حد الحرابة !

في أجواء الفوضى التي تمر بها مصر الآن –والتي ندعو الله أن يمرها سريعا على خير- وفي ظل غياب دولة القانون ورجال الشرطة, سولت نفوس آثمة لأصحابها الاعتداء على الأفراد الآمنين, سرقا واختطافا … الخ.

إلا أن الضحية لا تقابل هذا بالصمت في جل الأحوال, وإنما تستنجد بالناس, وأحيانا يفلح أهل البلد في إلقاء القبض على الجاني, ولعلمهم أنهم حتى لو سلموه للشرطة فإنها ستخرجه في اليوم التالي, فإن الأهالي يتولون معاقبة الجاني بأنفسهم حسبما يتراءى لهم, فقد يكيلون له الضرب, ضربا مبرحا قد يفضي إلى الموت, وقد يضربونه ثم يقتلونه بعد ذلك.
واشتهر هذا الفعل في وسائل الإعلام ب: “حد الحرابة”! وأن الأهالي قاموا بتطبيق حد الحرابة على الجاني.
لذا نتوقف مع آية المائدة والتي سُميت بهذا الاسم: “آية الحرابة”:
“إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة : 33]”

ننظر هل تنطبق هذه الآية, والتي قدمت أشد عقوبات القرآن, على ذلك الشخص الذي قد يسرق شخصا أو يقتل آخر؟

ونبدأ كعادتنا بعرض أقوال العلماء في الآية ثم نعلق نحن عليها لاحقا, (وننقل هنا ملخصا لأحد الإخوة لحكم الحرابة):
“اختلف العلماء في سبب نزولها على أربعة أقوال .

أحدها : أنها نزلت في ناس من عرينة قدموا المدينة فاجتووها فبعثهم رسول الله  في إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا وارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل فأرسل رسول الله في آثارهم فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم وألقاهم بالحرة حتى ماتوا ونزلت هذه الآية رواه قتادة عن أنس وبه قال سعيد بن جبير والسدي .

والثاني : أن قوما من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله بهذه الآية إن شاء أن يقتلهم وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الضحاك .

والثالث : أن أصحاب أبي بردة الأسلمي قطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الإسلام فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن السائب كان أبو بردة واسمه هلال بن عويمر وادع النبي  على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين لم يهج ومن مر بهلال إلى سول الله  لم يهج فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من قوم هلال فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم ولم يكن هلال حاضرا فنزلت هذه الآية .

والرابع : أنها نزلت في المشركين رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن : واعلم أن ذكر المحاربة لله عز وجل في الآية مجاز
مذاهب العلماء في معناها .

اختلف العلماء في معناها على قولين :
أحدهما : أنه سماهم محاربين له تشبيهاً بالمحاربين حقيقة لأن المخالف محارب وإن لم يحارب فيكون المعنى يخالفون الله ورسوله بالمعاصي

والثاني : أن المراد يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وقال سعيد بن جبير أراد بالمحاربة لله ورسوله الكفر بعد الإسلام وقال مقاتل : أراد بها الشرك فأما الفساد فهو القتل والجراح وأخذ الأموال وإخافة السبيل .

قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا اختلف العلماء هل هذه العقوبة على الترتيب أم على التخيير فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب وإنهم إذا قتلوا وأخذوا المال أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن لم يأخذوا المال نفوا قال ابن الأنباري فعلى هذا تكون أو مبعضة فالمعنى بعضهم يفعل به كذا وبعضهم كذا ومثله قوله كونوا هودا أو نصارى البقرة 135

المعنى قال بعضهم : هذا وقال بعضهم هذا وهذا القول اختيار أكثر اللغويين

وقال الشافعي إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وقال مالك الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء سواء قتلوا أو لم يقتلوا أخذوا المال أو لم يأخذوا والصلب بعد القتل وقال أبو حنيفة ومالك يصلب ويبعج برمح حتى يموت واختلفوا في مقدار زمان الصلب فعندنا أنه يصلب بمقدار ما يشتهر صلبه واختلف أصحاب الشافعي فقال بعضهم ثلاثة أيام وهو مذهب أبي حنيفة وقال بعضهم يترك حتى يسيل صديده قال أبو عبيدة : ومعنى من خلاف أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يخالف بين قطعهما فأما النفي فأصله الطرد والإبعاد ” اهـ

وقبل أن نبدأ تعليقنا نبين أننا نرفض تلك الروايات التي تقول أن الرسول أمر بقطع أيدي أولئك النفر وأرجلهم وسمل أعينهم أو تركهم بلا سقيا حتى يموتوا, ونرفض أن تكون حادثة كهذه (ربما تصرف فيها بعض المسلمين بهذا الشكل! ثم نُسب إلى الرسول زورا!) أن تكون هي سبب نزول الآية, فليس لها علاقة بالأجواء التي نزلت فيها السورة, والتي بيناها في تناولنا لها, كما أن تلك الحادثة لا تنطبق مع منطوق الآية والذي سنبين بعد قليل.

