وبالوالدين إحسانا

ان الناظر في كتاب الله تعالى يجد أن الله ذكر ” بالوالدين إحسانا “ في كثير من المواضع بعد أن أمر بعبادته أو نهى عن الشرك به , والسادة المفسرون -غفر الله لنا ولهم- فسروا ! الآيات بأن المراد من ذلك هو المصدر في صيغة الأمر أي أحسنوا إلى الوالدين ! فهل هذا هو المعنى المراد ؟


إذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أنه استعمل أحسن مع حرف الجر اللام كما جاء في قوله تعالى {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }الإسراء7


ووجدنا في لغة العرب يأتي مع حرف الجر إلى , وحرف الجر إلى قريب في المعنى والاستعمال من اللام فيمكن قبول استعمال العرب لإلى . ولكن الآيات التي نتحدث عنها كلها لا تستعمل إلا الباء , فكيف جعل المفسرون الباء مساوية للام أو لإلى ؟

قالوا – كالعادة – : ذلك جائز في لغة العرب أن تستعمل ” أحسن ” مع حرف الجر الباء وتكون بنفس المعنى ! ومن ذلك ما جاء في لسان العرب :

” وأَحسَنْتُ إليه وبه، وروى الأَزهري عن أَبي الهيثم أَنه قال في قوله تعالى في قصة يوسف، على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وقد أَحسَنَ بي إذ أَخرَجَني من السِّجن؛ أَي قد أَحسن إلي. “

.إذا فهم يستندون في تبريرهم لهذا القول بفهمهم هم لقول الله تعالى : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }يوسف100 

فهم فهموا أن أحسن بي تعني أحسن إلى ! ولست أدري كيف يكون ذلك ؟ أحسن بي تعني أحسن بي أي جعله هو وسيلة الإحسان إلى الناس عندما أخرجه من السجن ليدبر خطة الموازنة العامة لمدة المجاعة والجفاف الذي سيصيب مصر

فالمعنى أجلى من واضح ولكنها الحاجة إلى جعل هذه الآية مثل أولئك التي ذكر فيها الإحسان بالوالدين , وإلا كيف يكون المراد هنا من خلال استعمال حرف الباء هو الإحسان بواسطة يوسف وهناك يكون إلى الوالدين ؟

إذا فلا يقبل قولهم بأنه يستعمل حرف كذا بمعنى كذا , فالحروف في القرآن تأتي بمعنى واحد شمولي يتناسب تناسبا جزئي مع الفعل المرتبط به , أما أن يتغير المعنى كلية فهذا ما لا يقبل بحال . فإذا نحن رفضنا قولهم بأن مدلول الآيات في مثل قوله تعالى :
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ }البقرة83

{وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }النساء36

{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ولا تقتلوا …. “

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ……. “

هو الأمر بالإحسان إلى الوالدين , فماذا يكون مدلول الآيات إذا ؟
نقول: إن القائلين بأن الآيات تفيد الأمر بالإحسان بخلاف قبولهم استعمال حرف مكان حرف فإنهم يقولون بوجود محذوف حتى يستقيم المعنى ! فقالوا أن المقصود : وأحسنوا بالوالدين إحسانا !

أما نحن فلا نقبل حرفا مكان حرف ولا نقول بمحذوفات في القرآن ونفهم الآيات كما هي , فنقول :
الملاحظ في الآيات التي ورد فيها قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا أنها كلها واردة بعد الأمر بعبادة الله تعالى والنهي عن الشرك به , وهنا يحق لنا أن نسأل : لماذا ورد ” بالوالدين إحسانا ” بعد الأمر بالعبادة أو النهي عن الشرك ؟

