سورة الغاشية: غشو مستحق!

تدور سورة الغاشية في فلك الغشو ورفعه بالتذكير! فإذا كنت ممن غشيتهم الدنيا فستكون ممن يغشاهم العذاب في الآخرة, وإذا كنت ممن كشف غشاوتها فسيغشاك النعيم في الآخرة!

ووظيفة الرسول هي التذكرة فقط لرفع الغشو وليس له إجبار الناس على الرؤية! فحساب الناس وعقابهم على الله عزوجل! فإما أن يغشاهم النعيم أو العذاب المقيم.

انتهت السورة السابقة “الأعلى” بالإعلام أنها كانت في الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى, وكانت السورة عامة تدور حول الآخرة! وتبدأ سورة الغاشية بقوله تعالى للنبي الكريم:هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)

ففي الآية استفهام واضح موجه إلى النبي الكريم, والعجيب أن هناك من المفسرين من جعل الاستفهام بمعنى التوكيد! –كما فعلوا مع بداية سورة الإنسان!-, ومن ذلك ما أورده الإمام الألوسي, فقال:
“قيل “هل” بمعنى قد, وقد ظاهر كلام قطرب حيث قال أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية. والمختار أنه للاستفهام, وهو استفهام أريد به التعجيب مما في حيزه والتشويق إلى استماع والاشعار بأنه من الأحاديث البديعة التي حقها أن تتناقلها الرواة ويتنافس في تلقنها الوعاة”

وهذا التشتت والترجيح وإضاعة الوقت بسبب التأصيل الفاسد, الذي يقبل أن تأتي أي كلمة بأي معنى, طالما استغلق الفهم على المفسر! حتى أن الاستفهام يصبح مفيدا للتوكيد!
ولذلك وجدنا الإمام الفخر الرازي يقول في تفسيره:
“إنما قال: { هَلُ أَتَاكَ } وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفاً به على التفصيل، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين. فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها، فلما عرفه الله تفصيل تلك الأحوال، لا جرم قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية}.” اهـ

أما نحن فنقول أن الاستفهام بمعنى الاستفهام, ولا يمكن أن يفيد أي معنى آخر. والناظر يجد أن هذه التركيبة “هل أتاك حديث” وردت في القرآن خمس مرات, وهي:
وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه : 9]
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات : 24]
هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات : 15]
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج : 17]
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية : 1]
والملاحظ أنها كلها عن أحداث في الحيوة الدنيا قبل النبي الكريم, -كان من الممكن أن يصل علمها إلى النبي الكريم من مصدر غير القرآن, إلا أنها أتت إلى النبي الكريم في القرآن- إلا آية سورتنا هذه, فإنها تتحدث عن الآخرة, وعلى الرغم من ذلك يُسأل النبي الكريم: هل أتاك حديث الغاشية؟

فنفهم من الآية أن هذه إشارة إلى أنه كان هناك حديث عن الآخرة, موجود في الكتب السابقة فيما يتناقله الناس, ومن الممكن أن يصل إلى النبي الكريم, فأتته الآيات فبينت له حال الغاشية.

وبهذا الفهم تظهر العلاقة الجلية بين خاتمة السورة الماضية ومفتتح هذه السورة, فهناك تقول أن محتواها موجود في الصحف الأولى وهذه السورة تبدأ بسؤال النبي الكريم هل أتاه حديث الغاشية, والذي يمكن أن يصله طرف منه من الكتب السابقة أو مما يتناقله الناس!

ونلحظ أن الله تعالى استعمل صيغة “فاعلة”, لكي يشير إلى كبر وعظم المتحدث عنه, كما نقول: راوية, داهية, قارعة, طامة, حاقة, واقعة, آزفة.

ولسائل أن يسأل: لم ابتدأ الله تعالى السورة ب “الغاشية” تحديدا؟ فقد كان من الممكن أن يبدأ السورة بأي اسم آخر؟
نقول: هذا والله أعلم راجع إلى التناسب بين آخر السورة السابقة والسورة الحالية, فهناك قال الله تعالى “والآخرة خير وأبقى” فهي أكثر بقاءا من الدنيا,
وابتدأ السورة هنا بالحديث عن الغاشية, التي تغشى الناس غشيا دائما لا يرتفع, فمن كان فيها في العذاب فهو في العذاب أبدا, ومن كان في النعيم فهو فيه أبدا, فناسب الحديث عن الاستمرار والإحاطة والتغطية الحديث عن البقاء في آخر سورة الأعلى.

