العودة   Amrallah > أحسن القصص
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #21  
قديم 01-26-2012, 06:32 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة العشرون


هود عليه السلام

بعد أن نجّى الله سيدنا نوحاً ومن معه بفترة زمنية طويلة نشأ قوم آخرون سُموا بقوم عاد, -وربما سُموا بهذا الاسم نسبة إلى العودة بعد الطوفان!- وبلغ هؤلاء القوم مبلغاً عظيما من القوة, إلا أنهم لبعدهم عن منهج الله أساءوا استخدام الهبة التي وهبهم الله إياها, لذا أرسل الله إليهم سيدنا هود ليذكرهم بضلالهم ويريهم صراط الله المستقيم. ومن مظاهر قوتهم التي ذكرها الله قول سيدنا هود لهم: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134)"
ولقد قدم المفسرون تفسيرات لا تربط الآيات بالواقع, فنجد الإمام الفخر الرازي مثلاً يقول في تفسيره: "قوله: "أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ" قُرأ "بِكُلّ رِيعٍ" بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله: كم ريع أرضك؟ وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام. والثاني: أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث. والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم. الرابع: بنوا بكل ريع بروج الحمام. وثانيها: قوله: "وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ" المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون "لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ" ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد " ا.هـ
ولا أميل إلى المعاني التي ذكرها المفسرون, فاتخاذ آبار أو مجمعات للمياه ليس مما يُذم عليه الإنسان, وليس ما يضمن له الخلود! كما أن الحصون ليست هي التي تحقق الخلود للإنسان, فالحصون قد تحميه من الأعداء ولكنها لن تحميه من الموت بشكل طبيعي! وهناك من قال أن قوم هود اتخذوا هذه الأشياء لينجوا من المصير الذي آل إليه قوم نوح, إلا أن الآيات لم تقل بهذا, فبناءهم على المرتفعات لم يكن للنجاة من الفيضانات وإنما كان عبثا! واتخاذهم المصانع كان سعياً وراء وهم الخلود, وليس وراء النجاة! فهل تكون المصانع هي مصانع لصنع أشياء لدفع الأمراض أو الموت! (إكسير الشباب مثلا!), أو مصانع لإنتاج مواد التحنيط مثلا؟! الله أعلم! ويقدّم الأستاذ خالد نبهان معنى مختلفاً للريع ولمصانع الخلود, إلا أنه معنى مباشر, فيقول:
"يتضح ذلك من قوله تعالى على لسان هود وهو يوبخهم و يزجرهم: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء: 128]"، فالريع: هو دخل الدولة و الأفراد، فريع الفرد: هو كل ما يحصل عليه من أجر مقابل ما يؤديه من عمل، و ريع التاجر: ما يحصل عليه من أرباح نتيجة عملياته التجارية، و ريع الدولة: ما تحصل عليه من دخل. وعاد كانوا يبنون بكل ريعهم آيات للعبث، وآيات العبث التي كانوا يبنونها بكل ريع يحصلون عليه: هي أماكن اللهو و الترفيه و اللعب و الفكاهة و المرح و التسلية … الخ . وشيدت عاد الأولى مصانع للخلد، أي: مصانع لإطالة أعمار البشر، مثل مصانع الأدوية التي تنتج أدوية أو مستحضرات كيماوية أو أعشاب طبية تدعى أنها تطيل حياة البشر، و ينطبق على مصانع الخلد هذه أيضاً مصانع لتحنيط الجثث، أو أي شيء أخر من هذا القبيل. ويتضح ذلك من قوله تعالى على لسان هود: " وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: 129]" ، ومثل هذه المصانع موجودة و منتشرة اليوم في أمريكا، فكل يوم تطلع علينا شركات الأدوية الأمريكية بإعلان عن منتج جديد تمكّن فريق علمائها من الوصول إليه، تدعى أنه يطيل العمر، أو يعيد الشباب إلى حيويته، أو يقضى على الشيخوخة ..الخ. ويوجد في أمريكا حالياً أيضاً ثلاجات لحفظ جثث الموتى من التحلل، نظير مبلغ يدفعه ورثة المتوفى صاحب الجثة المحفوظة على أمل أن يتقدم العلم بعد سنوات، فيستخرجون الجثة، ويعيدون إليها الحياة، ويعود صاحبها مُخلداً، و أحياناً يقوم الشخص قبل موته بدفع مبلغ لحفظ جثته، و يوصى القائمين على هذا العمل باستلام جثته وحفظها. " ا.هـ
والناظر في نهج سيدنا هود ورسالته يجد أنهما مشابهان بشكل كبير لنهج ورسالة سيدنا نوح عليه السلام, فكما قال سيدنا نوح لقومه أنه يبلغهم رسالات ربه وينصح لهم قال سيدنا هود: "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)", وكما وعد سيدنا نوح قومه بإرسال السماء كذلك وعد هود نفس الوعد: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)", وكما أعلن سيدنا نوح توكله على الله مقابل كيد قومه: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ [يونس : 71], قال سيدنا هود كذلك: "قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ...", وكما قيل لنوح أنه في ضلال مبين قيل لهود أنه في سفاهة: "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)", ويذكر سيدنا هود مسألة حدثت مع قوم سيدنا نوح وهي البسط في الخلق: ".. وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً .. [الأعراف : 69]", فهو يذكرهم بأن الله تعالى زادهم في الخلق بسطة! والله العليم لم يقل أنه بسط لهم في الخلق وإنما زادهم وهذا يعني أن هناك من أُعطي سابقا, ولكن بشكل أقل! ومن ثم فإن الله تعالى قد بسط لقوم نوح في الخلق, وزاد قوم عاد بسطة! وبداهة فقد تميز هود بأنه ذكّر قومه بنوح قبله, بينما لم يكن قبل نوح من يذكر قومه به. وكما قوبل نوحٌ بمعارضة شديدة من الملأ قوبل هودٌ كذلك, ولكونهم قد عرفوا قصة نوح وما حدث لقومه, لم يكرروا نفس المطلب, وإنما احتجوا بأنه لم يأت ببينة على أنه مرسل من الله, ولا على أن المطر سينزل إذا هم فعلوا ذلك! وأن قوله وحده لا يكفي لترك آلهتهم, ثم رموه بأن بعض آلهتهم اعتراه بسوء, فأصبح مصابا في عقله (سفيه)!
وبغض النظر عن تشابه المنهج والمواقف التي تعرض لها سيدنا هود, فإن المسألة الرئيسة في التشابه والاختلاف هي: هل جاء سيدنا هود كذلك لينذر قومه "كارثة بيئية" بجوار دعوته لعبادة الله –كما فعل سيدنا نوح- أم أن ما نزل بهم كان جزاءً لتكذيبهم؟ طبقا لأدبيات الإسلاميين فإن ما نزل بهم كان جزاءً على كفرهم, أما تبعاً لما قاله الرب في كتابه فقد كانت هذه الكارثة واقعة متحققة وهو كان ينذرهم وقوعها إلا أنهم لم يصدقوا, وكانت هي محور إنذاره فلقد كان يُنذر قومه بالأحقاف! والآية الفاصلة التي تؤكد قولنا هذا هي قول الرب القدير في سورة الأحقاف: "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)"
والتي قال المفسرون أن المراد من الأحقاف هي المنطقة التي أنذر هود قومه فيها, أي أنهم فهموا الآية هكذا: "إذ أنذر قومه في الأحقاف" ومن ثم فإن الآية لم تقل بما أنذر هود قومه! على الرغم من أنهم فهموا الباء في قوله تعالى: "قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ .. [الأنعام : 19], "قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ [الأنبياء : 45]", وفهموها في كل الآيات المتعلقة بالوحي على أنها بمعنى الباء وهو السببية والوسيلة, إلا أنهم فهموها هنا على أنها بمعنى حرف الجر "في"! ولقد فهموها بهذا الفهم, لأنهم رأوا أن "الأحقاف" شيء لا ينذر به! لأن الأحقاف هي: "الرمال العظام، في قول الخليل وغيره. والأحقاف جمع حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم وأعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا (كما قال الماوردي)، والجمع حقاف وأحقاف وحقوف. قال ابن زيد: هي رمال مشرفة مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالا. وقال قتادة: هي جبال مشرفة بالشحر، والشحر قريب من عدن، وهو ساحل البحر بين عمان وعدن. وقال مجاهد: هي أرض من حسمى تسمى بالأحقاف. وقال ابن عباس والضحاك: الأحقاف جبل بالشام. وعن ابن عباس أيضا: واد بين عمان ومهرة. "
ونحن لا نعترض على مكان وجود قوم عاد, فنحن مقرون بالأقوال التي ذكرها الإخباريون بشأن مكانهم, وأنها حالياً اسم على مسمى! ولكن الاعتراض على قول المفسرين أن الباء بمعنى "في", فنحن نرى أنه أنذرهم بالأحقاف وليس فيها! كما أنذر النبي الكريم الناس بالوحي!
واعتراضنا لسبب بديهي وهو أنهم حينها ما كانوا في "أحقاف", فلقد كانوا يعيشون في جنات وعيون: "وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء : 132-134]", ومن ثم فمن غير المنطقي أن يكون الحديث عما لم يكن بعد! وعلى قول المفسرين فقول الله تعالى مساو لوصف إنسان زار قوما في واحة جميلة, ثم أصبحت هذه الواحة بعد سنوات طوال صحراء جرداء! فقال عن زيارته لهؤلاء القوم: زرتهم في الصحراء الجرداء! فهذا نعت غير صحيح, لأنه لم يكن ثمة صحراء عند زيارته وإنما واحة!
والأبحاث الجيولوجية نفسها بيّنت أن المنطقة تعرضت لتغيرات مناخية كبيرة حولتها إلى صحاري, وقالت أنها كانت أرض خصبة مكسوة باللون الأخضر! ومن ثم فلا معنى لقول المفسرين أنه أنذر قومه في الأحقاف! ونحن نفهم الآية كما هي, فلقد أنذر سيدنا هود قومه بالأحقاف, فلقد أنذرهم أن تتحول بلادهم إلى أحقاف, أنذرهم أن تنزل هذه الأحقاف بهم, فلم يصدقه قومه وكذبوه, على الرغم من وجود الدلائل التي تشير إلى حدوث هذا التصحر الكبير! فدعاهم إلى عبادة الله حتى يحولهم عن هذا العذاب الهائل , فأصروا على موقفهم وطلبوا إليه أن يأتيهم بما وعدهم به من أن تصبح أرضهم أحقافا! فأخبرهم أن العلم عند الله, بكيفية وزمان وقوع هذا العذاب الأليم! وأنه فقط يبلغ ما أُرسل به, ولكنهم قوم يجهلون!
فلما رأوا العذاب الذي وُعدوه مستقبل أوديتهم, ظنوا أنه شيء بسيط سينزل بهم بعض التراب أو الصخور, فقال الله أنه ليس كذلك, وإنما هو ما استعجلوا به, فهو ريح فيها عذاب أليم! "فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)"
وقال المفسرون في توجيه رؤية قوم عاد للريح, أنهم ظنوا أن الرياح القادمة سحابة داكنة اللون ستنزل عليهم الماء فاستبشروا, فنزل بهم العذاب! أما أنا فأقول أنهم أدركوا أن هذا القادم شيء ضار, إلا أنهم نعتوه بالعارض, فهم يريدون القول أن هذا شيء حدث بالصدفة وليس مسببا, كما أنه لن يدوم! ومن ثم فسنتحمل ما يمطرنا به من رمال أو حجارة, فهو أمر عارض! (لاحظ أن القرآن لم يستعمل المطر إلا مع الأذى أو الإهلاك), فرد الله عليهم بأنه ليس كما يدعون, وإنما هي ريح فيها عذاب أليم, تدمر كل شيء بأمر ربها!
قد يقول قائل: إنك تقول أن هود أنذر قومه بالأحقاف, والله تعالى يقول أنه أهلكهم بريح عقيم, فهل الريح هي الأحقاف؟! فنقول: بداهة, ليست الريح أحقافاً, ولكن: متى يظن الإنسان أن الريح سحابة ... داكنة؟! لا يكون هذا إلا إذا كانت الريح محملة بشيء, أما لو كانت مجرد رياح فلن يرى الإنسان شيئا, وهذا ما نقول به! فنحن نقول أن هذا الريح كانت محملة بالرمال والأتربة التي قصفت بها قوم عاد, فلم تنفعهم حصونهم وأبنيتهم للنجاة منها, واستمر هذا القصف المكثف ثمانية أيام, كما قال الرب العزيز: "وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)", وبهذا نفهم لماذا استمر هبوب الريح أياما متتالية, فهي كانت تطمر المنطقة بالرمال, أما إهلاك القوم نفسهم فلا يحتاج إلى كل هذه الأيام, وهو كان قد حدث ابتداءً في أول يوم.
ويمكن للناظر في القرآن أن يعرف طبيعة هذه الريح, فالرب قال عنها: " تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ [القمر : 20]", ومن ثم يمكننا القول أن هذه الريح كانت في أول أمرها على شكل إعصار, تلك الريح التي تأخذ الشكل الحلزوني وتبدأ في الدوران حول نفسها, فتجذب الأشياء إليها ثم تقذف بها! فهذه هي الريح التي كانت تنزع الناس –الذين كانوا من القوة ما كانوا- وليس ما قاله المفسرون من أنها كانت تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية.
وبعد أن قام الإعصار بدوره في القضاء على هؤلاء الناس, تحول إلى عاصفة, محملة بالرمال والأتربة, استمرت في فعلها هذا أياما وليال, حتى غُطت هذه البلد الظالمة, وهكذا طُمر قوم عاد فلم يبق لهم أثر. وبهذا نفهم لماذا سخر الله ريحاً صرصرا عاتية على قوم هود لمدة سبع ليال وثمانية أيام حسوما, وذلك حتى تُردم وتطمر هذه الأودية فلا يبقى لهم باقية! وتصور هذا المشهد, ريح عاتية مستمرة الهبوب على منطقة ما, محملة بالرمال والأتربة, مستمرة لثمانية أيام, كيف يكون حالها؟! ولذا فإن التصحر الذي أصاب هذه المنطقة هو تصحر مفاجئ حدث مرة واحدة!
وحتى لا يقال إن هذا التصور القائل بالطمر لا يتفق مع قول الله تعالى: "تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف : 25]", نقول: هناك فارق بين المساكن والديار! فالديار لزام أن تكون مبنية –بأي شكل كانت- أما المساكن فهي محل نزول الأقوام واستقرارهم بها! سواءً بنوا فيها أم لم يبنوا! ونتذكر أن الرب العليم قال: "وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ [إبراهيم: 45]" فليس المراد أنهم سكنوا في نفس المنازل التي بناها السابقون! فالمنازل غير موجودة أو مهدمة, وإنما المراد أنكم عشتم في نفس المنطقة التي عاش فيها الذين ظلموا أنفسهم, ونزل بهم العذاب! وبهذا يكون المراد من قول الحق أنه أصبح لا يرى إلا المنطقة التي كانوا فيها, أما مبانيهم وكل ما أنتجوه فلم يعد ظاهراً للعيان بأي حال! وهذا يعني أنهم قد .. طُمروا بريح عاتية حملت في طيها الأحقاف! ولقد قال الله أنها تدمر كل شيء, وقال في حقها في سورة الذاريات: ".. الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)", فهي ريح عقيم, لا تحمل أي خير, فهي لا تسوق سحابا ولا تلقح نباتا, تجعل الأشياء التي أتت عليها كالرميم فتبليها بلاء عظيما! -وليس المراد من "أتت عليها" مرت عليها, وإنما المراد الأشياء التي عالجتها معالجة شديدة, كما نقول: أتى عليه الدهر!- فإذا كانت الأبنية قد بقت فماذا دمرته الرياح إذا؟!
إذا فكما جاء نوح ليدعوا قومه إلى عبادة الله ويحذرهم الطوفان, جاء كذلك هود ليدعوا إلى عبادة الله ويحذرهم الأحقاف ولم يستجب كلا القومين فأهلكوا.

