الرد على القرآنيين : هل هناك وحي غير القرآن ؟

” وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا “
منذ فترة ليست بالطويلة ظهر على الساحة الفكرية الإسلامية طائفة من المسلمين ! جعلوا أنفسهم هم المؤمنين ورموا باقي المسلمين بالكفر والخروج من دين الله عزوجل بحجة أنهم مشركون بالله عزوجل
أما هم فهم المسلمون المؤمنون فقط لأنهم وحدهم هم من ءامنوا بالله وبكتابه فقط ! أما ما بخلاف كتاب الله من الأحاديث النبوية فاتباعها شرك وكفر بالله عزوجل !

لأن الله عزوجل لم ينص عليها في كتابه ! فأنكر هؤلاء السنة جملة وتفصيلا وارتضوا لأنفسهم القرآن فقط ! ثم لما عزلوا السنة والتاريخ أصبحت المسألة هرجا ومرجا ! وقال من شاء ما يشاء بحجة أنه لا يتفق أو لا يجوز أو لا يمكن أو لأن المعنى لا يعجبه أو لأن عقله – الذي وسع العقول حكمة وعلما – لا يرى حكمة في هذا الأمر . واتسع الخرق على الراتق .

فبعد أن كان هناك من يمكن وصفهم بالقرآنيين المعتدليين ! كان وحتما ولزاما أن يتطور الأمر إلى الخطوة التالية ويظهر هؤلاء القرآنيون المتحررون من كل شيء إلا من عقولهم – التي يعجب المرء كيف تفكر ! – فلما أنكروا السنة والتاريخ أصبح من الممكن إنكار اللغة كذلك
فليست اللغة عندهم أعز من السنة فليقبلوا ما يشاءون من المعاني وليرفضوا ما لا يعنّ لهم , فهذا يأباه العقل وذلك يرفضه الذوق وهذا المعنى الجديد أتى به عقله الألمعي , فرأينا عجبا عجابا , فرأينا منهم من اجتث العقيدة من أصولها فجعل الله عزوجل عنوانا للقوانين الكونية وجعل المساجد هي المراصد !

وهناك من جعل سيدنا يعقوب هو المريخ أو ما شابه من هذه الترهات , وهناك من جعل الصلاة كذا والصيام كذا ! والجنابة ليست جنابة ! أو هي جنابة ولكنها لا تستحق الغسل ! ولا نلوث ذهن القارئ بهذه الترهات التي انفجر منها الكبد مرارة وسقط منها الشعر حنقا ولكنا نبدأ بإذن الله وعونه في الرد على هذه الترهات . وقبل أن نرد على مسائلهم وأقوالهم ونثبت أن ما جاء في السنة هو أساسه القرآن , نهدم العمود الرئيس في دعواهم وهو قولهم أنه لا يوجد وحي للرسول المصطفى إلا القرآن

وبداهة سنستدل على دعوانا هذه بالقرآن فقط ! لأنهم يدعون أنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن ! والحق يقال أنهم لا يؤمنون إلا بما يريدون أن يستخرجوه هم من القرآن ! لذا سنستخرج لهم من القرآن أن القرآن أشار إلى وجود وحي للنبي (ص) بخلاف القرآن , علّ الله يهدي ويصلح

ولن نبدأ الرد هنا بذكر الآيات التي تشير إلى وجوب طاعة الرسول لأنهم سيقولون أنها تعني طاعته بما جاء في القرآن فقط , مع أن الله تعالى يقول : ” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ” وهو أمر عام , ولكن حتى لا ندخل في جدل لا نهائي نبدأ بذكر الوقائع الصريحات على وجود وحي غير القرآن :


يحكي الله عزوجل لنا عن فعل النبي في غزوة بدر حيث قال للمؤمنين أن الله سينصرهم ب 3000 من الملائكة , وحكى الله عزوجل هذا في سورة آل عمران التي نزلت بعد غزوة أحد ! حيث قال :
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ [آل عمران : 124]
وهنا نسأل الأخوة القرآنيين: أين نجد في القرآن أن الله أخبر محمدا أنه سينصره بهذا العدد من الملائكة أم أن الرسول كان يقول ” أي كلام والسلام ” للمؤمنين من أجل تثبيتهم ثم نزل القرآن ليؤكد كلام الرسول ؟

حتما أوحى الله إليه وأمره أن يقول هذا للمؤمنين وقاله فعلا , ثم حكى الله هذا القول للمؤمنين لاحقا , أم أن للقرآنيين قول آخر في هذه الآية ؟ الله أعلم .


كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ و َإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال : 5,6, 7]

هنا يخبر الله عزوجل أنه أوحى إلى النبي المصطفى أن يخرج ويخرج معه المؤمنين لأنه يعدهم أن إحدى الطائفتين لهم وكان المسلمون يجادلون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وكانوا يودون الحصول على الطائفة السهلة بدون قتال ولكن الله أراد أمرا آخر وهو ما كان !


فإذا فلقد كان هناك أمر ووعد بظفر إحدى الطائفتين وهذا ما أخبر به النبي المؤمنين , ولا نجد هذا في القرآن , فأرجوا أن يخبرني السادة القرآنيون أليس هذا الوعد وحي أم لم يكنه ؟ وإذا كان وهو كذلك فعلا , فليخرجوه لنا من القرآن !
فإذا لم يجدوا بدا من القول أنه وحي ولكنه وحي غير تشريعي !