سيقول السادة المفسرون : هذا من باب التنبيه على عظم قدر الإحسان للوالدين . ونحن نقول : إن الآية التي ورد فيها الأمر بالإحسان للوالدين هي قوله تعالى : {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }الأحقاف15
– والباء الواردة في قوله تعالى بوالديه ” متعلقة بالفعل وصى , فهو متعد بالباء , كما جاء في قوله تعالىووصى بها إبراهيم بنيه “ وهناك كذلك في سورة العنكبوت “ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ” –
, أما الآيات هنا فهي من باب الإخبار وليست من باب الأمر بحال , فالله تعالى يخبر مثلا في سورة الإسراء أنه قضى أن لا نعبد إلا إياه وقضى أنه بالوالدين إحسانا . ونوضح للقارئ أكثر : حرف الباء يدل على ما يتوصل به إلى غير فهو بمعنى الواسطة . فالله قضى أن لا نعبد إلا إياه وقضى أن يكون الإحسان بواسطة الوالدين لما غرس في قلوبهم من الرأفة والشفقة بالأولاد 
لذلك فمن الواجب على الإنسان أن يرد الجميل عندما يبلغان الكبر أحدهما أوكلاهما . أما على فهم المفسرين فالمعنى : أحسنوا إلى الوالدين , ثم يوضح المولى عزوجل الإحسان فيقول : إما يبلغن عندك الكبر ……… . وهذا مفهوم بداهة فالمخاطب ليس الأطفال حتما بل هم الكبار , وإذا كان الإنسان كبيرا فمن المحتم أن يكون ابواه كبيرين كذلك , فما الحاجة للتوضيح ؟!
أما لماذا ورد التعبير” بالوالدين إحسانا ” بعد العبادة
فنقول والله أعلم : إن الله عزوجل أمر بتوجيه العبادة إليه وإخلاصها له وتنقية القلوب من كل ما يتعلق به الإنسان , إلا أنه في نفس الوقت جعل بالوالدين إحسانا لأبنائهم , ونحن نعلم مدى تعلق قلوب الآباء بأبنائهم –
لذلك لم يوص الله الآباء بالأبناء وإنما أوصى الأبناء بالآباء ,- فكأن الله عزوجل يشير بقوله هذا إلى أن التعلق المباح بغير الله تعالى هو ما غرسه هو في نفوس الآباء تجاه أبنائهم , وهذا ما توضحه آية الأنعام ,
فالله تعالى يقول : ” قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ولا تقتلوا …. “
فالمفسرون احتاروا في توجيه هذه الآية لاعتقادهم أن المقصود من قوله تعالى ” وبالوالدين إحسانا “ هو الأمر فحاولوا أن يبرروا وجود أمر بين نواه مذكورة من أول الآية إلى أخرها ولفوا وداروا , وقالوا وزادوا .
أما نحن فنهمها على أنها جملة اعتراضية توضح أنه لا تعارض بين ما يجده المرء في قلبه من تعلق شديد بأولاده حتى أنه يكاد يصل إلى درجة الشرك بالله , فالله هو الذي كتب هذا الإحسان وغرسه . قد يقول قائل : وكيف توجه آية البقرة والنساء والتي يذكر الله تعالى فيهما أصنافا بعد الوالدين ؟
فنقول : هما كما هما , فالله يذكر أنه جعل الإحسان بالوالدين , أي أن الوالدين هما وسيلة الإحسان إلى الأبناء , وكذلك باقي المذكورين جعل الله بهم إحسانا . قد يقول القائل : وهل المسكين واليتيم وسيلة للإحسان , ولمن يحسن ؟ نقول : نعم , هو وسيلة للإحسان , فهو الوسيلة التي يتوصل بها الغني إلى الإحسان ! فهو يحسن إلى الغني والغني يحسن إليه !
وهذا كله على فهم الآية الفهم الضيق بأن الإحسان هو الإحسان المادي , وإلا فالمعنى أوسع وأشمل وأعم من ذلك بكثير , ولا تعارض فيه أبدا

وبذلك نتوصل إلى أن الآية الوحيدة التي أمر الله فيها بالإحسان للوالدين هي آية الأحقاف , أما باقي الآيات فهي من باب الإخبار عن حال الآباء إلى الأبناء وعلاقة ذلك بعبادة الله تعالى والله أعلى وأعلم .ا

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.