واختلف العلماء في المراد من الغاشية, فقيل المراد منها اليوم الآخر, وقيل المراد الساعة وقيل النار نفسها, والمرجح عند عامتهم أن المراد منها اليوم الآخر, والذي نراه نحن أن المراد من الغاشية, استنادا إلى المذكور في السورة, هو يوم وقوع العذاب بالكافرين والمجرمين ودخول المؤمنين العاملين في جنات النعيم. -اليوم الآخر يتكون من عدة أيام-
فهذا هو الغشو الحقيقي,

فالمجرم يُعذب في النار والمؤمن يتمتع ويلتذ في الجنة, وقد غشي كلا منهما حاله التي لن تتغير والتي لا يمكن أن ينشغل عنها, بخلاف موقفهما في المحشر, فما بعده حتما أقوى وهو محل التفكير. وعندما يستقر كل منهما في محله فقد غشيه جزاءه, الذي يشغله عن أي شيء آخر.

وبعد أن بدأت السورة الكريمة بسؤال النبي الكريم عن علمه بالغاشية, تبدأ السورة في عرض بعض مظاهر هذا الغشو, وتبدأ بعرض حال الكافرين المكذبين المجرمين, فتقول:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)

فهؤلاء المجرمون سيكونون خاشعين عندما يغشاهم العذاب, فسيذهب عنهم كبرهم وبطرهم واستهزاءهم بالمؤمنين. وليست المسألة مقتصرة على الإذلال فقط, وإنما تتعداه إلى العمل, فهؤلاء المكذبون في عمل دائم لا يرتاحون ولا يجلسون! وهو ما يمكن أن نسميه حقا “أشغال شاقة مؤبدة” فهي مستمرة لن تنتهي! فهذا هو العذاب الأبدي الحقيقي, حيث العمل والنصب.

والنصب معروف, وهو كما جاء في مقاييس اللغة:
“النون والصاد والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على إقامةِ شيءٍ وإهدافٍ في استواء. يقال: نصَبتُ الرُّمحَ وغيرَه أنصِبهُ نصباً.
وتيسٌ أنْصَبُ، وعنْزٌ نصباءُ، إذا انتصب قرناها وناقَةٌ نَصْباء: مرتفعة الصَّدر.
والنَّصْب حجرٌ كانَ يُنصَب فيُعبَد، ويقال هو النُّصُب، وهو حجرٌ يُنصَب بين يدي الصَّنَم تصبُّ عليه دماءُ الذّبائح للأصنام. والنَّصائب: حجارةٌ تنصَبُ حوالَيْ شَفِير البئر فتجعلُ عضائد. ومن الباب النَّصَبُ: العَناء، ومعناه أنَّ الإنسان لا يزال منتصباً حَتَّى يُعييَ.وغبارٌ منتصب: مرتفع………. ” اهـ

ولقد رفض هؤلاء أن ينصبوا لله عزوجل في الدنيا, “فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح : 7]“, فنصبوا في الآخرة في العذاب المقيم.

ولا يقتصر الأمر على ذلك وإنما يتعداه إلى صلو النار الحامية, فهم سيلزمونها ويحترقون بها وفيها. (تذكر قوله تعالى في السورة الماضية في حق الأشقى: الذي يصلى النار الكبرى), وبدلا من أن يذوقوا النعيم في القرب من الله والرغبة إليه في الصلاة, صلوا النار الحامية. -وهذه الآية دليل على أن الغاشية غير النار-


وتواصل السورة الحديث عن حال هؤلاء, فتنتقل للحديث عن صنف آخر من عذاب هؤلاء, فمشرب ومطعم هؤلاء لن يمثل أي وجه من النعيم وإنما سيكون كذلك من صنوف العذاب, فتقول:
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5)

فشراب هؤلاء من عين شديدة الحرارة, فالآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخير. وفي الحديث: «أن رجلاً أخر حضور الجمعة ثم تخطى رقاب الناس ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” آنيت وآذيت
وإذا كان الأبرار في المطففين يسقون من رحيق مختوم, فإن الفجار هاهنا يسقون من عين آنية.
لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
والإشكال في هاتين الآيتين في قوله تعالى: “ضريع”, فما المراد منها؟

اختلف المفسرون فيها اختلافا واسعا, ويعرض ذلك الاختلاف الإمام الفخر الرازي, فيقول:
“واختلفوا في أن الضريع, ما هو على وجوه أحدها: قال الحسن: لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئاً 

وثانيها: روى عن الحسن أيضاً أنه قال: الضريع بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى المؤلم والمسمع والمبدع، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرارة.