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 01-26-2012, 06:33 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الحادية والعشرون


صالح والناقة

لم يكن مع نوح وهود في إنذارهما قومهما الكارثة البيئية وفي دعوتهما إلى عبادة الله آيات حسية, لأن الآيات الطبيعية حولهما كانت تؤكد قولهما, أما مع سيدنا صالح فقد اختلف الحال, فلقد جاء ليأمر قومه بعبادة الله وحده وشكره على نعمائه بترك آفتهم الكبرى وهي الإفساد في الأرض. (لاحظ أن الله أرسل "صالح" ليردهم عن "الفساد"). والملاحظ أن سيدنا صالح خالف السابقَين له, فلقد جاء قومه ب "ناقة", ولأن الناقة ناقة! وليس فيها –من المنظور السطحي- أي آية, ولأن المفسرين لم يتدبروا ما قصّه الله عن سيدنا صالح في سورة الشعراء, قبلوا أقوال القصاصين التي ابتدعوها, ليبرروا بها كون الناقة آية! ونثبت للقارئ ما ذكره الإمام الفخر الرازي بشأن الناقة, والذي يبين حيرة المفسرين بشأنها, فيقول:
"هذه ناقة الله لكم آية" وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ذكروا أنه تعالى لما أهلك عاداً قام ثمود مقامهم، وطال عمرهم وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله، وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحاً وكان منهم، فطالبوه بالمعجزة. فقال: ما تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا، فخرج معهم فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت وخرجت الناقة من وسطها، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلاً فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرباً لها في يوم، وفي اليوم الثاني شرباً لكل القوم. قال السدي: وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل، وكأنها كانت تصب اللبن صباً، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها. فقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فذبح تسعة نفر منهم أبناءهم، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه، فنبت نباتاً سريعاً، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجونه به، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء، واشتد ذلك عليهم، فقال الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة؟ فشد عليها، فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت. فذلك قوله: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر) وأظهروا حينئذ كفرهم وعتوا من أمر ربهم، فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سوداً، فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستعدوا. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء في وجه كون الناقة آية فقال بعضهم: إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة. قال القاضي : هذا إن صح فهو معجز من جهات: أحدها: خروجها من الجبل، والثانية: كونها لا من ذكر وأنثى، والثالثة: كمال خلقها من غير تدريج.
والقول الثاني: أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب، وكانت مع ذلك تأتي بما يليق بذلك الماء من الكلأ والحشيش. والقول الثالث: أن وجه الإعجاز فيها أنهم كانوا في يوم شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم. وقال الحسن بالعكس من ذلك، فقال إنها لم تحلب قطرة لبن قط، وهذا الكلام مناف لما تقدم. والقول الرابع: أن وجه الإعجاز فيها أن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع الحيوانات تمتنع من الورود على الماء، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي. واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة والله أعلم. " ا.هـ

وكما رأينا فكل هذا الكلام والتبريرات أقوال ما أنزل الله بها من سلطان, لا تكتفي بالزيادة عليه وإنما تخالفه, فإذا نظرنا في ما قصه الله في سورة الشعراء, وجدنا الرب العليم يقول: "كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ(١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)"
فأول إبطال لما قالوا هو قول الله أنهم لم يختاروا الآية, وإنما طلبوا آية فأرسل الله لهم ناقة, فالله هو من اختار وليس قوم صالح, وحتما اختارها عن حكمة ولعلة, كما أن الله تعالى قال أن الآية أنها ناقة, ومن ثم فلا آية فيها إلا أنها ناقة لها شِرب ولهم شرب, ولو كانت الآية خروجها من الصخر لقال الله هذا!
وعلى الرغم من أن الله قصّ عن سيدنا صالح في أكثر من سورة, إلا أن الآيات المذكورة هي أعمها وأشملها, والتي يمكن من خلالها الخروج بتصور صحيح للأحداث. فإذا نظرنا في الآيات وجدنا أن سيدنا صالح يحذر قومه من ألا تستمر النعمة التي هم فيها, من الجنات والعيون والزروع, ويعرفهم أن طريق بقاءها هو تقوى الله وطاعته, وأما طاعة المسرفين الذين كل عملهم فساد, وليس منهم أي صلاح, فلن تؤدي إلا إلى ضياع ما هم فيه من النعمة.
ومن هنا نفهم أن الآفة الأخلاقية التي كانت مستشرية في قوم صالح كانت هي الإفساد في الأرض, كما قال الرب العليم في سورة الأعراف: ".. وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)", ولكي يقضي الله على هذا الإفساد أرسل "صالحا" مدعوما بناقة! وهنا يجب علينا أن نتساءل: ما هو الإفساد الذي يمكن أن تكون ناقة لها شرب آية ضده؟! تأتينا الإجابة من اسم "ثمود" نفسه, فالناظر يجد أنه على وزن صيغة المبالغة "فعول" أي أنهم كانوا كثيري الثمد, حتى أنهم لذلك سموا ب "ثمود", فإذا نظرنا في لسان العرب وجدنا ابن منظور يقول: "الثَّمْدُ والثَّمَدُ: الماء القليل الذي لا مادّ له، وقيل: هو القليل يبقى في الجَلَد، وقيل: هو الذي يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف (...) وماءٌ مَثْمود: كثر عليه الناس حتى فني ونَفِدَ إِلا أَقلَّه. ورجل مثمود: أُلِحَّ عليه في السؤَال فأَعطى حتى نَفِدَ ما عنده. " ا.هـ
وابن فارس يقول في معجم مقاييس اللغة: "الثاء والميم والدال أصلٌ واحد، وهو القليل من الشيء، فالثَّمْدُ الماء القليل لا مادّةَ لـه. وثمَدتْ فلاناً النّساءُ إذا قطَعْنَ ماءَه. " ا.هـ
إذا فالثمد هو التقليل والإفناء, وهو يدور حول الماء, فالماء الذي ليس له مصدر يرفده هو ثمد, والماء الذي يكثر عليه الناس مثمود وهم ثمود! إذا فآفة هؤلاء القوم كانت إفناء الماء وإضاعته. وكما قرءنا في الآيات السابقة فلقد كانت مصدر المياه لديهم هي العيون, وهم كانوا مسرفين مفسدين, ومن ثم يمكننا القول أن هؤلاء القوم كانوا يستخدمون أكبر وأهم نعمة "الماء" بإسراف فيما لا نفع فيه, حتى تنفد العيون, ثم ينتقلون إلى غيره وهكذا, ولهذا سموا بثمود! وما كانوا يهتمون بمثل هذا النفاد ولا بعاقبة هذا الإسراف, لأنهم ظنوا -مثل كل ثري مترف- أن ما عندهم لن ينفد وسيكفيهم أبد الدهر. فأرسل الله إليهم صالحا لينهاهم عن هذا الإفساد, وأرسل معه ناقة, والتي احتار المفسرون في كونها آية!
ولو نظروا في آيات قصص صالح لوجدوا أن سيدنا صالح لم يذكر في نعم الله عليهم الأنعام وإنما كان حديثه عن النبات والجبال: "فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ", ولم يأت أي ذكر للأنعام في كل قصص سيدنا صالح, ومن هنا نتساءل: هل كانت آية الناقة أنها دابة لم تر ثمود مثلها من قبل؟ لقد افترض المفسرون أن الناقة كانت حيواناً معروفا مألوفا لثمود, كما رأوه في جزيرة العرب, بينما لم يذكر الله أي صنف من الأنعام مع قوم صالح قط, وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفل النظر عنها, فابتداء استئناس الإنسان لهذه الدابة لم يكن منذ الأبد وإنما كان منذ فترة زمنية تقدر بآلاف السنين, وأول موطن استُأنست فيه ورُكبت كان جزيرة العرب, فهل كانت ناقة صالح هي "ناقة الله" لأنها دابة لم يروا مثلها سابقا, بينما لديهم دواب أخرى مثل البقر والضأن أو كان لهم دواب ولم يكن لهم أنعام أصلا؟! وبهذا تكون الناقة قد ظهرت لأول مرة في قوم صالح؟ احتمالٌ يمكننا به فهم قول سيدنا صالح لقومه: "فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ", فهي كانت مخلاة تتحرك بنفسها بدون قائد وهو كان يطلب إليهم ألا ينفروا منها ويصدوها عن مراعيهم لأنها دابة غير مألوفة بالنسبة لهم. وبغض النظر عن كون ثمود لم يروا ناقة قبل ذلك, فما الآية التي فيها وتؤكد دعوة سيدنا صالح؟ فلا يعني أن صالحاً أتى بحيوان لم يروا مثله قط أنه صادق, فربما وجده في أي مكان وأتى به؟ فنقول: على الرغم من أن الناقة تتميز بسمات خلقية فريدة, جمعت الجمال والكمال (لاحظ أن الجمال مأخوذ من الجمل, والأناقة مأخوذة من النوق), إلا أن العلامة المميزة لهذه الدابة هي مسألة شربه كميات هائلة من المياه وتخزينه إياها, فهي وإن كانت يمكنها شرب مائتي لتر في ثلاث دقائق, إلا أنها تستطيع أن تحتفظ به لفترة جد طويلة ويستخدمها حسب الحاجة. وهذه كانت آية الناقة, فلقد لعبت الناقة على وترين هامين, أولهما: أنهما شاهدوا الماء يقل بسرعة كبيرة مرة واحدة, ومن ثم فإن استمرار الاستهلاك سيؤدي إلى النفاد.
ثانيهما: أن الناقة تخزن الماء, وفي هذا الإشارة إلى أن تنظيم استهلاك الماء وتخزينه هو خير وسيلة للمحافظة عليه وإبقاءه, ومن ثم فإن الناقة قد شخصت المرض وقدمت العلاج, فلقد أرتهم آفتهم بعيونهم وهي كثرة الاستهلاك, وقدمت لهم الحل وهو التنظيم والاستهلاك بحسب الحاجة, فالناقة وإن كانت تشرب كثيرا من الماء إلا أنها لا تأخذ إلا ما تحتاج بدون ذرة سرَف.
وقولنا بأن الناقة كانت دابة غير مألوفة بالنسبة لهم هو تبرير معقول لعلة تركهم إياها فترة ترد الماء قبل أن يعقروها, فلقد هابوها كدابة ضخمة, ثم بعد ذلك تجرأ أشقاهم فعقرها! أما قولهم بأنه كان لها يوم تشرب فيها, فإذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ويشربون في اليوم الذي لا تشرب هي! فلا دليل عليه يضاف إلى ذلك أنه من غير المنطقي أن يتركوها تشرب أصلا, فهم لم يؤمنوا بصالح, فلماذا يقبلون بالقسمة؟!
ولقد حاول الأخ صلاح الدين إبراهيم أبو عرفة توجيه تركهم الناقة تشرب, فقال أن الآية أن الماء كان يكون لهم يوم ويكون للناقة في يوم, فإذا أرادوا أن يشربوا من العيون في يوم الناقة لم يجدوا!! وعلى الرغم من أنه يعيب على غيره إتباع غير كتاب الله وحديث رسوله, فلقد وقع فيما وقعوا فيه بقوله هذا وبقوله بأن الناقة كانت تعطي ما شربته سقاء خالصا, فلا دليل في الآيات على القولين, وهما زيادة عنها, أما قولنا فلم يزد عنها وإنما قدّم تبريرا لحدوثها على هذه الهيئة.
إلا أن قوم صالح لم يسمعوا له, على الرغم من أنهم رأوا الآية البينة في الناقة: "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت : 17]", بل وحاولوا إغواء المؤمنين بصالح, فلمّا لم يستجب المؤمنون به لمحاولات إغوائهم عقروا الناقة وطالبوا بنزول العذاب: "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)".
وكما وعدهم سيدنا صالح نزل بهم العذاب بعد ثلاثة أيام, ويختلف سيدنا صالح عن سيدنا نوح وهود, الذين كانا يقولان لأقوامهما أنهما لا يعلمان ميعاد الوقوع, بينما هنا العذاب مسبب ومرتبط بفعلهما وليس ظاهرة طبيعية عامة! والناظر في العذاب الذي نزل بهم يجده عذاباً شديدا متنوعاً, فلقد كان صاعقة ورجفة وصيحة: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)", "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)"
"فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)", وقدّم الأستاذ عبد الوهاب النجار تصوراً جمع فيه هذه الظواهر كلها فقال: "وكان تدمير قوم صالح بالصاعقة وقد عبر الله تعالى عنها تارة بالرجفة وتارة بالطاغية وتارة بالصيحة, وكل صحيح, لأن الصاعقة تكون مصحوبة بصوت عظيم وقد تكون مصحوبة برجفة أشبه بالزلزال, وقد تكون في مكان ويطغى تأثيرها حتى يصل إلى مكان آخر. والصاعقة عبارة عن استفراغ كهربائي يحصل بين كهربائتين متخالفتين بالإيجاب والسلب. فإذا دنا جسم مكهرب كهربائية موجبة من جسم مكهرب كهربائية سالبة, اتحدت الكهربائيتان لما بينهما من التعاشق, فيحصل عن ذلك البرق الشديد ثم الرعد بسبب اضطراب الهواء وتدافع أجزائه في كل مكان الاستفراغ وذلك هو الصيحة. " ا.هـ
وقال المفسرون أن المراد من أخذتهم الرجفة أن الأرض رجفت! وأنا أميل إلى أن الرجفة وقعت بهم هم وليس بالأرض, أي أنهم أصبحوا مرتجفين (مرضى) جاثمين في بيوتهم! فتولى عنهم سيدنا صالح –وهم أحياء وليسوا أمواتا- وأخذوا ينتظرون العذاب ونزلت بهم الصعقة بعد ثلاثة أيام!! فالرجفة غير الصعقة!!
وهكذا أهلك قوم ثمود عقاباً لهم على تكذيبهم بآيات الله على الرغم من معرفتهم أنها حق من الله, ورفضهم النعمة التي أنعم الله بها عليهم وعقرهم الناقة ومطالبتهم بنزول العذاب, وبعدها بدء استئناس الناقة واستعمالها من سيدنا صالح والناجين معه.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 01-26-2012, 06:34 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثانية والعشرون