والشاهد أن الفقهاء جعلوا حد الحرابة في اللصوص, وتحديداً فيمن يقطع الطريق! ومن ثم فإن الاستعمال الذي قال به الإعلام للكلمة لم يكن بدعاً من القول وإنما مستنداً إلى ما اختلاف الفقهاء في كتبهم حول هذه الآية. لذا ننظر في هذه الآية لنبصر هل تتناول الحكم الذي قال به الفقهاء أم أنها تعرض لحالة أخرى:

الناظر في الآية يجد أنها تبدأ بقول الرب الحكيم: ” إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ “, بينما نجد الآيات الأخرى المتعلقة بعقوبات بدأت بقوله: ” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ .. [المائدة : 38] ” و” الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ … [النور : 2] “, و: “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء : 93] “

فبدأت الآيات كلها بالحديث عن أفراد وقدمت العقوبات لها, بينما هنا بدأت آية المائدة والتي قدمت أقسى عقوبة في القرآن, بالقول: “الذين”, ومن ثم فالحديث هنا عن جماعة وليس عن فرد. وهذه الجماعة تقوم بشيء ما, فما هي تلك الفعلة الشنيعة التي استدعت ذلك العقاب القاسي؟

هذه الفعلة الشنيعة هي أنهم: ” يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً “. إذا فهم يفعلون أمرا مركبا, وهو: محاربة الله ورسوله ويفسدون في الأرض!
وحرب الله ورسوله بالتأكيد هي محاربة للدين وليس لأشخاص ولا لأموال. فإذا أردنا أن نقدم تصوراً ينطبق مع منطوق الآية يمكننا أن نقول: أنه كان هناك نفر أو جماعات في زمن النبي كانوا يعتدون على الناس لدينهم, فكانوا يقتلون المسلمين ويفتنونهم أو يشترطون على الناس للمرور أن يكفروا بالدين الجديد, كما كانوا –ربما-يقومون بغارات على القرى المسلمة فيدمرون الزروع ويسرقون الدواب.

فالشاهد أنهم كانوا جماعات متمردة مفسدة محاربة للدين, لهذا أنزل الله هذا الحكم القاسي للقضاء على أولئك المتمردين الخارجين عن سلطان الدولة والإنسانية, وحتى لا تسول أي نفس آثمة لصاحبها أن يفسد أو يعتدي فالعقاب وبيل. ومن ثم فمن فعل مثلهم يعاقب عقوبتهم, ومن لم تكن فعلته كفعلتهم فله عقوبة مختلفة.

فهل ما يقوم به قطاع الطريق السارقون المختطفون تحقق فيه هذان الشرطان؟
بداهة لم يتحقق, فهم وإن سرقوا وقطعوا الطريق إلا أنهم لم يفسدوا في الأرض ولم يحاربوا الله ورسوله, ولست أدري كيف تقبل الفقهاء أن يجعلوا سارقا محارباً لله ورسوله, ولست أدري كيف ينطبق فعل هذا مع منطوق الآية؟!! فعندما يكون مستندهم في استباحة دماء الناس والحكم بمثل هذه العقوبة القاسية هو التشبيه “تشبيه القاطعين بالمحاربين”!! فهذا أمر عجب وما أقساها من قلوب!

وفي الختام نقول:
حتى لو كان المقصود من الآية ما قال به المفسرون والفقهاء فإن الحدود لا تُقام بهذه الطريقة وإنما إقامتها إلى الحاكم, وما يقوم به هؤلاء الناس هو شريعة الغاب والجاهلية, وهم عندما يقومون بتلك الأفعال فهم لا يقومون بها انتصاراً لشرع الله وتنفيذا لحدوده, وإنما هي عصبية الجاهلية والغضب للنفس ولأبناء البلد, فيقومون بتعذيب الجناة وربما يفضي التعذيب إلى القتل, فلا نعطي عصبيات الجاهلية ألقاباً رنانة ترجع إلى الدين! فكفانا تشويها له وإسقاطا لكلام الله على غير ما قال, والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.