وثالثها: أن الضريع ما يبس من الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل، قال أبو ذويب: رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى.. وعاد ضريعاً عاد عنه النحائص, جمع نحوص وهي الحائل من الإبل ، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة
ورابعها : قال الخليل في كتابه : ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم هي الضريع، فكأنه تعالى وصفه بالقلة، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع وخامسها : قال أبو الجوزاء : الضريع السلا، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك، ثم قال أبو الجوزاء: وكيف يسمن من كان يأكل الشوك!
وفي الخبر الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة وأشد حراً من النار. قال القفال: والمقصد من ذكر هذا الشراب وهذا الطعام، بيان نهاية ذلهم وذلك لأن القوم لما أقاموا في تلك السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشاً جياعاً، ثم ألقوا في النار فرأوا فيها ماء وشيئاً من النبات، فأحب أولئك القوم تسكين ما بهم من العطش والجوع فوجدوا الماء حميماً لا يروي بل يشوي، ووجدوا النبات مما لا يشبع ولا يغني من جوع، فأيسوا وانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش

،كما قال: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل} [ الكهف : 29 ] وبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطعنعوذ بالله منها وههنا سؤالات:
السؤال الأول: قال تعالى في سورة الحاقة : { فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } [ الحاقة : 36-35 ] وقال ههنا : {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } والضريع غير الغسلين والجواب : من وجهين الأول : أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد، لكل باب منهم جزء مقسوم.
الثاني : يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع ويكون ذلك كقوله: مالي طعام إلا من الشاه ، ثم يقول : مالي طعام إلا من اللبن، ولا تناقض لأن اللبن من الشاة.” اهـ

وبعد هذا العرض يظل الإنسان على نفس حيرته, فما المراد من الضريع؟
الناظر في معني هذه الكلمة يجد أنها من كلمات الأضداد والتي تأتي بالمعنى وضده, فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول:
“الضاد والراء والعين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على لينٍ في الشَّيء. من ذلك ضَرَعَ الرجل ضَراعةَ، إذا ذلَّ. ورجلٌ ضَرَعٌ. ضعيف: قال ابنُ وَعْلة:
أناةً وحلماً وانتظاراً بهم غداً فما أنا بالواني ولا الضَّرَعِ الغُمْرِومن الباب ضَرْعَ الشّاة وغيرِهِ، سمِّيَ بذلك لما فيه من لِين.
ويقال: أضْرَعَت النّاقة، إذا نَزَلَ لبنُها عند قرب النَّتاج. فأمَّا المضارعة فهي التشابُه بين الشيئين. قال بعض أهلِ العلمِ: اشتقاق ذلك من الضَّرْع، كأنهما ارتضعا من ضَرعٍ واحد. وشاةٌ ضَرِيعٌ: كبيرة الضَّرْع، وضريعةٌ أيضاً.
ويقال لناحِل الجسمِ: ضارع……..” اهـ

وإذا نظرنا في اللسان وجدنا ابن منظور يقول:
“… والضَّرْعُ لكل ذات ظِلْف أَو خُفّ، وضَرْعُ الشاةِ والناقةِ: مَدَرُّ لبنها، والجمع ضُرُوعٌ. وأَضْرَعَتِ الشاةُ والناقة وهي مُضْرِعٌ: نَبَتَ ضَرْعُها أَو عَظُم.
والضَّرِيعةُ والضَّرْعاءُ جميعاً: العظيمة الضَّرْعِ من الشاءِ والإِبل.
وشاة ضَرِيعٌ: حَسَنة الضَّرْعِ. وأَضْرَعَتِ الشاةُ أَي نزل لبنها قبيل لنِّتاجِ.
وأَضْرَعَتِ الناقةُ، وهي مُضْرِعٌ: نزل لبنها من ضَرْعها قُرْب النتاج، وقيل: هو إِذا قرب نتاجها. وما له زرع ولا ضَرْعٌ: يعني بالضرع الشاة والناقة؛” اهـ

لذا يرجح عندنا من هذا أن المراد من الضريع هو الأنعام من الشاء والإبل, ولكنها لا تسمن ولا تغني من جوع! ولو كان المراد منها الشوك أو أي معنى آخر, لما احتاجت إلى هذا التحديد, فهي واضحة الدلالة في كونها لا تنفع, أما مع هذا الفهم فقد يظن الإنسان أن هذه الحيوانات قد يستفيد منها الإنسان, فيبين الله عزوجل أنها لا تسمن ولا تغني من جوع.