الخليل إبراهيم

بالرسول صالح انتهت مرحلة الرسل الأوائل, وبالخليل إبراهيم بدأت المرحلة المتوسطة, والتي نلاحظ فيها اختلافا كبيراً عن المرحلة السابقة! ولقد أطال القرآن الكريم في قصّه عن الخليل إبراهيم الذي يتنازعه أتباع الديانات الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية, وإن كان القارئ للقرآن سيجد أن إبراهيم القرآن غير إبراهيم التوراة كلية, وسنبرز بعضاً من أوجه الاختلاف هذه لاحقا, بينما نكتفي هنا بتقديم تصور عام عن الخليل إبراهيم:
الناظر في القرآن يجد أن أول ذكر للخليل إبراهيم هو ثناء الرب العليم على إبراهيم في معرض الحديث عن علاقة الخليل بالكعبة ومكة والرسول: "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) "
وعلاقة الخليل بالكعبة من السمات المميزة له عند المسلمين, إلا أنهم غفلوا عن مسألة أخرى جد هامة وهي ارتباط الصلاة به, فالصلاة كذلك ظهرت أول ما ظهرت في القرآن مع الخليل إبراهيم, فالناظر في قصص الرسل قبل الخليل لا يجد فيها أي ذكر للصلاة, بينما ابتدأ الحديث عن الصلاة مع الخليل! فهل يكون الخليل هو أول من جعل "شكلاً أرقى" للتقرب إلى الله, وحدد له أركاناً ومواقيت وهيئات وحافظ عليه, بينما كان التقرب إلى الله قبل ذلك بالأدعية والقرابين فقط؟ الله أعلم. وإن كانت النفس تميل إلى هذا إلا أننا لا نجزم بهذا!

واشتهر الخليل إبراهيم بأنه أبو الأنبياء, لكون كل الأنبياء الذين جاؤوا من بعده من نسله, وهي تسمية خاطئة, لأن هناك أنبياء قبله لم يكن أبا لهم, كما أن هناك أنبياء كاذبة وهو حتماً ليس أباهم, والأهم أنها ليست من القرآن فهم لم يشر إليها, وإنما أشار إلى مُعرِّفٍ آخر وهو: "أبو المسلمين", فالخليل إبراهيم هو من ابتكر الاسم: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ .. [الحج : 78]", فهو أول من استعمل الاسم وسمّى نفسه وأتباعه به: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ... فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ", بينما لا يجد القارئ لقصص نوح وهود وصالح عليهم السلام أي ذكر لكلمة "الإسلام أو المسلمين" وإنما أمر بعبادة الله وترك الآلهة الأخرى وإتباع الرسل, فالحديث عن المضمون المُسمى بدون ذكر للاسم, وبهذا الاسم لزام أن يكون كل نبي بعد الخليل نبياً للإسلام وليس لليهودية أو النصرانية أو أي اسم آخر حتى يكون الخليل أباه, أما قولهم أنه أبو الأنبياء فقد اعترف بأسماء الأديان المغايرة للإسلام.

وحقق الخليل إبراهيم في رحلته مع ربه النموذج الأمثل في العلاقة بين العبد والرب, فارتضى الله مثال إبراهيم ليكون قدوة للناس يتبعونها في عبادة ربهم, فجعله الله إماماً للناس, وألزمهم بإتباع ملته, وباتخاذ مقامه مصلى, ولذا نجد أن كل الأنبياء الذين جاءوا بعده اتخذوا ملة إبراهيم قاعدة لدعوتهم, مبينين أنهم جاءوا ليعيدوا الناس إلى ملة الخليل. ولا يعني قولنا بأن الخليل حقق النموذج الأمثل أنه لم تكن ثمة زيادات في الرسالات اللاحقة, فلقد زيدت الرسالات بعده وأصبحت أكبر حجما -في الجوانب التشريعية المرتبطة باختلاف الأزمنة- ولهذا نجد الرب يقول للرسول الكريم: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ .. (124)"
فالله هدى الخليل إلى صراط مستقيم, أما "الصراط المستقيم" التام النهائي فلقد جاء به النبي محمد, الذي أمر بإتباع الملة الأصل ملة إبراهيم .
والخليل لم يصبح "أمة" هكذا بدون جهد عظيم جبار, وإنما ابتُلي ابتلاءات كثيرة حتى استحق أن يصبح "أمة", ولم يبين الله الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُه بها, لذا وجدنا المفسرين قد ذكروا فيها احتمالات عديدة, فنجد الإمام الفخر الرازي يقول في تفسيره:
"قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا، خمس في الرأس وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق وفرق الرأس، وقص الشارب والسواك، وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة: "التائبون العابدون" إلى آخر الآية، وعشر منها في سورة الأحزاب: "إِنَّ المسلمين والمسلمات" إلى آخر الآية، وعشر منها في المؤمنون: "قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون" إلى قوله: "أولئك هُمُ الوارثون" وروى عشر في: "سَأَلَ سَائِلٌ" إلى قوله: "وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ", فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس. وثالثها: أمره بمناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس. ورابعها: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس، والقمر، والكواكب، والختان على الكبر والنار وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى : "وإبراهيم الذي وفى" عن الحسن. وخامسها: أن المراد ما ذكره في قوله: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين". وسادسها: المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم، والضيافة، والصبر عليها. قال القفّال رحمه الله: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات، فوجب التوقف والله أعلم. " ا.هـ
وهي كلها أقوال ما أنزل الله بها من سلطان ولا جاءت في حديث عن الرسول, ولا يتناسب بعضها مع كونها "كلمات" يُجعل الإنسان لإتمامها إماما, مثل القول بأنها الختان ونتف الإبط وحلق العانة ... الخ! وليس ثمة فائدة في معرفتنا إياها, ولو كانت لذكرها الله! وللقارئ الفضولي نقول: مدح الرحمن الرحيم سماتٍ لعباده في آخر سورة الفرقان فقال: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً .. الخ", فهذا المذكور نموذج مصغر, إذا أفلح الإنسان في تحقيقه يمكنه أن يدعو الله أن يجعله للمتقين إماما, فما فعله الخليل كان أعظم من هذا المذكور, ولهذا جُعل للناس إماما. ونلاحظ أن الله لم يقل للخليل أنه جعله إماما للناس, وإنما أعلمه ليقبل أو يرفض هذه الإمامة!

وعلى الرغم من هذا التكريم الكبير والمنصب الجليل الذي ناله الخليل إبراهيم وجدنا من يقول أن إمام الناس أخفق في دعوته ولم يؤمن به أحد إلا أزواجه وأولاده ولوط,–استنادا إلى التوراة وظنا بأن القرآن لم يذكر مواقف لمن آمنوا به وإنما يقص عن أفعاله هو فقط- والناظر في القرآن يجد أن هذا قول مخالف لكتاب الله, الذي أشار إلى النجاح الباهر الذي حققه إبراهيم الخليل, فنجد أن الرب تقدس وتعالى يقول: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران : 68]", وهذه الآية دليل على وجود أتباع له غير أقرباؤه, وحتى لا يقال: وما المانع أن يكون الذين اتبعوه هم أقرباؤه؟ نقول: الدليل على ذلك قول الرب: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة : 4]" فالآية ذات دلالة واضحة على أن سيدنا إبراهيم كان له أتباع غير أزواجه وأبناءه, فهي تخاطب المؤمنين بأنه كان لهم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه الذين تبرؤا من قومهم من أجل الدين, والقدوة للناس العاديين تكون بالنبي وأتباعه الذين هم مثلهم لا بمجموعة أنبياء مثل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.
والذي يؤكد أن الذين معه ليسوا أبناءه هو آية التوبة "وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ... [التوبة : 114]", التي بيّنت أن استغفار إبراهيم لأبيه كان إلى موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه, وكان هذا في أول البعثة فإذا كان الذين معه هم أولاده وليس أتباعه فهذا يعني أن المدة التي استمر إبراهيم يدعو فيها لأبيه قاربت خمسين عاما – فسيدنا إبراهيم أنجب على كبر وإسحاق ولد بعد إسماعيل بفترة من الزمان– ولو حسبنا الأعوام التي انقضت حتى كبروا ونضجوا ثم يتبرءون من أقوامهم مباشرة ولا يزال الخليل يدعو لأبيه فإنه يكون غير مقبول بأي حال, أما إذا قلنا أن هذا الدعاء كان قبل ولادتهم وفي مقتبل حياة الخليل, وبعد ذلك بفترة قليلة عند انتهاء الموعدة وعندما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه فهذا ما ينسجم مع السياق, وبهذا يلزم أن يكون "والذين معه" هم أتباعه ممن آمنوا به وليسوا أولاده.
إن النقطة التي من أجلها قالت التوراة بهذا القول هو تحرجها من التصريح بجنس الذين آمنوا به واتبعوه وصدقوا دعوته, وهم أهل جزيرة العرب, على الرغم من أن كثيراً منهم آمن, ويدل على هذا أن الرب أمره بالنداء فيهم ليحجوا: "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج : 27], ولست أدري في أي أناس سيؤذن بالحج إذا كان لم يؤمن به أحد! ولست أدري كيف يقول المصدقون لما في التوراة بقولهم هذا على الرغم من وجود هذه الآية! إذا فالخليل لم يخفق وإنما دعا إلى الله على بصيرة واتبعه العرب أفواجا واتخذوه أباً لهم ... وقدّسوه!

ومِن أولى الناس الذين ينبغي التساؤل بشأنهم والدا الإنسان, فهل أسلم والدا الخليل أم لم يسلما؟! المشتهر بين عامة المسلمين أن أبا الخليل كان من المعاندين له ولم يؤمن! وكثيرٌ منهم يقول أن أباه آزر هذا لم يكن أباه وإنما عمه, ليس لإشارة في القرآن وإنما لأن المؤرخين والإخباريين قالوا أن أبا إبراهيم كان اسمه تارح, ومن ثم اعتمدوا على أن لسان القرآن والعرب يطلق الأب على الوالد وغيره, كما في جاء في قول الرب: "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة : 133]", فأطلق اسم الأب على الوالد والعم والجد, فاعتمدوا على ذلك في قولهم بأن آزر لم يكن والداً لإبراهيم, وهناك من تشدد في المقابل وقال أن القرآن سماه أباً ومن ثم فهو أبوه! ولا خلاف في أن آزر أبو إبراهيم, ولكن السؤال هو: هل هو والده أم أبوه؟! إن الناظر في القرآن يجد أنه ذكر مخاطبة إبراهيم لأبيه وقومه في ثمانية مواطن, ابتدأها بقوله: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً ..[الأنعام : 74] ", فذكر اسم أبيه ثم اكتفى في باقي الآيات بقوله: "لأبيه" بدون ذكر الاسم, كما يجد أن القرآن قد شدد على تبرأ إبراهيم من أبيه في أكثر من موطن, مثل: "وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة : 114], فهل هناك إشارة تؤكد كون أبوه والدَه وليس عمه أو جده؟! نقول: الإشارات القرآنية التي تؤكد كون آزر ليس والد الخليل كثيرة, منها أولاً تحديد اسمه, ولو كان آزر والده لما كان هناك حاجة لتحديده بالاسم, كما نجد أن إبراهيم يدعو في آخر عمره قائلاً: "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ... رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ", ومن غير المقبول أن يدعو الخليل لمن تبين له أنه عدو لله, بينما من الممكن أن يدعو لمن مات في بداية دعوته أو قبل بدء دعوته, كما نجد أن أزر هذا على الرغم من مخاطبة إبراهيم له ب "يا أبت" في سورة مريم في أربع آيات متتاليات: "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ..." نجد أن آزر لم يرد عليه بقوله: "يا بني" وإنما كان يخاطبه ب "يا إبراهيم", بخلاف مخاطبة الخليل لابنه في موقف الذبح: " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات : 102]", يضاف إلى ذلك أن القرآن لم يستعمل كلمة "جد" أو "جدة" وإنما مفردة "الأب والآباء", ومن ثم فمن المقبول أن يكون آزر هذا جده وليس أباه, ويكون أباه مؤمناً.