فيعني هذا أنهم سيقرون بوجود وحي بخلاف القرآن وهذا كاف لهدم بنائهم من القواعد ولكن نواصل معهم لنريهم أنه كان هناك وحي تشريعي بخلاف القرآن كذلك وهذا ما نجده في سورة الأحزاب , ففيها يقول الله تعالى : َوإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً [الأحزاب : 37] “


فالله عزوجل أمر محمدا أن يأمر زيدا بطلاق زوجه ليتزوجها النبي المصطفى وكان هذا في وحي غير القرآن وكان النبي يخجل من هذا الأمر وتردد في تنفيذه , فنزل عليه الوحي في القرآن ليعيب عليه هذا الفعل فقال له ” الآية السابقة “
فإذا لم يكن هناك أمر مسبق من الله عزوجل للنبي والنبي تأخر في تنفيذه فلم يلومه الله ؟
وأنا أعتقد أن الأمر بتطليق الابن المتبنى لفلانة وزواج الأب المتبني منها يعد تشريعا للمسلمين , وكان هذا في بادىء الأمر في غير القرآن – ولو أسرع النبي المصطفى ونفذ الأمر وجاء إلينا في السنة لظهر القرآنيون ورفضوا هذا الأمر وادعوا أنه ليس في القرآن .

إذا هناك وحي بخلاف القرآن – تشريعي كان أو غير – المهم وجود الوحي , وأرجوا أن يخرجوا أنفسهم من هذه الورطة .

مسألة الصلاة :
على الرغم من أننا سنفرد لها موضوعا مستقلا نرد فيه عليهم ولكنا نقول لهم هنا :
أنتم تتبعون منهجا عجيبا في استخراج الصلاة من القرآن عن طريق تجميع بعض الآيات ثم تقولون هذه هي الصلاة ورأينا منكم أشكالا عدة لم تتفقوا فيها على رأي وكلها من باب التخمين ومن يوافقكم يوافقكم لأنه لم يفكر في الآيات بمفرده ولو فكر لأتى بشكل جديد

وأنا أسأل : كيف صلى الرسول المصطفى والمسلمون عندما جاء إليه أول أمر ” وأقم الصلاة ” أو ” وأقيموا الصلاة ” ؟

الآن هنا أمر ولكن ليس هناك أي توضيح للكيفية , فهل انتظر الرسول حتى نزلت عليه باقي السور التي ذكر فيها أركان الصلاة ثم صلى أم أنه صلى مع أول أمر بإقامة الصلاة ؟ أم أن هذه الآيات نزلت كلها مجمعة مرة واحدة ؟
ونفس ما قيل في الصلاة يقال في زكاة الأموال ( الصدقات ), فكيف خوطب المسلمون بإخراجها وهم لا يعرفون المقدار المحدد ؟ أم أنهم لم يؤدوها ؟

يقول الله تعالى في كتابه الكريم “ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة : 58] “
هنا يخبر الله عزوجل عن نداء المسلمين للصلاة ( الآذان ) ويتحدث عن فعل غير المسلمين في المدينة عند سماعهم النداء , وهنا نسأل : أين أمر الرسول بالنداء إلى الصلاة ؟

لا توجد آية واحدة تشير إلى هذا الأمر ! وهذا من الأمور التشريعية كما أعتقد , فماذا يقول القرآنيون في هذا الأمر , هل ابتدعه الرسول من عند نفسهه أم ماذا ؟

يقول الله تعالى ” وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة : 84]”

الله عزوجل ينهى النبي عن الصلاة على المنافقين , وبغض النظر إذا كان المقصود من الصلاة هنا الصلاة المعروفة عند عامة المسلمين أو حتى مجرد الدعاء, ولكن الشاهد أنه كانت هناك ( عادة) للرسول وهي الصلاة على من يموت والقيام على قبره من أجل الدعاء ( وهذا دليل على أن المراد من الصلاة ليس مجرد الدعاء وإلا فلا حاجة للقيام على القبر فالرسول يمكنه الدعاء من أي مكان )

فمن أين أتى الرسول بهذه الصلاة هل من عند نفسه أم من الله عزوجل ؟
أعتقد أن فيما ذكرناه الكفاية لمن أراد الفصل في مسألة وجود وحي بخلاف القرآن سواء كان وحيا تشريعيا أو وحيا نبوءيا , الشاهد أن القرآن يثبت وجود وحي بخلافه وهذا ما نبتغيه.
وننتظر الرد من القرآنيين لنر كيف يردون على هذه الآيات البينات !

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

2 تعليقان

  1. مقال رائع وواضح وجزاك الله خيرا.

    بعدما اتضح فعلا وجود الوحي خارج القرآن…أتسائل ما هو معيار المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى وهل يحمّلنا الله مسؤولية اعتقادات وأعمال لم تذكر في كتابه؟ وكيف ذلك؟ هل على المسلم بأن يحطاط ويأخذ من التراث كل شي؟ إذا لم يكن كل شيء فكم يأخذ وبأي معايير يختار؟
    وشكرا لكم على جهودكم المباركة

    • لا طبعا لا يجب أن يأخذ من التراث كل شيء
      مبدأ إما أن تأخذه كله أو تتركه كله مبدأ غير سليم
      إما أبيض وإما أسود هذا تفكير حدي, وهناك دوما بين الأبيض والأسود الكثير من الدرجات والإمكانيات
      وهو كذلك الحال مع التراث فالأمر يحتاج إلى بحث وتمحيص
      الظريف أصلا أن الروايات لم تذكر هذا الوحي
      فلم تقل مثلا أن الرسول أوحي إليه أو رأى رؤيا أن الله سيمد المؤمنين بكذا من الملائكة فبشرهم وإنما تتحدث عن كلام آخر أن فلانا كان سيمد المشركين فشق ذلك عليهم فقال لهم الرسول كذا!!
      كأن الرسول يتكلم من تلقاء نفسه!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.