وبعد أن ذكرت الآيات بعضا من أهم مظاهر شقاء هؤلاء في عذابهم, تنتقل السورة كعادة القرآن في عرض مشهد المنعمين, كمشهد مقابل لهذا المشهد, فتقول:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8), وكما بدأ الصنف الأول بالحديث عن الوجوه يبدأ الصنف الثاني كذلك بالحديث عن الوجوه, ولكن إذا كان وجوه الصنف الأول خاشعة فإن وجوه هؤلاء ناعمة, -ولم ترد كلمة “ناعم” في القرآن كله إلا في هذا الموضع-

وقد يكون من المستغرب أن يقابل الخشوع بالنعومة, فالمتوقع أن يُقابل بالسرور مثلا, ولكن الله عزوجل تجاوز هذه المرحلة وانتقل إلى التالية لها –آثارها- وهي النعومة.

وإذا كان الصنف الأول: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)”, فإن الصنف الثاني: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9)
فهؤلاء تكبروا في الدنيا فنصبوا في الآخرة, أما الأبرار فعملوا في الدنيا فتنعموا ورضوا في الآخرة.

واختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى “لسعيها راضية“, فقال الإمام الرازي عند تناوله لهذه الآية:
“وفيه تأويلان أحدهما: أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل لله. لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل ، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول: ما أحسن ما عملت، ولقد وفقت للصواب فيما صنعت. فيثنى على عمل نفسه ويرضاه.
والثاني: المراد لثواب سعيها في الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب، وهذا أولى إذ المراد أن الذي يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه.

ولكنا نقدم فهما مختلفاً للكلمة, ونفهمها كما هي, فنقول:
رضي: تتعدى بنفسها, فتقول: رضيت الشيء أو رضيته! أو تتعدى بالباء: فتقول: رضيت بالله ربا! وقد تتعدى باللام, وهنا يختلف المعمول والمعنى, فتقول: رضيت لنفسي أو رضيت لك هذا العمل!
وقد تأتي “اللام” بمعنى التعليل, فتقول: لاجتهادي فزت.

فنفهم من هذا أن الأبرار رضوا بسبب سعيهم في الدنيا, وبهذا تكون الآية مثل كثير من الآيات التي تتحدث عن ربط الجزاء بالعمل. وتكون تأكيدا لآيات النجم:
” وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى [النجم : 39-41]

وإذا كان الصنف الأولى يصلى النار الحامية: “تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)”, فإن الأبرار: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11)

ونلاحظ أن الله عزوجل جعل في مقابل صلو النار الحامية, كونهم في جنة عالية, وتحديد سمت الجنة بكونها عالية هو –والله أعلم- كإبطال للصورة التي قد تظهر عند المستمع من أن الأبرار مغشيون في النعيم, فتقول أن غشو النعيم لا يعني أنهم في جنة محدودة أو منخفضة,
وإنما هي جنة عالية, لا يسمعون فيها لاغية, وذلك لأن الفجار الذين يصلون النار الحامية لا يسمعون شيئا بسبب حسيس النار العالي: “لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء : 100]”, أما الأبرار فهم في الجنة, حيث لا يسمعون فيها لاغية, فكل ما في الجنة مكثرٌ من ذكر الله عزوجل وحمده, ويتكلم بما ينفع فقط.

ومسألة سماع أهل الجنة من النقاط التي توقفتُ معها كثيرا, فالناظر أنها تأتي دوما بالسلب, فهم لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ولا كذابا, ولا حديث عنها إيجابا, فالملاحظ أنه لم يرد أي ذكر للمعازف –الموسيقى- في الجنة كلذة لأصحاب الجنان!
وهذا يحتم علينا أن نغير تصورنا كثيرا عن الجنة! فلو كانت المسألة مسألة شهوات, فهل هناك تصور لها بدون قيان تعزف وأنغام تنساب!

وعند حديثه عن هذه الآية قال الإمام الفخر الرازي:
” وأما أهل التفسير فلهم وجوه أحدها: أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران الله تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو, وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة، هذا ما قرره القفال.

والثاني: قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة والثناء على الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم والثالث: عن ابن عباس: يريد لا تسمع فيها كذباً ولا بهتاناً ولا كفراً بالله ولا شتماً. والرابع: قال مقاتل: لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر وأحسن الوجوه ما قرره القفال.” اهـ