هل كان الخليل مشركا؟!
النقطة التي تلفت الانتباه وتثير العجب في حديث القرآن عن الخليل هي أن الله عز وجل ينفي الشرك عنه في آيات عدة, على الرغم من أنه من المفترض بداهة أن يكون كذلك, وقد يكون هذا النفي راجع إلى الفرية التي افتراها اليهود والنصارى, الذين قال بعضهم أنه كان مشركا قبل أن يوحي الله إليه, وربما يكون هذا رداً على العرب الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم, ومن ثم فهم على صواب, فأكّد الله لهم أنه ما كان من المشركين! والعجيب أن بعض علماء المسلمين قال بقولهم! على الرغم من أن الله نفى الشرك عنه في سبع آيات, مثل قوله: "وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة : 135], "إنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل : 120], " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام : 79]", فنلاحظ أن الله تعالى نفى الشرك بجميع أشكاله وأنواعه عن سيدنا إبراهيم , فهو "ما كان من المشركين" و "لم يك من المشركين" و "وما أنا من المشركين" وهو حنيف مسلم قانت لله تعالى ليس يهوديا ولا نصرانيا, ولكن إذا كانوا قد ادعوا أنه منهم, بادعائهم أنهم الأصل, أفلا يقولون بهذا؟!: "يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ".
وهناك فريق آخر يرى أن الخليل لم يكن مشركا, وإنما كان مثل باقي الأنبياء معصوماً من الشرك ومن الكفر قبل البعثة وبعدها, ونقطة الخلاف الرئيس في قصة سيدنا إبراهيم هي الآيات الواردة في سورة الأنعام: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 75-78]" حيث يقدم القائلون بأن إبراهيم كان على دين أبيه وقومه هذه الآيات دليلاً على دعواهم, ويرى النافون أن هذه الآيات كانت من باب الجدال والحوار والمراد منها إقامة الحجة على أقوامهم من أجل الدخول في دين الله تعالى!
والناظر في الآيات لا يجد أن هناك ما يشير إلى أنها من باب الجدال أو الاستدراج أو أن هناك استفهام محذوف! فهي تقول أن الخليل كان يتفكر في هذه المعبودات ثم وصل إلى بطلانها, ولما وصل إلى بطلانها بالدليل المنطقي حاجه قومه في مسألة بطلانها كما قال الله تعالى في الآية التالية "وحاجه قومه ..." وذكر القرآن محاجة قومه له دليل على أنه لم يكن يحاجهم أو يجادلهم بهذا الاستدلال حين حدوثه وإلا لكان هو البادئ وليس هم, ويكون فعلهم جدلا له وردا عليه وليس من باب المحاجة! فسيدنا إبراهيم لم يكن يحاج قومه وإنما كان ينظر في هذه الكواكب هل تصلح للإيمان أم لا, ووصل إلى أنها لا تصلح.
إذا فالقول الأول هو الصواب ولكن نتيجته خاطئة, فلا يترتب عليها أن الخليل كان مشركا, فالإنسان لا يكون مشركا إلا إذا آمن بشيء مع الله, والخليل لم يفعل, ونفصل فنقول: لا يُنعت المرء بالإيمان أو الكفر أو الشرك إلا في حالة بلوغه ونضجه, أما في حالة الطفولة فلا يُنعت بأحدها إلا بالتبعية لوالديه وهذا التوصيف غير حقيقي لأنه لم يتخذ أي موقف تجاه المسألة الإيمانية, لذا فلم يكن الخليل مشركا في طفولته لأن الأصل في الإنسان أنه يولد على الفطرة, فلما بلغ الخليل لم يتبع ملة أبيه وكفر بها وبأديان قومه بما أتاه الله من العقل والحكمة والرشد: "َولَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ [الأنبياء : 51]", فعندما بلغ الخليل وجد أباه وقومه يعبدون أصناما ومنهم من يعبد النجوم, فأخذ يقيس هذه المعبودات بمقياس العقل والفطرة, فوجدها لا تصلح أن تكون آلهة فأنكر على قومه عبادتها , فحاجه قومه, وأنكر عليهم عبادة الأصنام: "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء : 52]", وبحث عن الإله وطلب العون منه - وهذا لا يُسمى شركاً- فهداه الله إليه "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام : 79]"
إذا لم يكن الخليل مشركا طرفة عين وإنما كان على الفطرة ومنها وصل إلى أعلى مراتب الإيمان, وانطلق في جميع مراحل حياته داعياً إلى الله ومذكراً به, مؤسسا لملكوت الله على الأرض.
والناظر في دعوة الخليل إبراهيم يجد أنها قامت على الحجة والإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن, فلم يأت ب "آية" ليؤمن القوم, وإنما إظهار الحق وإزهاق الباطل. وعلى الرغم من ذلك نجد أنه اشتهر أنه كان للخليل آيتان, إحياء الطير والنجاة من النار, وقبل أن نتناول هاتين الآيتين لننظر ماذا قال القرآن فيهما وكيف عرضهما المفسرون, نُذكر بأنه لا إحياء الطير ولا النجاة من النار كانا موجهين إلى قومه, وإنما الأولى سؤال طلبه الخليل وأريه وحده! والثاني لإنجاءه من كيد قومه, ومن ثم لم يكن لهما أي دور في إقناع المخاطبين بالدعوة! ونبدأ بآية الطير لنبصر ما قال الرب فيها ثم نثني بالحديث عن النار.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 01-26-2012, 06:36 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثالثة والعشرون


الخليل والطير
ورد الحديث عن إحياء الطير في آية تتحدث عن موقف من الخليل في غير معرض القص عنه, تقول: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة : 260]"
فإذا نظرنا في كتابات السادة المفسرين يجد أن هذه الآية فُسرت تفسيرا عجيبا شوّه صورة خليل الرحمن تشويها كبيرا, فنجد الإمام الطبري مثلاً يقول:
"قال ابن جريج: بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق، إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزَّعت لحمها، وبقي عظامها. فلما ذهبت السِّباع، وطارت الطير على الجبال والآكام ، فوقف وتعجب، ثم قال: ربّ قد علمتُ لتجمعنَّها من بطون هذه السباع والطير! ربّ أرني كيف تحيي الموتى! قال: أولم تؤمن، قال: بلى! ولكن ليس الخبر كالمعاينة " ا.هـ
ولم يكتف الإمام الطبري بذكر السبب وإنما أخذ يذكر وصف الطيور وكيفية وضعها على الجبال, فقال: "حدثني حجاج: (قال فخذ أربعة من الطير) قال ابن جريج: زعموا أنه ديك، وغراب، وطاووس، وحمامة. ثم قال في تأويل "صرهن" فمعنى قوله: (فصُرْهن إليك) اضممهن إليك ووجِّههن نحوك، كما يقال: "صُرْ وجهك إليّ" أي أقبل به إليّ. ومن وَجَّه قوله: (فصرهن إليك) إلى هذا التأويل، كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكرُه استغناءً بدلالة الظاهر عليه. ويكون معناه حينئذ عنده, قال: (فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك)، ثم قطعهن، (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا). وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم "الصاد": قطِّعهن، (....) وإذا كان ذلك تأويل قوله: (فصرهن) كان في الكلام تقديم وتأخير ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إليك فصِرهن ويكون "إليك" من صلة "خذ". !! (...) وزعم بعض نحويي الكوفة أنه لا يعرف لقوله: (فصُرهن) ولا لقراءة من قرأ: "فصرهن" بضم "الصاد" وكسرها، وجهًا في التقطيع، إلا أن يكون "فصِرْهن إليك" في قراءة من قرأه بكسر "الصاد" من المقلوب، وذلك أن تكون "لام" فعله جعلت مكان عينه، وعينه مكان لامه، فيكون من "صَرَى يصري صَرْيًا"، فإن العرب تقول: "بات يَصْرِي في حوضه" إذا استقى (...)
حدثنا سعيد عن قتادة: قال: أمر نبي الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبُل، فذُكر لنا أنه شكل على أجنحتهن، وأمسك برؤوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَضعة إلى البَضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ثم دعاهن فأتينه سعيًا على أرجلهن، ويلقي كل طير برأسه وهذا مثل آتاه الله إبرهيم يقول كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناسَ يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها " ا.هـ
وكما رأينا فإن هذه التفسيرات المأخوذة من الإسرائيليات, والتي لا يجد عامة المسلمين فيها أي حرج!, قالت أن خليل الرحمن شكّ, فطلب إلى الرحمن أن يريه كيف يحي الموتى ليطمئن قلبه, فأمره الله بأخذ طيور وتقطيعهن ووضعهن على عدة جبال ثم دعوتها فتأتيه سعيا, فيكون قد رأى بعينه وليس الخبر كالمشاهدة!! ولست أدري ما الفارق بينه وبين أي إنسان عادي يطلب معجزة ليؤمن, فإذا كانت المعجزات لا تعطى للناس حتى يؤمنوا بعقولهم وقلوبهم, فما لنا رضينا للخليل ما لا نقبله على أنفسنا؟!
والآية لم تقل بما قال به الإمام الطبري ومن تبعه, وإنما قالت شيئا آخر تماماً, فالفعل "صوَرَ" لا يعني التقطيع بحال! إلا أن الروايات الإسرائيلية قالت أنه قطع ومن ثم يجب أن يكون هذا معنى الكلمة!! ولكي يجعلها الإمام الطبري تقول بهذا قدّم وأخّر وغيّر بنية الكلمة فقلب حروف الكلمة, حتى يُقبل أن "صرهن إليك" تعني "قطعهن", والقول بتقديم وتأخير ومحذوف بلا بيّنة افتراء وتقول على الله. وأما المعنى الأصلي للفعل "صوَر", والذي يفهم الآية كما هي, فقد ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره, -وهو للعلامة أبي مسلم الأصفهاني-, فيقول:
"إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة, أي فعوّد الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة " ا.هـ
إذن فالله تعالى قد أمر الخليل أن يأخذ أربعة من الطير, والتي لا يهمنا نوعها, وأن يعودها عليه بأن يأمرها فتجيب, مثل ما نراه في تربية الصقور مثلا, فمربي الصقور يدعو الصقر فيجيبه, وأن يجعل على كل جبل منهن جزءً, فتكون الجبال إما أربعة جبال أو ثلاثة أو اثنتين, ثم يدعو الطيور فتأتيه سعيا. والغرض من هذا الأمر واضح وهو ضرب المثل لإبراهيم عليه السلام, فإذا كان إبراهيم العبد المخلوق عوّد طيرا فإذا دعاها أجابته, فما بالنا بالرحمن, فسيدعونا يوم القيامة فنجيب: ".. ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم : 25]", فيعلم أن إحياء الموتى يكون بالدعوة, فالله يدعو فنجيب, والقول بضرب المثل لسيدنا إبراهيم أولى من القول بأنه أراه عيانا جهارا لأنه شك. فهذا التفسير الذي يقولون به يعد سبة في حق خليل الرحمن.
وقد يُرفض هذا الفهم المطابق لمنطوق الآية, لأنه ليس فيه مزية للخليل, فنُذكر بأن الله يقدم آيات للناس وليس معجزات, يقدم لهم آية تفهمهم وتعرفهم وتدلل على قوله, وهذا ما حدث مع الخليل فلقد قدم الله له آية وليس معجزة, فإبراهيم عليه السلام لم يشك , وإنما حصل له اضطراب في هذه المسألة, فطلب إلى الله أن يريه كيفية إحياء الموتى, فهو لم يكن يريد أن يتأكد, بل يريد الكيفية.


