنين :

أولهما : إثبات علماء الكتاب ومعرفتهم بوجود الوحي والنبي في غيرهم : ” َأوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء : 197] “

ثانيهما : دور العلم في رهبة الله تعالى وأن الله جعل العلم طريقا للوصول إليه :
” وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر : 28] “

فإذا نحن تتبعنا مفردة ” فقه” في الكتاب العزيز وجدناها تذكر عشرين مرة , والفقه كما ورد في المقاييس :

” الفاء والقاف والهاء أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على إدراكِ الشَّيء والعِلْمِ به.
تقول: فَقِهْتُ الحديث أفْقَهُه. وكلُّ عِلْمٍ بشيءٍ فهو فِقْه. يقولون: لا يَفْقَه ولا يَنْقَه. ثم اختُصَّ بذلك علمُ الشّريعة، فقيل لكلِّ عالم بالحلال والحرام: فقيه. وأَفْقَهْتُك الشَّيءَ، إذا بَيّنْتُه لك. “

والذي أراه أن الفقه هو بنفس معنى ” فهم ” كما نستعملها في زماننا هذا !

والآيات تتحدث كذلك عن تفصيل الآيات الرحمانية مخلوقة كانت أو في القرآن لمن يفقه , وتتحدث كذلك عن أفعال الإنسان التي تؤدي به إلى عدم الفقه وتلوم وتعيب على من لا يفقه , ونذكر هنا بعضا من هذه الآيات :
” وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام : 98] “

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [المنافقون : 3]
” أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء : 78] “

وهناك الكثير من المواطن والأعمال التي غفلنا عنها عمدا لاعتقادنا أن فيما ذكرناه الكفاية والغناء لمن يريد أن يعرف ما هو موقف القرآن من أعمال القلوب
( ولم نتعرض بتاتا لأعمال الأجساد والمجتمعات والتي فيها من البرهنة على استحالة صدور هذا القرآن من عند محمد ) وكيف أنه يحث ويأمر بإعمالها كما ينبغي , وفي هذا كله دليل على أن محمد ما أتى بالقرآن لغرض بشري وإلا لما ظهر ذلك في كتابه 
 
فالملاحظ أن الفكر البشري كله يدور في فلك إلغاء الفكر والعقل عند العوام وهذا ما سنثبته بإذن الله تعالى من خلال منبرنا هذا .
إذا فهذا هو موقف القرآن من العقل , وليرنا أي البشر أين حث بشري على العقل حتى زماننا هذا مثل أو معشار محثة القرآن على ذلك .
والله أعلى وأعلم وهو وحده العالم والسلام عليكم ورحمة الله .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.