وإذا كان حال الفجرة أنها تسقى من عين آنية, فإن حال الأبرار مختلف, فهم يشربون متى يحلو لهم: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)
يغترف منها الإنسان متى شاء!
والملاحظ أن السورة لم تنسب أي فعل للأبرار, وإنما تحدثت عما هم فيه من النعيم, لزيادة التباين بينهم وبين العاملين الناصبين.
ثم تبدأ السورة في عرض بعض نعيم جنة هؤلاء الناعمين, فتقول:
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13)
فالارتفاع دليل عز ومنعة, كما أنه يمكنه من رؤية أكبر قدر ممكن من النعيم.
وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14)
ولقد أجاد الإمام الفخر الرازي عند تناولها هذه الآية فقال:
“الأكواب: الكيزان التي لا عرى لها, قال قتادة: فهي دون الأباريق. وفي قوله: {مَّوْضُوعَةٌ} وجوه أحدها: أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئاً فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معد, وثانيها: موضوعة على حافاة العيون الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشرب

وثالثها: موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جوهر، وتلذذهم بالشراب منها ورابعها: أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الصغر والكبر.” اهـ

وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15)
وفي هذا يقول الإمام الألوسي:
جمع نمرقة بضم النون والراء وبكسرهما وفتحهما وبغير هاء { مَصْفُوفَةٌ } صف بعضها إلى جنب بعض للاستناد إليها والاتكاء عليها وقال الكلبي وسائد موضوعة بعضها إلى جنب بعض كالشيء الذي جعل صفاً أينما أراد أن يجلس المؤمن جلس على واحدة واستند إلى أخرى” اهـ
فزيادة في التنعم هناك نمارق مصفوفة بالإضافة إلى السرر المرفوعة –والمصفوفة كذلك, كما جاء في الطور: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ [الطور : 20]”

وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)
ونتوقف قليلا مع هذه الآية, فالمشتهر في تفسير الزرابي أنها بمعنى البسط والطنافس! وفي هذا يقول الإمام الألوسي:
“{وَزَرَابِيُّ} وبسط فاخرة كما قال غير واحد وقال الفراء هي الطنافس التي لها خمل رقيق وقال الراغب: إنها في الأصل ثياب محبرة منسوبة إلى موضع ثم استعيرت للبسط واحدها زربية مثلثة الزاي ولم يفرق في الصحاح بين الزرابي والنمارق والظاهر الفرق نعم قيل قد جاء نمارق بمعنى الزرابي ومنه :
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
لظهور أن الوسائد لا يمشي عليها عادة { مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة أو مفرقة في المجالس.” اهـ

ولكنا نفهم الزربية بمعنى مختلف تماما, وننظر في اللسان أولا لنرى ماذا يقول بشأن هذه الكلمة:
إذا نظرنا في مقاييس اللغة لابن فارس ألفيناه يقول:
الزاء والراء والباء أصلٌ يدلُّ على بعض المأْوَى. فالزَّرْب زَرب الغنم، وهي حظيرتها.” اهـ
فإذا نظرنا في لسان العرب وجدنا ابن منظور يقول:
“الزَّرْبُ: الـمَدْخَلُ. والزَّرْبُ والزِّرْبُ: موضعُ الغنم، والجمع فيهما زُرُوبٌ؛ وهو الزَّرِيبَةُ أَيضاً. والزَّرْبُ والزَّرِيبةُ: حَظيرةُ الغنم من خشب. تقول: زَرَبْتُ الغنمَ، أَزْرُبُها زَرْباً، وهو من الزَّرْبِ الذي هو الـمَدْخَلُ.
وانْزَرَب في الزَّرْبِ انْزِراباً إِذا دخل فيه. …….. وروي عن المؤرج أَنه قال في قوله تعالى وزَرابيُّ مَبْثوثةٌ؛ قال: زَرابيُّ النَّبْت إِذا اصْفَرَّ واحْمَرَّ وفيه خُضْرةٌ، وقد ازْرَبَّ، فلما رأَوا الأَلوانَ في البُسُطِ والفُرُش شبَّهُوها بزَرابيِّ النَّبْتِ؛ وكذلك العَبْقَرِيُّ من الثِّياب والفُرُشِ ……. وفي حديث أَبي هريرة، رضي اللّه عنه: وَيْلٌ للعَرب مِنْ شَرٍّ قد اقْتَرَبَ، وَيْلٌ للزِّرْبِـيَّةِ! قيل: وما الزِّرْبِـيَّة؟ قال: الذين يَدخُلون على الأُمراءِ، فإِذا قالوا شرّاً، أَو قالوا شيئاً، قالوا: صَدقَ! شبَّهَهُم في تلَوُّنهم بواحِدة الزَّرابيِّ، وما كان على صَنْعَتِها وأَلوانِها، أَو شبَّههم بالغَنَمِ الـمَنْسُوبةِ إِلى الزَّرب والزِّرْبِ، وهو الحظِـيرةُ التي تأْوي إِليها، في أَنهم يَنْقادون للأُمراءِ، ويَمْضُون على مِشْيَتِهم انْقِـيَادَ الغَنمِ لراعِـيها؛ …” اهـ

نخرج من هذا كله بأن الزرابي ليست هي البسط, وإنما الزرابي جمع زربية, وهي الحيوان الذي يربى في الزريبة وليس الوسائد.