الإلقاء في النار

لا خلاف بين المسلمين أن قوم إبراهيم ألقوه في النار وأن الله نجاه منها! لكون الله العليم قد ذكر هذا في كتابه في أكثر من موطن, فقال: "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [الأنبياء : 68-70], "قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ [الصافات :97- 98]", "فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت : 24]", إلا أن السؤال: هل التفاصيل التي ذكرها المفسرون بشأن الإلقاء في النار هي ما قال به القرآن؟ للأسف البالغ يجد المرء أنهم زادوا عن كلام الله ما لا حاجة به, وما يخالفه مخالفة صريحة, فإذا نظرنا فيما ذكره الإمام الألوسي في تفسيره لآيات سورة الأنبياء وجدناه يقول:
"وروي أنهم حين هموا بإحراقه حبسوه ثم بنوا بيتاً كالحظيرة بكوثى قرية من قرى الأنباط في حدود بابل من العراق وذلك قوله تعالى: )قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ في الجحيم) [ الصافات : 97 ] فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوماً فأوقدوا ناراً عظيمة لا يكاد يمر عليها طائر في أقصى الجو لشدة وهجها فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السلام فيها, فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه، وقيل: صنعه الكردي الذي أشار بالتحريق ثم خُسف به, ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً فصاحت ملائكة السماء والأرض: إلهنا ما في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم عليه السلام وأنه يحرق فيك, فأذن لنا في نصرته! فقال جل وعلا: إن استغاث بأحد منكم فلينصره وأن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه فإنه خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري. فأتاه خازن الرياح وخازن المياه يستأذنانه في إعدام النار. فقال عليه السلام: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل " ا.هـ
وكما رأينا فلقد فصّل الإمام الألوسي في كيفية جمع هؤلاء للحطب وإلقاء إبراهيم في النار -ناهيك عن تقوله على الله بذكر كلاما بينه وبين الملائكة بدون بيّنة!- وهو قول لم يقله القرآن, وإنما قال أنهم أرادوا أن يبنوا بنيانا ليلقوه في الجحيم, ومن ثم فإنهم لم يُعدّوا الجحيم وإنما هو موجود أصلاً وهم يحتاجون لبناء بنيان ليلقوه فيه! ولقد ذكر الإمام الرازي تصوراً أقرب إلى الآيات يقول: "واعلم أن كيفية ذلك البناء لا يدل عليها لفظ القرآن، قال ابن عباس: بنو حائطاً من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملئوه ناراً فطرحوه فيها، وذلك هو قوله تعالى: (فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم) وهي النار العظيمة، قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم، والألف واللام في الجحيم يدل على النهاية والمعنى في جحيمه، أي في جحيم ذلك البنيان. " ا.هـ
إلا أن هذا التصور لا يتطابق مع الآيات فهو يفهمها هكذا: "ابنوا له بنيانا فألقوه في جحيمه" فنسب الجحيم إلى البنيان وهذا ليس مما يُفهم بداهة من الآية! أما المفهوم بداهة من الآية هو أنهم سيبنون بنيانا ليلقوه في الجحيم, ومن ثم فإن الجحيم شيء موجود أصلاً, وهم في حاجة إلى بنيان ليلقوا إبراهيم فيه, فما هو الشيء الذي يُحتاج إلى بنيان ليلقى الإنسان فيه؟!
يبدو -والله أعلم- أنه كان حمم بركانية , وكان قوم إبراهيم يريدون أن يلقوا بإبراهيم فيها, ولكن يبدو أن البركان كان يثور أو ما شابه ومن ثم فاحتاجوا لبنيان حتى يستطيعوا أن يلقوا إبراهيم فيه. وأرادوا أن يثبتوا بفعلهم هذا أن ينصروا آلهتهم ويثبتوا أنها تضر وتنفع فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين, فسقطوا هم في النار أو أحرقتهم هم, وليس كما قال المفسرون أنهم أصبحوا الأخسرين والأسفلين في الحجة والجدال, فما جُعلوا كذلك إلا بعد محاولة الإلقاء, ووقتها ليس ثمة جدال ولا حجج, وإنما محاولة إهلاك ثم إنجاء إلى الأرض المباركة مكة, فمن ثم فالأكثر قبولا أن يكون خسرانهم بانقلاب كيدهم عليهم وإحراقهم في النار.
أما كيف أنجاه الله من النار فهو سبحانه أعلم به, فلقد بنى المفسرون تصوراتهم وأقوالهم على أن النار كانت من إنشاء قوم إبراهيم أما نحن فنقول أنها كانت حمماً بركانية, فهل ألقي فعلا فيها وجعلها الله لا تحرق, أم أن الله كادهم بأن جعل إبراهيم يسقط في منطقة من البركان فيها حمم قد بردت فلم تعد ملتهبة –لاحظ أنهم لم يكونوا فوق البركان وإنما يلقون الخليل من بنيان بجواره- أو أن الله برّدها سريعا قبل سقوطه فيها؟! الله أعلم كيف كان, ولكن على أي حال فإن القول بأن الحمم البركانية هي النارٌ والجحيم قد قضى على الإشكالية الكبرى التي قابلت المفسرين, وهي كيف تبرد النار! -والتي حاول الإمام الفخر الرازي مثلاً أن يوجد لها تخريجاً في قرابة الصفحة الكاملة- لأن الحمم قابلة لأن تصبح برداً, فعندما تبرد تتصلب وتجف, بخلاف النار العادية والتي إذا نزعت منها الحرارة اختفت وانطفأت! وأنا وإن كنت أميل إلى أن إبراهيم لم يسقط في نار أصلاً ثم منعها الله من إحراقه, وأن ما حدث واحد من الاحتمالين الآخرين, إلا أني لا أجزم به, والله أعلم كيف حدث الإنجاء, والشاهد أنه نُجي من النار, كرامة له وليس لإقناع قومه.



إبراهيم الملك

من الأسماء التي ارتبطت بالخليل اسم الملك النمرود, ذلك الملك الذي اشتُهر في الثقافة الإسلامية أنه كان من ضمن أربعة حكموا العالم, على الرغم من أنه لا وجود تاريخي لذلك النمرود –على الأقل في العراق- وليس ثمة دليل على أن واحد من هؤلاء الأربعة حكم العالم فعلا! فما هو السبب الذي من أجله ارتبط إبراهيم بذلك الملك؟ السبب هو المحاجة التي ذكرها بين إبراهيم وشخص آخر:
" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258]"
فقال المفسرون أنه هو الملك النمرود, وأنه لما حاج إبراهيم فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت, أتى الملك برجلين فأمر بإعدام أحدهما وإطلاق الآخر وادعى بذلك أنه يحيي ويميت .. الخ الآية.
إلا أن السؤال المحوري الذي لم ينتبه إليه المفسرون هو: لماذا حاج الملك إبراهيم؟ أليس من المفترض أنه أعلى مكانة دنيوية, ومن المفترض أن إبراهيم هو الذي يسعى ليقنعه بالدخول في دين الله؟ قد يرى القارئ أنه يمكن غض الطرف عن هذا السؤال فالملك قد حاوره لسبب من الأسباب. فنقول: وهل قال الله فعلاً بما قاله المفسرون أما قال شيئاً آخر؟! إذا نحن نظرنا في الآيات وجدنا الرب يقول أن هناك من حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك, والمفترض أن يكون الضمير في "آتاه" عائداً على الخليل إبراهيم لأنه أقرب مذكور, وهو الذي يعطي المحاجة شكلاً منطقيا, فالأقل منزلة يحاج الأعلى, فهذا الرجل يحاج إبراهيم في ربه الذي آتى إبراهيم الملك, ومن غير المعقول أن أحاج إنسان في ربه لأنه آتاني أنا الملك. إلا أن المفسرين أعرضوا عن هذا المنطق وعن كون الضمير يعود إلى أقرب مذكور وجعلوا الرجل الذي يحاج إبراهيم هو الملك, وذلك لأنهم جعلوا المحاجة عامة بشأن ربوبية الله لأن هذا الملك كان يدعي الإلوهية, وليس بشأن هذه المسألة تحديدا!
ونذكر للقارئ الكريم التبريرات التي تحجج بها المفسرون في قولهم هذا, والتي ذكرها الإمام الفخر الرازي في تفسيره, فقال: "أما قوله: (أَنْ آتاه الله الملك) فاعلم أن في الآية قولين الأول: أن الهاء في آتاه عائدة إلى إبراهيم، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه, الأول: قوله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً) [النساء : 54 ] أي سلطاناً بالنبوّة، والقيام بدين الله تعالى, والثاني: أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير ، فوجب أن يكون هذا الضمير عائداً إليه. والقول الثاني وهو قول جمهور المفسرين: أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم. وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام. وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى. وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة " ا.هـ
وكما رأينا فليس في أقوالهم ما يدفع وجوب عود الضمير على إبراهيم ولا ما يدل على أن الله لم يؤت إبراهيم الملك ومن ثم يجب القول به وعدم الالتفات إلى الروايات الخرافية! ولا يعني قولنا أن الله آتى إبراهيم الملك أنه أصبح ملكاً على دولة أو مملكة كبيرة, فيكفي كونه حاكما لمكة وما يجاورها أن يصبح ملكاً, ثم يتسع الملك بعده لآله فيصبح ملكاً عظيما. ولست أدري كيف غفل المفسرون عن كون إبراهيم هو السبب في نشوء مكة بفعله ودعاءه, فلماذا لا يكون قد مُلكها؟! نعم, ليس ثمة أدلة تاريخية ولكن يكفينا قول الله أنه آتاه الملك فنجزم بأنه كان ملكاً!

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 01-26-2012, 06:38 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الرابعة والعشرون



كذبات الخليل

على الرغم من أن عامة المسلمين يقولون بعصمة الأنبياء إلا أن كثيراً من أهل السنة لم يروا حرجاً في الإدعاء أن الخليل –الذي سمّاه الله صديقا: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً [مريم : 41]- كذب ثلاث كذبات! وذلك لأن بعض الروايات قالت أن الخليل ما كذب إلا ثلاث كذبات: لما قال لقومه بل فعله كبيرهم هذا والثانية لمّا قال لهم: إني سقيم, والثالثة لما سأله الملك عن زوجه سارة, فقال له أنها أختي.
ونحن الذين لا نقول بعصمة الأنبياء, ونرى أنه من الممكن أن يصدر عنهم المعاصي أو الذنوب, نقول أن الخليل لم يكذب, لأنه لم يقم دليل على ذلك, فلا يعني قول التوراة أن إبراهيم قال أنها أخته أن نبحث لهم عن مبرر, ولا يلزم من قوله أني سقيم أنه لم يكن سقيم فعلاً, وأما قولهم بأن: "بل فعله كبيرهم هذا" كذب, فمن العجب العجاب, فلقد قيلت هذه الجملة في معرض حوار الخليل لقومه. ونذكر للقارئ الكريم السياق الذي وردت فيه الجملة, وبعض الردود التي رد بها الإمام الفخر الرازي على من قال بهذا القول:
"وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)"
قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: "فإن قيل قوله: بل فعله كبيرهم كذب. والجواب للناس فيه قولان: أحدهما: وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب، وذكروا في الاعتذار عنه وجوهاً, أحدها: أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، إنما قصد تقرير لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لو قال لك صاحبك، وقد كتبت كتاباً بخط رشيق، وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة، فقلت له: بل كتبته أنت. كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات للقادر. وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة, وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه. وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإن من حق من يعبد ويدعي إلهاً أن يقدر على هذا وأشد منه. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها صاحب «الكشاف». (...) وسادسها: أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم, فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين. (...) القول الثاني -وهو قول طائفة من أهل الحكايات- أن ذلك كذب, واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله تعالى، قوله: (إِنّي سَقِيمٌ) وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) وقوله لسارة: «هي أختي » وفي خبر آخر: «أن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال: إني كذبت ثلاث كذبات» (...) واعلم أن هذا القول مرغوب عنه, أما الخبر الأول وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه، فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما قال عليه السلام «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» فأما قوله تعالى: (إِنّى سَقِيمٌ) فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجيء في موضعه. وأما قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) فقد ظهر الجواب عنه. أما قوله لسارة: إنها أختي، فالمراد أنها أخته في الدين، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق ." ا.هـ
إذا فالخليل إبراهيم لم يكذب هذه الكذبات الثلاثة, وما انتشار هذا القول إلا لمنطق عجيب عند كثير من المسلمين, يجعل بعضهم يتحرج من تكذيب الرواة ولا يتحرج من نسبة الكذب إلى الأنبياء!!


لوط عليه السلام

ذكرت التوراة أن لوطاً كان ابن هاران, أخو سيدنا إبراهيم, ولم يقل القرآن بهذا أو ينفه, وإنما قال أنه كان موجوداً في زمانه, بدليل قول العليم: "فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ", والذي يستدل به عامة المفسرين على أن لوطاً آمن ب إبراهيم, وربما قيل أنه لم يؤمن من قوم إبراهيم إلا سيدنا لوط بسبب هذه الجملة, على الرغم من أن الله تعالى لم يقل: "فآمن به لوط" وإنما قال: "فآمن له لوط", وأن تؤمن لشخص غير أن تؤمن به!
والناظر في القرآن يجد أنه لم يشر في آية واحدة إلى أن قوم لوط كانوا مشركين! فلم نجد أن سيدنا لوطاً قال لقومه مرة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وإنما كان الحديث دوما عن الفاحشة التي كان قومه يأتونها! ولقد انتبه الإمام الفخر الرازي لهذه النقطة وحاول أن يوجد لها تبريراً, فقال: "قال إبراهيم لقومه: (اعبدوا الله) وقال عن لوط هاهنا أنه قال لقومه (لَتَأْتُونَ الفاحشة). فنقول: لمّا ذكر الله لوطاً عند ذكر إبراهيم وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد, مع أن الرسول لا بد من أن يقول ذلك. فنقول: حكاية لوط وغيرها هاهنا ذكرها الله على سبيل الاختصار، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، ولم يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال: (اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ) [ الأعراف : 59 ] لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم. وأما المنع من عمل قوم لوط كان مختصاً بلوط، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك (في زمنه) ولم يمنعهم منه فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره " ا.هـ
أما نحن فلا نقول إلا بما قال به القرآن, وهو أن لوطاً أُرسل ليحذر قومه عاقبة هذه الآفة الخلقية, ومن ثم يمكننا القول أنه من الممكن أن يرسل الله رسولاً إلى قوم لا يشركون به وإنما يرتكبون آثاما معينة, لينهاهم عنها.
ولقد ذكر الله تعالى الآفات التي كان عليها هؤلاء القوم مفصلة في سورة العنكبوت, فقال: "وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)"
فقوم لوط كانوا قد وصلوا إلى درجة كبيرة من الانحلال الخلقي, فأصبحوا يأتون الرجال –ولم يقل القرآن أن السحاق كان قد بدأ فيهم كذلك, ولو كان وُجد لذُكر, ولم يقل بذلك من قاله إلا استنتاجاً- ويقطعون السبيل ويفعلون المنكرات مجاهرة.
وقوم لوط أكبر رد على من يقول أن اشتهاء نفس الجنس أمر يولد به الإنسان, فليس من المعقول أن قوم لوط ولدوا كلهم –باستثناء آل لوط- بهذا الميل, وإنما كان فعلهم كما قال سيدنا لوط: إسرافا! فهم ما فعلوا هذا إلا بعد أن ملوا الفاحشة المألوفة ومن ثم انتقلوا إلى إتيان الذكور, ولهذا كانوا أول من فعل هذا الفعل في المجتمعات البشرية, وهذا يؤكد ما قلنا به من أن تحريم العلاقة الجنسية خارج الزواج هو لكي لا يظهر الشذوذ:
"وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)", فهو يعيب عليهم هذه الفعلة, ثم يُضرب عن هذا بقوله "بل", فكأنه يقول لهم: كيف تأتون الرجال شهوة! لا فأنتم لا تشتهون الرجال أصلا, فليس هذا في طباعكم, وإنما تفعلونه سرفا!! فلقد تلذذتم بكل اللذائذ حتى مللتم فالتفتم إلى هذا الصنف الشاذ تغييرا! وقابل قوم لوط دعوته بمطالبته بنزول عذاب الله بهم, ثم وصل الأمر بهم بعد أن ضاقوا ذرعاً بدعوته أن طالبوا بإخراجه من قريتهم, بحجة أنهم من أرباب الفضيلة الزائفة: "وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف : 82]"
وهنا أعلن لوط كراهته لهذا المستنقع الآسن ورغبته في النجاة منه: "قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩), ولما سأل لوط ربه النصرة نزلت الملائكة من السماء, وكان نزول الملائكة لغايتين, الأولى: تبشير سيدنا إبراهيم بالولد والثانية إهلاك أهل هذه القرية, ولقد حاول إبراهيم الحليم الأواه أن يرد العذاب عنهم وجادل فيهم: "وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)"
ولما جاءت رسل الملائكة لوطاً ضاق بهم, فهو يعلم أن قومه سيحاولون أن يفعلوا بهم الفاحشة وهو لا يقدر على ردهم, وقصّت سورة هود هذا المشهد فقالت:
"وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ"
ولقد توقف المفسرون مع قول سيدنا لوط: "هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ", فكيف يعرض نبي الله لوط بناته على القوم, وهذا سيكون زنا؟ فقال بعضهم أنه عرض عليهم نساء القرية وسماهم بناته باعتبار أن النبي لوط أب لهم! وهذا توجيه عجيب, فكيف يكون النبي أبا لهم وهم ينكرون نبوته وأبوته؟! وقال آخرون: عرض عليهم بناته على طريق الزواج لا عن طريق الزنا. إلا أن الآيات لم تُشر إلى الزواج, وإنما ذكرت العرض بدون إشارة إليه. ويمكننا القول أن هذا العرض من باب تعلق الغريق بالقشة, التي يعلم أنها لن تفعل شيئا! وإنما يحاول النجاة بأي حال, ولهذا قالوا له: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق! فنحن لسنا أزواجاً لهن, ونحن لا نريدهن أصلا, وأنت تعلم ما نريد.
وأمرت الملائكة لوطاً بالخروج من القرية هو وأهله حتى ينجو من العذاب: "... فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود : 81]", ونهته عن التفكير في القرية والعودة إليها.
والتبس الاستثناء "إلا امرأتك" على بعض المفسرين فظنوا أن ظاهر الآية يفيد الأمر, فالملائكة تنهاهم عن الالتفات إلا المرأة التي يصيبها ما أصابهم. وهذا الالتباس والإشكال راجع إلى الفهم المتأثر بالتوراة والتي قالت في سفر التكوين أن امرأة لوط خرجت معهم إلا أنها "وَتَلَفَّتَتْ زَوْجَةُ لُوطٍ السَّائِرَةُ خَلْفَهُ وَرَاءَهَا، فَتَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ", أما القرآن فلم يقل أنها أُخرجت أصلا, وإنما قال أن سيدنا لوط أُمر بالخروج والإسراء بأهله إلا امرأته, فهي ممن سينزل بهم العذاب, فما فائدة الإخراج إذا كانت ستُهلك أصلا؟! ومن ثم فإن الاستثناء متعلق بالإسراء وليس بالالتفات, فلقد أسرى لوط بأهله وبقيت امرأته, والتي نزل بها وبقومه العذاب. والملاحظ أن هلاك قرية قوم لوط لم يكن هلاكا طبيعيا, وإنما أُنزل بهم العذاب عقاباً على أفعالهم, فأمطروا مطر السوء وجعل عاليها سافلها: "فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود : 82-83]"
وهناك من قال أن المراد من السجيل هو حجارة ساقطة من بركان, إلا أننا أن هذا لا ينطبق مع سمة الإمطار, وأرى والله أعلم أنها إما أن تكون نيازك منزلة من الفضاء, فأمطرت القرية بمطر منها أو أنها حجارة من خارج كوننا كله.
وأما قوله "جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا" فلا يعني أنها انقلبت وإنما أن العالي صار سافلاً, فلقد تهدمت المباني وانهارت المرتفعات, كما نقول بالعامية: "هيجيب عاليها واطيها", بمعنى أنه سيهدمها تماما.
ولا ينطبق قوله تعالى "جعلنا عاليها سافلها" مع ما روي موقوفاً على محمد بن كعب القرظي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض, لأن الله قال: "فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ [الحجر : 74]", فكيف يمطر القوم بالحجارة وقد صاروا أسفلها؟! والدليل القاطع على نفي هذا التصور الخرافي هو ما قاله الرب في سورة الحجر: "فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)", فجعل العالي سافلاً مترتب على الصيحة, فهي التي جعلت العالي سافلاً –وليس أسفلا-, ومن ثم فإن قوم لوط قد عُذبوا بعذابين اثنين وليس ثلاثة, هما: الصيحة, وهي التي هدّمت وجعلت العالي سافلا وأخذت القوم, والإمطار بالحجارة. فليس ثمة رفع إلى السماء وقلب في كلام الله, وإنما في "حكاوي" الناس!
ومسألة الإهلاك بالصيحة من المسائل التي تفرد بها القرآن, وفيها سبق علمي فريد, بإشارته إلى أن الصوت الشديد يكون سببا في تدمير المباني وإهلاك البشر.



أبناء إبراهيم
على العكس من الأب إبراهيم والذي ذكر له القرآن مواقف عديدة في مواطن كثيرة، فإن القرآن قد سكت تماما عن أبناء إبراهيم, فلا نجد أي تفاصيل تُذكر بالنسبة لهم ولدعوتهم, فلا نجد ذكراً لإسماعيل إلا مع أبيه في بناء البيت, كما في قوله: ".... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة : 125]", ".. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة : 127]", وكذلك في معرض الحديث عن أمر الخليل بذبح ابنه, بينما لم يُذكر أي عمل لإسحاق عليه السلام, واختلف الحال مع يعقوب فلقد ذكر له بعض مواقف غير متعلقة بالدعوة مثل:"أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة : 133]", ومثل مواقفه في سورة يوسف.
نعم هناك عمومات تحدثت عنهم, مثل قول الرب العليم: "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)"
إلا أنه ليس ثمة حديث مباشر عنهم, ويمتد الأمر مع يوسف نفسه, فلا نجد في السورة الكبيرة المسماة باسمه إلا موقفا دعوياً واحداً في السجن, بينما السورة تقص أحداث حياته بشكل عام, وليس ثمة ذكر له في غير السورة إلا في قول الرب في غافر: " وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ [غافر : 34]", وهو حديث عن موقف الآخرين منه بالدرجة الأولى, وحديث عام عن يوسف بدون أي تفاصيل أو مواقف معينة.
وأتساءل: لماذا هذا السكوت عن دعوة هؤلاء الأنبياء؟! هل لأن أقوامهم استجابوا لهم مثلاً, ومن ثم فليس قصصهم مناسب للعرض على المكذبين, أم لأن دعوتهم لم تقدم جديدا وكانت استمرارا لما أسسه الأب إبراهيم, وكان دورهم أقرب إلى "الكهانة" بالحفاظ على تراث الأب, أم لأن الغرض من ذكرها كان إظهار الفضل على إبراهيم بأن جُعل أبنائه أنبياء من بعده؟!
الله أعلم لماذا لم يذكر التفاصيل, وكل استنتاجاتنا لا تزيد عن الاحتمالات, ومن ثم لا نشغل أنفسنا بالبحث عن مزيد من التفاصيل بشأنهم.


الأسباط
كما لم يذكر القرآن تفاصيل دعوة أو نبوة أبناء إبراهيم, لم يذكر كذلك تفاصيل نبوة الأسباط وإنما اكتفى بذكرهم مع الأنبياء, فقال أنه أوحي إليهم: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [النساء : 163]", وقال أنه أُنزل إليهم: "قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة : 136]", وكما أمرنا أن نؤمن بما أُنزل إليهم أمرنا بأن نؤمن بما أُنزل عليهم: "قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران : 84]", وبيّن أنهم كذلك كانوا مسلمين: "أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ ... [البقرة : 140]"
ولقد لاحظ المفسرون أنهم في المرات الأربع التي ذُكروا فيها كانوا بعد يعقوب, ولهذا قال بعضهم أن المراد من الأسباط أبناء يعقوب عليه السلام! ولمّا قالوا بهذا القول احتاروا في نبوتهم! فكيف يكون من صدر عنهم مثل هذه الأفعال, مثل التخطيط لقتل يوسف, أنبياء؟! ومن ثم قال بعضهم أن الأسباط أبناء يعقوب إلا أنهم ليسوا بأنبياء, وقال آخرون أنهم أصبحوا أنبياء فيما بعد!
وأنا أعجب كيف قالوا أن الأسباط هم أبناء يعقوب! فالسبط في اللسان ولد الولد, سواء كان ولد الابن أو الابنة, وهناك من جعله في ولد الابنة فقط, إلا أن الأصح أنه يشمل ولد الابن والابنة, فكيف جعلوا الأسباط الأبناء المباشرين؟! العجيب أن هناك من جعل هذه حالة استثنائية, فقال أن الأسباط أولاد الأولاد إلا مع الأنبياء فيكونون الأبناء! وذلك ليصحح قول من جعل الأسباط أبناء يعقوب!!
ولا يعجب القارئ من هذا الاستثناء, فالناظر في الكتابات المتداولة بشأن الأسباط يجدها تجعلها استثناءً كذلك, ولكنها تظهر الاستثناء في شكل الأصل, فنجدها تقول أن السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب. ولست أدري هل اختصت العربية بني إسرائيل بأسماء خاصة؟! ومتى حدث هذا وكيف؟! إن المجموعات البشرية بغض النظر عن أصلها تأخذ نفس الأسماء, فالشعب شعب والقبيلة قبيلة ... الخ, فمن ميّز بني إسرائيل عن غيرهم؟! لم يكن لهم أي تمييز, ولكنه توجيه قاله بعض علماء اللغة فتلقفه من جاء بعدهم وأصبح هو التوجيه المعتمد. وبسبب هذا التوجيه اختلفت صورة الأسباط في الأذهان, فوجدنا بعض العلماء مثل ابن تيمية يتصرف بمنطقية مع الكلمة وينفي أن يكون الأسباط أبناء يعقوب وينفي نبوتهم, ويقول أن المراد بالأسباط ذريته ونسله!
إلا أن هذا القول يتعارض كذلك مع القرآن الذي قال أنه أوحى وأنزل إليهم, ومن غير الممكن أن يوحي الله إلى قبائل بأكملها وينزل إليها. والسبب الذي جعل المفسرون يذهبون بأفهامهم هذا المذهب هو أنهم أخذوا معنى واحداً للسبط واعتمدوه تفسيراً للكلمة, ومن ثم أصبح لزاما الحديث عن جماعات وقبائل, بينما للكلمة معان أخرى أصيلة, ولو كان المعنى الأصلي للكلمة البنوة لكان من الممكن الإشارة لذلك, ولكن الله تحدث دوماً عن "الأسباط", فهل يكون في هذا إشارة إلى أن سِمة الأسباط متعلقة بهم بالدرجة الأولى وليس بيعقوب؟! يحتمل ذلك, فإذا نظرنا في لسان العرب ألفينا ابن منظور يقول: "السَّبْطُ والسَّبَطُ والسَّبِطُ: نقيض الجَعْد، (...) والسَّبْطُ الشعر الذي لا جُعُودة فيه. (...) رجل سَبِطُ الجسمِ وسَبْطُه: طَويلُ الأَلواحِ مُسْتَوِيها بَيّنُ السَّباطةِ، .. " ا.هـ
ومن ثم يمكن القول أن الأسباط جماعة من الأنبياء اشتهروا بالسمات الحسنة وبعظم الخلقة أرسلهم الله لقومهم. والله أعلم من نسل مَن كانوا, فالله تعالى يذكرهم دوما بعد إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب, ولم يقل الله مرة "وأسباطه" ليؤكد أنهم من نسل يعقوب مثلا, ومن ثم فمن الممكن أن يكونوا من نسل إسماعيل أو إسحاق ... والله أعلى وأعلم.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 01-26-2012, 06:39 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الخامسة والعشرون


شعيب عليه السلام

ذُكر سيدنا شعيب في القرآن عشر مرات في أربع سور, والملاحَظ أنه يُسبق دوما بسيدنا لوط في المواطن الأربعة, إلا أنه لم يُقل أن قومه جُعلوا خلفاء من بعد قوم لوط! ومن ثم فهم لم يكونوا في نفس المكان ولا من نسل الناجين منهم, إلا إنها إشارة إلى قربهم الزماني أو المكاني منهم.
فإذا نظرنا في دعوة سيدنا شعيب وجدنا أنه يدعو قومه لعبادة الله وحده, مستنداً إلى أنه قد جاءتهم بينة من ربهم, ولم يصرح القرآن ما هي هذه البينة, فهل تكون هلاك قوم لوط القريبين منهم؟! الله أعلم! إلا أن ما يلفت الانتباه هو ارتباط اسم القوم والنبي بالعمران, فهم مدين... تمدّن, وهو شُعيب .. تصغير شعب! وفي هذا إشارة لمن يتدبر ويتفكر!
والناظر في حال قوم سيدنا شعيب يجد تشابها بين فعلهم وفعل ثمود, فلقد كانت آفة ثمود الإفساد, وكانت آفتهم كذلك الإفساد يضاف إليه بخس الناس أشياءهم وعدم إيفاء الكيل: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)", ولهذا عندما أنزل بهم العذاب كان هو نفس العذاب, فالله قال في حق ثمود: "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف : 78]", وقال في حق مدين: "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف : 91]", وكما قال في حق ثمود: "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود : 67]", قال في حق مدين: "وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود : 94]", وربط مباشرة بينهما فقال: "كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود : 95]"
والملاحظ أن قوم مدين لم يرموا شعيباً بالضلال ولا بالسفاهة, بل قالوا أنه حليم رشيد, إلا أنهم لم يستجيبوا لدعوته بحجة أن ما يأمرهم به سيؤدي إلى الفساد في الأرض, وهكذا رموه بما هو فيهم, فرد عليهم: "قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)" فالله رزقه رزقا حسناً بدون الحاجة إلى طرقهم الملتوية, وهو لا يريد الإفساد وإنما يريد الإصلاح, فما يأمر به فيه الفلاح والنجاة.
وعلى الرغم من أنه بيّن لهم أن ما عند الله خير وأبقى وأنه ليس حفيظاً عليهم يمنع نزول العذاب عنهم, إلا أنهم لم يستجيبوا واستمروا على حالهم بل وهددوه بالإخراج هو ومن معه إن لم يعودوا لملتهم, فقال لهم أن هذا سيكون افتراء على الله لأنه يعني كذبه في دعوته السابقة. ولم ينزل العذاب بهم استجابة لمطلبهم وإنما عقاباً لهم على فعلهم وجحدهم لبينة شعيب.
والناظر في حديث الرب عن دعوة شعيب يجد أنه قد ذكرها مرة بقوله: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ..", وقصّ مرة أصحاب الأيكة فقال: "كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) ..", ولهذا الاختلاف قال بعض المفسرين أنه أرسل إلى قومين اثنين, مرة إلى مدين ومرة إلى أصحاب الأيكة! ولقد أحسن الإمام ابن كثير الرد على هذا الرأي, فقال: "ومن زعم من المفسرين [كقتادة] وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين، فقوله ضعيف. وإنما عمدتهم شيئان: أحدهما أنه قال: "كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب" ولم يقل أخوهم كما قال: "وإلى مدين أخاهم شعيبا". والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة. والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الإخوة بعد قوله: "كذب أصحاب الأيكة المرسلين" لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الإخوة هاهنا. ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم. وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة. وأما احتجاجهم بيوم الظلة; فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن. [فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام، من طريق محمد بن عثمان بن أبى شيبة، عن أبيه، عن معاوية ابن هشام، عن هشام بن سعد، عن شفيق بن أبى هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام". فإنه حديث غريب, وفى رجاله من تُكلم فيه. والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بنى إسرائيل. والله أعلم]. ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان، فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب. وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب. وقوله: "فأخذهم عذاب يوم الظلمة إنه كان عذاب يوم عظيم" ذكروا أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت الأرواح، وخربت الأشباح. " ا.هـ
الفصل الثاني
موسى عليه السلام