ويؤيد ما ذهبنا إليه قوله تعالى “مبثوثة”, فعملية البث في القرآن لا تكون إلا مع الكائنات الحية:

وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة : 164]
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1]
وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان : 10]
َومَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى : 29]
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية : 4]
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِالْمَبْثُوثِ [القارعة : 4]
ولا يخالف في هذا إلا قوله تعالى: “فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً [الواقعة : 6]”, ونلاحظ أنها منبثا وليست مبثوثة.

إذا فالله تعالى يعرف المؤمنين أن الجنة لن تخلو من الحيوانات الأليفة, التي اعتاد الناس على تربيتها ورؤيتها في الدنيا, فالزرابي مبثوثة في الجنة تمتع أنظار المؤمنين.

ونحن نلاحظ أن هذا العنصر لم يفت البشر عندما يريدون إظهار الثراء والجمال في أي حديقة غناء, فهم يتركون فيها بعض الحيوانات الأليفة تتحرك بأمن وأمان, لتعطي انطباعا بالثراء الفاحش الذي يحيى فيه صاحب الحديقة!

وإذا فهمنا الزرابي على هذا المعنى فإنه يؤكد المعنى الذي قلنا به للضريع عند الحديث عن الفجار.

وبعد أن عرضت السورة لمشهد الأبرار والفجار في الغاشية, تعود لتقدم للقارئ مشهدا من مشاهد الدنيا, داعية الإنسان إلى التفكر في نقطة محددة متعلقة بهذا المعروض, فيقول سبحانه:
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)
والملاحظ أن عامة المتناولين لهذه الآية أخذوا يعرضون المزايا والخصائص التي يمتلكها كل واحد من هؤلاء وخاصة الإبل! على الرغم من أن الآيات لم ترم لذلك, وإنما أرادت جانبا واحدا, ذكرته مباشرة بعد كل صنف.

ولا خلاف حول هذه الآيات إلا في قوله تعالى “الإبل”, فالمشتهر أن المراد من الإبل الجمال. وهذا هو المشتهر والغالب, ولكن ورد أنها بمعنى السحاب المحملة بالأمطار, وورد هذا القول في عامة التفاسير إلا أن المفسرين كانوا يرجحون أنها بمعنى الجمال,
فمثلا نجد الإمام الرازي يقول:
“اعلم أن من الناس من فسر الإبل بالسحاب . قال صاحب «الكشاف»: ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين وغير ذلك، وإنما رأى السحاب مشبهاً بالإبل في كثير من أشعارهم، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز، …” اهـ

وكما نرى فالإمام الفخر الرازي يحكي لنا تعليق الإمام الزمخشري حول قول الإمام المبرد –وهو من هو- في الإبل, الذي قال أنها السحب, وكيف أن الإمام الزمخشري تأول قوله!!

وذكر الإمام الألوسي القول نفسه ولم يأخذ به:
“وقال أبو العباس المبرد الإبل هنا السحاب لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتي إرسالاً كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل وهي في هيآتها أحياناً تشبه الإبل …….. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إبل بتشديد اللام ورويت عن أبي عمرو وأبي جعفر والكسائي وقالوا: إنها السحاب عن قوم من أهل اللغة.” اهـ

وهناك من حاول الجمع بين القولين أو القول بأنه لا تعارض بينهما كما فعل الدكتور جمال الحسيني أبو فرحة المدرس المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة حيث قال عند تناوله للآيات:

“الوجه الأول  إبل ): جمع مؤنث لا واحد له من لفظه، مفرده:”جمل أو بعير”؛ وقد جاء هذا المعنى في كتاب الله في قوله تعالى {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } [ الأنعام : 144 ].

الوجه الثاني  إبل ) بمعنى: “السحاب”؛ كما في الآية التي استشهدوا بها. وإن كان من الممكن تفسير (الإبل) أيضًا في تلك الآية بمعنى: “الجمل أو البعير” ولكل تفسير وجهة.