بسيدنا شعيب انتهت المرحلة الوسطى للأنبياء, وبعد فترة زمنية لا يعلمها إلا الله بدأت المرحلة الأخيرة للأنبياء بموسى عليه السلام: "ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ... [الأعراف : 103]", والذي يمثل هو والرسول الخاتم رؤوس هذه الفترة. وغني عن الذكر أن سيدنا موسى عليه السلام هو أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن, فلقد ذُكر إحدى وثلاثين ومائة مرة في القرآن الكريم.
وكما كان مع الخليل لوط, كان مع موسى أخوه هارون, والذي لم يُذكر له أي دعوة على الرغم من ذكره عشر مرات في القرآن, وإنما كانت نبوته تابعة لأخيه موسى: "وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً [مريم : 53]", بناءً على إعلان موسى حاجته إلى معين في تبليغ الرسالة: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص : 34]"

والقصص عن سيدنا موسى لم يقتصر على الدعوة وإنما شمل جل جوانب حياته, فلقد قُص عن مولده وكيف نجاه الله العليم من كيد الظالمين: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص : 7]"
ونلاحظ أن الله تعالى اختار هذا "الإنسان" من قبل مولده ليكون رسوله, وأعد له العدة ليتحمل هذا التكليف: "... وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]", وهذا يعني أن النسل الذي جاء منه سيدنا موسى عليه السلام نسل طاهر مبارك, مميز عن الأصلاب الأخرى, ومن ثم اختار الرب رسوله منه قبل مولده, وقدّر "البرنامج" المؤهل, ومن ضمن هذا البرنامج أن موسى كان لا يرضع إلا من أمه: "وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص : 12]", فلأن أخته كانت تعلم أنه لا يرضع إلا من أمه علمت أنهم سيحتاجون إلى من يرضعه, فلما طلبوا قالت لهم: هل أدلكم ...."
وحياة سيدنا موسى تعتبر قصة مثالية للمُخلِّص, الذي يُعد لتحرير أمته من الظلم والاستعباد الذي تخضع له, والذي ينشأ في بيت الطاغية الأكبر ويكون هو السبب في هلاكه! ومما آسف له أن الأحداث المذكورة بشأن موسى توارت خلف الكم الهائل من الإسرائيليات التي ذكرت وقائع ما أنزل الله بها من سلطان, ومن ثم ضاعت "القصة" الأصلية, والحِكم والنتائج التي تترتب عليها! ونبدأ بعرض "قصة" موسى كما جاءت في القرآن, وليس كما قالت الإسرائيليات, وأول ما نبدأ به هو الظروف التي وُلد فيها موسى عليه السلام والحال التي كان عليها قومه!




تقتيل الأبناء

وُلد سيدنا موسى في جماعة من المستضعفين, بلغت درجة من المهانة والضعف أن أبناءهم كانوا يُقتلون بلا جريرة, وبيّن القرآن لماذا كان الطاغية فرعون يفعل هذا, إلا أن ما قاله القرآن غُفل عنه, وتوارث المسلمون تصوراً منسوبا لابن عباس في رواية معروفة بحديث الفتون, ذكرها الإمام الطبري عند تناوله لقوله تعالى في سورة طه: "إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه : 40]", وهي رواية جد طويلة, نكتفي منها بما يتعلق بجزء مولد موسى, فقال: "قال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب; فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقل أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن .. " ا.هـ
ولقد ذكر الإمام ابن كثير حديث الفتون هذا في تفسيره مطولاً, وعلق عليه قائلا: "وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس مما أبيح له نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. وسمعتُ شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك " ا.هـ
ونتساءل: هل ما قالته الرواية هو ما قصّته الآيات؟! الناظر في الآيات يجد أنها لم تقل أن فرعون كان يقتل الأطفال الذكور, وإنما قالت أنه كان يقتل أبناء بني إسرائيل, والأبناء كلمة تطلق على الذكور والإناث وعلى الكبار والصغار, ولا قرينة جازمة لجعلها في الذكور فقط والرضع منهم! كما أن الآيات لم تقل أنه كان يقتل: كل أبناء بني إسرائيل, وإنما قالت: أبناءكم, كما أن الآيات تحدثت عن استحياء: النساء, والنساء بداهة هن الإناث البالغات من البشر, ولسن البنات! والعجيب أن الإمام الفخر الرازي ذكر رأيا قريباً من هذا ورده بدون بيّنة فقال: "قال بعضهم: أراد بقوله: (يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون، قالوا: إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. " ا.هـ
ونحن لا نقول أنه كان يقتل الرجال وإنما الأبناء, والأبناء تطلق على الصغار ما لم يتزوجوا أو ينجبوا! والآية الحاسمة التي تبطل تلك الخرافات التلمودية والتي تبين لماذا كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل هي قول الرب العظيم: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص : 4] ", فالله لم يقل: إن فرعون رأى رؤية فقتّل, وإنما قال أنه علا في الأرض, فالقتل والذبح لم يكن مستندا إلى نبوءة أو ما شابه, وإنما كان نوعاً من العلو والتجبر, فلقد عمل على إحداث الفرقة بين طوائف الشعب, فجعلهم شيعا, حتى لا يتحدوا ضده ويثوروا عليه, -وهذا فعل كل الطغاة والجبابرة- كما عمل على استضعاف طائفة منهم, لكونهم من غير أهل البلد الأصليين, ومن ثم فلا معين لهم ولا نصير من باقي الطوائف, كما أنهم لا يلتزمون بالدين السائد في البلاد, حتى لا يكونوا عونا للبلاد المجاورة ضده, وحتى يكونوا عبرة للآخرين, فلا يفكر أحد في مخالفته أو عصيانه! فعمل على التنكيل ببني إسرائيل, فكان يقتل أبناءهم, وفي هذا كسر لإرادة الإنسان, لأنه لو قتل الأب لشب الابن على الثأر, أما عندما يقتل الابن ينكسر الأب ويصبح ذليلا محطما! وكذلك فإنه كان يفعل بنسائهم ما تستحي منه أي امرأة, وأشد ما تستحي منه أي امرأة هو أن تُغتصب, حتى تختلط أنسابهم بالمصريين, فلا يظلون شعبا مستقلا عنهم! ولو كان المراد من الاستحياء ترك النساء أحياء لما كان في ذلك عذاب ولكان فضل من فرعون, لأنه كان يمكنه قتل النساء ومن ثم القضاء على الإسرائيليين تماما, ولكنه لم يفعل!!
ولا يعني قوله تعالى أنه كان يقتل كل أبناءهم, وإنما كان يفعل القتل بأبنائهم والاستحياء بنسائهم, أي أنهم لم يكن لهم حقوق, فمن الممكن أن ينزل هذا البلاء بأي إنسان, وهذا يبرر وجود هارون وغيره من الإسرائيليين, لأن التقتيل والاستحياء ليس فعلا شاملاً لكل فرد! ولو كانت المسألة مسألة نبوءة وخوف على السلطان والحكم, لكان من غير المنطقي أن يترك الأطفال عاما ويذبحهم عاما, فربما أتى من يخشاه في عام العفو, أما إذا كان الغرض من التقتيل والاستحياء هو الاستضعاف وكسر الشوكة فيكون معقولا أن يوجد هارون وغيره, ولو كان هناك قتل في عام وترك في آخر, لعمل الإسرائيليون على عدم الإنجاب في هذا العام, والعزل مما تعرفه البشرية منذ قديم الزمان! فتنظيم الأسرة خير من الإنجاب الذي سيكون مصيره القتل حتما! ولو كان هناك تقتيل عام لكل الأولاد لثار الإسرائيليون على فرعون أو لحاولوا الهروب من هذه البلدة! وأنا أتساءل: أين هو ذلك الشعب الذي يصدر بحقه حكم بإعدام كل أولاده (من الذكور) ويظل في مكانه؟! أما الشعوب التي يُعذب بعض أو كثير من أفرادها ولا يتحركون, فتملأ الكرة الأرضية ويركزون في بلادنا العربية والإفريقية!!
إذا ففعل فرعون لم يكن مستندا إلى نبوءة, وإنما كان يستضعف هذه الطائفة ويعاقبهم أشد العقاب على أقل الأفعال! ولهذا أراد فرعون أن يكرر هذا الفعل مع القلة التي آمنت بموسى حتى يكسر شوكتهم: "فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر : 25]", وموسى وُلد في جماعة من المستضعفين وشاء الله أن ينشأ في بيت الطاغية, وكبر وآتاه الله العلم والحكمة.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 01-26-2012, 06:41 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السادسة والعشرون


موسى والشيخ

كبُر موسى وعرَف أنه من بني إسرائيل وأخذ يعمل على الإصلاح ويدعو إليه, إلا أنه بسبب واقعة الاقتتال الشهيرة والتي تدخل لنصرة الذي من شيعته, فقضى على الآخر بوكزه, خرج موسى هاربا من مصر وتوجه تلقاء مدين, وهناك التقى ابنتي شيخ كبير عند ماء مدين: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص : 24,23]", وجاءت الروايات بخلاف الآيات, فقالت أن موسى لمّا ورد ماء مدين وجد أناسا يسقون, فلما أنهوا سقياهم غطوا البئر بصخرة عظيمة لا يستطيع حملها وزحزحتها إلا جماعة من الناس, فنزعها موسى وسقى لهما. ولو نظرنا في الآيات لوجدناها تقول أن موسى لما ورد الماء ووجد عليه أمة تسقي وامرأتين لا تسقيان, فسألهما فعلم أن العلة هي أن أبوهما شيخ كبير لا يقدر على السقيا, وهما ضعيفتان لا يستطيعان المزاحمة, فزاحم موسى القوم وسقى لهما! (لاحظ أن الآية استعملت "الفاء" في قوله "فسقى" وهي تفيد التوالي والمتابعة ولم تستعمل "ثم") أما أن يغطي الناس البئر بعد أن يسقوا وهناك من لم يسق بعد, فأمر غير مقبول ولا معروف في أحوال الرعاة!
وفي هذا البلد الغريب الذي ليس لموسى فيه قريب, تكفل الله سريعاً لموسى بما يحتاجه أي إنسان, فأوجد له المأوى والعمل .. والزوج, فجعل ذلك الشيخ سبباً لتوفير هذه الاحتياجات لموسى, ولإقامته فيها سنينا: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:27- 28]"
ولم يفوت القصاصون هذه الفرصة, فجعلوا هذا الشيخ هو شعيب, فإذا كان موسى في مدين فلا بد أن يقابل شعيبا!! وبغض النظر عن ضعف الروايات سنداً, كما قال بذلك ابن كثير والطبري وغيرهما, فإنه من غير الممكن أن يكون هذا الشيخ هو شعيب, فلقد قص الله قول شعيب عليه السلام: "وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ [هود : 89]", فرتبت الآية الأنبياء ترتيبا زمنيا فبدأت بنوح ثم هود ثم صالح ثم لوط, وشعيب لم يذكر في القرآن إلا بعد لوط, ومن ثم فهو كان قريبا من قوم لوط. ولو كان النبي شعيب لكان هؤلاء من نجوا معه من الصيحة فيستحيل أن يتعاملوا مع نبيهم و بناته بهذا الشكل. والدليل القاطع هو قول الرب العليم بعد قصه عن شعيب واستطراده بعدها: " ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ .. [الأعراف: 103]", ولو كان موسى في زمان شعيب لما كان من بعده!!
إذا فلقد التقى موسى شيخا صالحاً في مدين وزوّجه إحدى بناته, وظل هناك حتى قضى الأجل الذي اشترطه عليه الشيخ.