فالتفسير الذي رأى أصحابه أن (الإبل) هنا تعني: “السحاب” احتجوا بالسياق اللاحق لهذه اللفظة؛ يقول تعالى:{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت }؛
فقالوا: إن الآيات هنا تحثنا على النظر فوقنا؛ فنرى عظمة الخلق في السحاب، ثم ما فوقه من سماء، ثم ننظر حولنا؛ لنرى عظمة الخلق في الجبال، ثم ننظر أسفل منا؛ لنرى عظمة الخلق في الأرض؛ وهكذا لا يكون الخطاب هنا مقصورًا على الأمم التي عرفت الإبل واعتمدت عليها في معيشتها؛ بل يكون لكل الأمم؛ فالسحاب تقر بعظمة خلقه كل الأمم.
وأما التفسير الثاني الذي رأى أصحابه أن المراد بـ (الإبل) هنا: “الجمل أو البعير” فاحتجوا أيضًا في فهمهم هذا بالسياق ولكنه في هذه المرة السياق السابق؛ يقول تعالى : {في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت …} الخ [الغاشية : 10 : 17 ]؛
فقالوا: إن الدعوة إلى النظر في خلق(الإبل) هنا إنما جاءت تفسيرًا لقوله تعالى: {وسرر مرفوعة}؛ فكأنها إجابة على سؤال: كيف نعتلي هذه السرر؟ . .

والإجابة هي: كما نعتلي الإبل؛ فهي تبرك حتى يتمكن راكبها من ركوبها ثم تعتلي به؛ كما أضاف أصحاب هذا التفسير أن اختيار “الجمل” موضوعًا للتأمل دون غيره من حيوان في هذه الآيات؛ فلأنه أعجب الحيوانات: يؤكل لحمه، ويشرب لبنه، ويبرك ويركب، وتحمل عليه الأحمال الثقيلة، ويسافر عليه المسافات البعيدة؛ وهي خصائص لعلها لا تجتمع لحيوان آخر. ” اهـ

وكما لاحظنا فالمتناولون عمموا الحديث, فأخذوا في الحديث عن أوصاف الجمل, ولو أراد القرآن هذا لقال: أفلا ينظرون إلى الإبل! فهذا كاف, ولكنه أراد التركيز على نقطة واحدة, وهي: كيف خلقت! وانطلاقا من هذه الكلمة, ومن المنظور العام للسورة ومن السياق ومن تقسيمات السورة قلنا أن المراد من الإبل هنا السحاب وليس الجمال.
والناظر يجد أن هذا الأصل “أ ب ل” من الأصول المشكلة, حتى أن ابن فارس لم يفلح في أن يجد له معنى جامع, فجعلها أصلا!: “

(أبل) الهمزة والباء واللام بناء على أصول ثلاثة: [على] الإبل، وعلى الاجتزاء، وعلى الثِّقل، و[على] الغلبة. ………” اهـ والكلمة من الكلمات الثرية المعنى, وهي في الأصل تدل على التجمع, وليست على الجمال! ولما رأى العرب هذا الوصف في الجمال سموها إبلا, لأنها تمشي أرسالا كما قال المبرد, ولما رأوا نفس الوصف في السحاب سموها إبلا,

ويؤيد قولنا هذا قوله تعالى: “وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ [الفيل: 3]”, فالطير جاءت أسرابا حتى أنها غطت السماء فوق جيش أبرهة! وسمى الله حالها “أبابيل”, فيفهم من ذلك أن الأبل وصف عام لكل متحرك في جماعات متفرقة, وليس للجمال فقط, ومن ثم يمكن القول أنها السحاب. ويرجح ما قالناه أن الإمام البخاري صنف في صحيحه: بَاب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ, ولم يزد عن أن قال: “وَقَوْلِهِ تَعَالَى { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}” اهـ

والقول بأن الإبل هي السحب يجعل المشاهد الأربعة المعروضة لجمادات؛ فالسحب والسماء والجبال والأرض جمادات, كما أنه يجعل المشهد منقسما إلى قسمين –كما قُسم المشهد الأول إلى فجار وأبرار-:
فالأول: السحب وما يعلوها من السماء, والثاني: الجبال وما يسفهلها من أرض. وبهذا القول يتناسب المشهد مع المعروض في الجنة, فالسحب السابحة المحملة بالماء في مقابل العين الجارية, والسماء المرفوعة في مقابل السرر المرفوعة, والجبال المنصوبة في مقابل الأكواب الموضوعة, والأرض المسطوحة –المهاد- مقابل النمارق المصفوفة.

فإذا غضضنا الطرف عن هذا كله, وجدنا أن قوله تعالى: “كيف خُلقت” يرجح ما نقول, فالجمل وإن كان يختلف عن غيره من الأنعام في القدرات والاستخدامات وفي الانتفاع به, إلا أنه في طريقة الخلق مثله مثلها تماما, فمن وطء الذكر للأنثى وحمل الأنثى للجنين يأتي الجمل! فما الاختلاف أو المزية فيه؟

! أما إذا قلنا أن المراد هو السحاب, يظهر لنا اختلاف كبير, فالسحاب يُخلق بطريقة عجيبة بديعة, -ذكرها الله تعالى في أول سورة الذاريات: انظر تناولنا للسورة على الموقع- فالماء يتبخر وتذروه الرياح وتحمله وتتكون السحب وتجري ثم يسقط في مكان آخر. وفيه دلالة وإشارة بديعة ورد على من ينكر البعث. فالماء يتبخر ويقل من أمام أعيننا ولا يعني هذا أنه فني, ولكن كل ما هنالك أنه ينتقل من مكان إلى آخر, حيث يتكثف ويسقط مرة أخرى كماء!

فعملية تكوين السحاب أكبر رد على من ينكر البعث, فالقادر على إعادة الماء قادر على إعادة البشر والكون كله! فالمسألة كلها تحول من حال إلى حال, ووقوعها على الجزء مؤذن بوقوعها على الكل عند انتفاء المانع وهو منتفي!

كما يدعونا الله عزوجل إلى التفكر في كيفية رفع السماء! فنحن نراها فوقنا واعتدنا على ذلك ولكن لا نتساءل: من رفعها وكيف رفعها! وكذلك الجبال نراها منصوبة ولا نتساءل: لم هي منصوبة وكيف؟ والأرض مسطوحة ممهدة لنا. فحقيق أن ننظر كيف سُطحت الأرض ولم؟! 

إذا نظرنا في هذه الكيفيات الأربعة استحال القول بالصدفة أو أزلية المخلوق, فهذا كله طارئ حادث مغير, ولا بد من وجود خالق مسير مدبر, خلق هذا الكون كله, وأعده على هذه الهيئة من أجل الإنسان! وخلق الإنسان نفسه من أجل غاية, فهو لم يُخلق عبثا!

ولا يصح الاستدلال بقوله تعالى “سطحت” على أن الأرض غير كروية! ولقد عرض الإمام الفخر الرازي لهذه المسألة فقال:
“ومن الناس من استدل بهذا على أن الأرض ليست بكرة وهو ضعيف، لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة يكون كل قطعة منها كالسطح.” اهـ

ولهذا جاء قوله تعالى بعدها: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21), فليس على الرسول أكثر من ذلك, فالخلق أمام أعين كل إنسان أكبر دليل على الآخرة, ووظيفة الرسول هي التذكير, فلا يهلك نفسه عليهم. –لاحظ أن الله تعالى قال للرسول الكريم في السورة السابقة: فذكر إن نفعت الذكرى, وقال هنا: فذكر إنما أنت مذكر!-

كما لا يجوز له أن يجبرهم على الدخول في دينه أو محاسبتهم على الكفر:
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22), وإنما الله عزوجل هو المسيطر, فهو بالمرصاد!
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24)
فذكّر يا محمد المؤمن وغيره, فسيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى, فمن تولى وكفر سيعذبه الله العذاب الأكبر.
وعامة المفسرين على أن المراد من العذاب الأكبر في هذه الآية هو عذاب النار في الآخرة! أما نحن فنرى أن العذاب الأكبر في هذه الآية في الدنيا والآخرة.

واستندنا في قولنا هذا إلى سورة الفجر, والتي تأتي كتفصيل لسورة الغاشية! فهي تعرض لإهلاك الله عزوجل للكافرين, فعرضت لإهلاك عاد وثمود وفرعون, وبينت أن هذا الإهلاك سوط عذاب! وقبل هذا كله تسأل النبي الكريم: ألم تر كيف فعل ربك ب؟ فلقد وعدنا أننا سنعذب ولقد عذبنا في الدنيا حقا, ألم تر كيف فعل ربك بعاد …

ثم تختم السورة الكريمة بقوله تعالى:
إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)
فبخلاف عذابنا في الدنيا سيرجعون إلينا في الآخرة وسنحاسبهم على أعمالهم. ونلحظ أن السورة التالية “الفجر” ختمت بعرض مشهد حساب الناس على أعمالهم. وكما وجدنا هنا الإياب وجدنا هناك الرجوع, ولكن لطائفة مخصوصة: “ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً [الفجر : 28]”.

والبديع في هذه السورة أنها ختمت بالمشهد السابق للمشهد الذي بدأت به, فبدأت بمشهد الجزاء: أهل النار في النار وأصحاب الجنة في الجنة, وخُتمت بمشهد الإياب والحساب السابق للجزاء.

غفر الله لنا ولكم وتجاوز عن الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.