تحمل الرسالة
لما قضى موسى الأجل سار بأهله, والله أعلم إلى ما ولماذا كان موسى سائراً, فهل كان ذاهباً إلى الحج: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ..[القصص : 27]"؟! أو أنه كان سائرا بأهله يرعون أغنامهم؟ الله أعلم, فلم يذكر هذا, إلا أننا نستبعد ما ذكره المفسرون من أن موسى استأذن الشيخ للرجوع إلى والدته أو أنه حنّ إلى الوطن! فأراد أن يعود إلى مصر, وذلك لأنه عندما أمره الله بالذهاب إلى فرعون قال: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ [القصص : 34]", فمن غير المعقول أن يكون عائداً إلى الوطن الذي يخاف أن يُقتل فيه, ثم يتحجج بهذه الحجة!
وفي هذا المسير كان النداء والتكليم: "فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: 29-30]"
والناظر في القرآن يجد أن سيدنا موسى هو الرسول الوحيد الذي ذكر الله موقف تكليفه وتحميله الرسالة, أما باقي الرسل فكان يقص أحوالهم مع أقوامهم, وذكر عن رسولنا مواقف بشأن الرسالة ولكن لم يذكر التحمل الأول. وفصّلت سورة طه مشهد تحمل الرسالة أكثر من غيرها, فقالت: "وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)"

فنجد أن تحميل الرسالة بدأ بتكليم الله موسى, وبدون أن يطلب موسى من الله أي شيء, يأمره الله بإلقاء العصا, فتتحول العصا إلى حية فيخاف موسى ويولى مدبرا, فيأمره الله ألا يخاف, ثم يأمره الله أن يدخل يده في جيبه ويعلمه أنها ستخرج بيضاء من غير سوء. ثم يبين الله له برنامج الإعداد الذي ابتدأه منذ ولادته, وكيف أن كل هذا لم يحدث صدفة وإنما قدراً من أجل هذا الدور.
ولقد توقف المفسرون القائلون ب "المعجزة" مع هذا الموقف متسائلين لماذا حدثت المعجزة مع أنه لم يرها إلا موسى عليه السلام! والمعجزة –على قولهم- لا تحدث إلا أمام المعارضين لتأكيد صحة النبوة! ويبدو أنهم قد نسوا قول الله: "لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى", ونسوا أن سيدنا موسى كان لا يزيد عن كونه إنساناً مؤمنا بالله, فأن يكلمه الله ليس بالأمر اليسير, فأراه الله بعضا من آياته الكبرى ليقبل على تحمل الرسالة بثقة ويقين وليعلمه كيف سيتحرك في دعوته!! فعندما تكلف إنسانا بالذهاب إلى ملك ومطالبته بترك جزء من شعبه يخرج, فلا يعلم الإنسان ماذا سيفعل! ثم إنه من المحتمل أن يُقتل أو يناله الأذى, فما الذي يحميه من هذا, أن يُقتل أو يُعذب؟!
إذا فآيات موسى "اليد والعصا" لم تكن بناءً على طلب المصريين ولا اقتراحاً من موسى, وإنما كانتا برهانان من ربه لفرعون وقومه: "... فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [القصص : 32]", ولم يكن هذان البرهانان ليؤمن فرعون والمصريون بموسى, فلم تكن ثمة رسالة بعد, وإنما ليستجيبوا لطلبه, وهو: ".. قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف : 105]", إذا فحال سيدنا موسى كان مختلفاً عن باقي الرسل لأنه لم يكن مرسلاً إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان بالله بالدرجة الأولى, وإنما ليرسل معه بني إسرائيل الذين كانوا على بقايا الإيمان, ولو كانت مهمته مخاطبته بالإيمان لما كان هناك أي حاجة إلى آية حسية ولذكره بالله! ولكن لمّا كان المطلب ظاهراً دنيويا وليس دينياً, أُمد الله سيدنا موسى بهذه الآيات ليقتنع بتحمل الرسالة ولتكون حماية له من فرعون وقومه: "قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ".
وبغض النظر عن رميهم لآيات موسى بالسحر فإن مقولتهم: ".. مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [القصص: 36]", تدل على أن موسى هو أول من أوتي مثل هذه الآيات "الخارقة", بينما كانت آيات الأنبياء السابقة –والذين كانوا على علم بهم- "طبيعية"! فهم لم يعترضوا على مبدأ الرسالة وإنما تعجبوا من هذه الآيات!
فإذا توقفنا مع الآيتين الأوُل: اليد والعصا, وجدنا أنه لا خلاف في أن العصا تحولت إلى ثعبان, -ولا قيمة لمن قال أن هذا كان تخييلاً للمشاهدين, لأن الرب القدير قال: "قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى [طه : 21]", وهذا يعني أنها تحولت إلى شيء آخر!- بينما أتوقف مع الآيات التي تتحدث عن اليد, والتي تختلف عن العصا, فإذا نظرنا في هذه الآيات وجدنا الرب يقول: "وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه : 22]", "وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ .. [النمل : 12]", "اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ .. [القصص : 32]", "وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف : 108]", فلماذا التركيز على "من غير سوء", ولماذا "للناظرين"؟! فهل في هذا إشارة إلى أنها في الواقع غير ذلك, وهي فقط بيضاء للناظرين؟! لقد قال المفسرون أنها كانت بيضاء منيرة! والله لم يقل أنها أضاءت أو أنارت, وإنما قال أنها بيضاء فقط فلا مجال للمزايدة! وقال المفسرون توجيها ل: "من غير سوء" أنها لم تكن برصاء, رداً على ما قالته التوراة! إلا أن الآية التي تحتاج إلى شرح أو توضيح ليست بآية, فإذا كان من المحتمل أن يظن الرائي أنها برصاء فليست بآية بحال!
ولقد وجهها بعض الباحثين المعاصرين فقال أنه أخرج يده بيضاء على العظم, أي أن الناظر إليه كان يرى يده عظما لا لحم عليها! وهو وإن كان قولاً محتملاً إلا أني أميل –والله أعلم- إلى أن المراد من اليد البيضاء أنها كانت شفافة, -وذلك لأن الأبيض يطلق في اللسان على الشفاف مثل الماء, وعلى الأبيض القاني مثل اللبن-, لأنه لو كان الحديث عن ظهور العظم لذكر هذا, بينما لم تذكر الآية إلا لون اليد, وأن هذا اللون كان للناظرين, ومن ثم يمكن القول أن يد موسى أصبحت شفافة يرون من خلالها! وليتصور القارئ يداً قريبة من الزجاج أو من الماء يرى الناظر حدودها ويرى من خلالها! كيف سيكون حاله عندما يرى مثل هذه اليد؟!



الإرسال بالآيات
لا يتوقف عامة المسلمين مع الآيات التي أرسل الله بها, فيرون أنها مجرد دليل على صدق المرسَل وأنه من عند الله! ومن ثم كان من الممكن أن يأتي صالح باليد والعصا وموسى بالناقة! وهي أقوال باطلة مبنية على التصور الباطل للآية كمعجزة! بينما الآية التي يرسل الرب بها هي "آية", ومن ثم فإن أفضل ما كان يُخاطب به فرعون وملأه هو اليد والعصا! ولقد فهموا الرسالة المبطنة فيهما بينما لم نفهمها نحن! ولو تذكر القارئ ما قلناه بأن موسى لم يُرسل إلى فرعون ليؤمن به وإنما ليسمح له بإخراج بني إسرائيل: "... فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف : 105]", وعندما ألقى موسى العصا ونزع اليد ما كان رد فرعون وملأه؟ كان ردهم: "قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف : 110]", "قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء : 35]", لقد فهموا الرسالة في اليد والعصا وهي أنهم إن لم يرسلوا بني إسرائيل مع موسى فسيُخرجون من أرضهم! (وهو ما كان: فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء : 57]), ونلاحظ أنهم لم يقولوا إنه ساحر عليم فأتوا بسحرة يفعلون مثله! وإنما كانوا يتحدثون عن الإخراج من الأرض, وأنهم لا يدرون ما يفعلون تجاهه, وأخذوا يتساءلون: ماذا تأمرون؟! ثم استقروا على استدعاء السحرة لإبطال ما جاء به موسى حتى لا يُخرجوا! فلم يكن حشر السحرة من المدائن لمجرد إثبات أن موسى كاذب, وإنما لدفع ذلك الخطر الداهم الذي يتهددهم!
إذن فالله تعالى عندما أرسل موسى بالآيات لم يرسله هكذا اعتباطاً وإنما لحكمة, وبرسالة مبطنة فيها –وحماية لموسى- تقول لفرعون أن عليه أن يرسل بني إسرائيل, وإلا سيُخرج.
ومشهد استدعاء السحرة يبطل ذلك التصور التوراتي الباطل عن مصر السحر ... والسحرة! فالناظر يجد أن فرعون والملأ ليس لديهم سحرة! وعندما احتاجوا إليهم أرسلوا إليهم يجمعونهم من المدائن: "قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [الأعراف : 111-112]", وعندما جاء السحرة فرعون سألوه إذا كانوا سيُعطون أجرا إذا غلبوا, وهذا يعني أن السحر لم يكن مهنة معتبرة أو محترمة أو معترف بها في ذلك الزمان فأرادوا التثبت بشأن حقوقهم: "وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف : 113-114]", وتأكيد فرعون لهم أنهم سيكونون من المقربين دليلٌ إضافي على أن السحرة كانت طائفة منبوذة مستبعدة, لم تكن من ضمن أدوات تجبر وطغيان فرعون, فلمّا جابه موقف فوق قدرته, رأى الاستعانة بهم كأداة من أدوات الطغيان, فربما يكونون له معيناً, في هذا الموقف وفي أمثاله في المستقبل!
فإذا تركنا هاتين الآيتين ونظرنا في باقي الآيات التسعة وجدنا أنها آيات طبيعية, وليست خارقة, والأقوال الخرافية التي ذكرها المفسرون فيها لا دليل عليها, فلا دليل على أن الدم الذي أُرسل عليهم كان الماء, والذي كان يتحول في يد الفرعوني إلى دم بينما يشربه الإسرائيلي عذبا فراتا! فهذا من التهويل والخرافات الممجوجة, وكذلك ما جاء في باقي الآيات من التهويل, فالضفادع كانت من الكثرة البالغة بحيث أنهم لم يستطيعوا العيش أو النوم مع ذلك النقيق المستمر الذي يزعج أي إنسان, وهي دليل على انتشار المستنقعات! وأما الدم فهناك من قال أنها نُزعت المهابة من قلوب الآخرين تجاههم لما نزل بهم من المصائب والأضرار, فأصبحوا يقتلونهم, ولكن هذا قول مستبعد, ومن الممكن القول أنهم أصابتهم الأمراض التي جعلتهم ينزفون الدماء, مثل انتشار قواقع البلهارسيا التي تجعل الإنسان يبول دما, أو غيرها من الأمراض التي تجعل الإنسان يتقيأ دما.
وعلى الرغم من اشتهار موسى بالآيات التسع إلا أن عامة المسلمين لا يعلمون تحديدا ما هي هذه الآيات التسع, وكذلك المفسرين, فلقد وجدنا اختلافاً بينهم في تحديدها, ولقد ذكر الأستاذ عبد الوهاب النجار الآيات التسع التي حددها المفسرون ثم بيّن عدم إصابتهم في تحديدها! فقال:
"1- (الجدب) بأن قل عنهم النيل وقصر عن إرواء أرضهم (....)
2- (النقص من الثمرات) بسبب ما يأتي عليها من الجوائح والعاهات.
3- (الطوفان) ولم يقطع المفسرون بأن هذا الطوفان كان على أي وجه؟ (...)
4- (الجراد) (...) 5- (القمل) الذي أقض مضاجعهم وأتعبهم أيما تعب. وفي التوراة "البعوض" بدل القمل. (...) 6- (الضفادع) قيل أنها كثرت عندهم حتى نغصت عليهم عيشتهم بسقوطها في طعامهم وفراشهم وبين ملابسهم.
7- (الدم) بأن استحال الماء لأهل مصر دما. وقيل سلط الله عليهم الرعاف.
8- (الطمس على أموالهم) وهو محقها وإهلاكها. 9- (اليد) إذ كان يضع يده في جيبه ثم يخرجها بيضاء من غير سوء.
وبعض المفسرين يعد الآيات على غير هذا الوجه, فيجعل "فلق البحر" من الآيات التسع. وآخرون يجعلون "انبجاس الحجر بالماء لبني إسرائيل" من الآيات التسع.
ولا يخفى أن فلق البحر إنما كان بعد تمام الآيات. وانبجاس الحجر بالماء إنما كان بعد هلاك فرعون, فلا يصح أن يكون آية له ولقومه. وأنا أعد الآيات هكذا: 1-السنون 2- نقص الأموال 3- نقص الأنفس 4- نقص الثمرات 5- الطوفان 6- الجراد 7- القمل 8- الضفادع 9- الدم. "ا.هـ
والأستاذ النجار محق في نقده لتلك الآيات ولكني لست أدري كيف استبعد اليد والعصا منها! فلقد نص الله صراحة أن اليد من الآيات التسع: "وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ .[النمل: 12]"
وقال كذلك: "وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى [طه : 22]", ومن ثم فإن الشيء السابق لها كان كذلك آية وهو العصا. فتكون اليد والعصا آيتين, فإذا جعلنا النقوصات الثلاثة التي اعتبرها الأستاذ النجار واحدة: "نقص الأموال والأنفس والثمرات", لأنها في نهاية المطاف نقص! وأضفنا إليها السنون والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم, كانت هي الآيات التسعة التي أرسل بها موسى إلى فرعون وقومه الفاسقين, أما ما حدث بعد ذلك فكان لبني إسرائيل, وهو لم يُفعل لهم ليؤمنوا, وإنما لينجوا ويواصلوا رحلتهم.
ونلاحظ أن الله تعالى قد "أرسل" هذه الآيات ولم يعدها عذابات وإنما آيات, فلما رفضوا التسليم على الرغم من يقينهم بأنها من عند الله "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ... [النمل : 14]", هنالك "وقع" عليهم الرجز, والذي اعتُبر كعذاب وليس آية, فسلموا: "وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف : 134]", إلا أنهم نكثوا العهد ولم يرسلوا معه بني إسرائيل: " فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الأعراف : 135]"
ويبين الله علة الانتقام منهم بأنهم كذبوا بالآيات وغفلوا عنها: "فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)", وهذا تأكيد لأن الآيات تخاطب العقل وليست لتأتي بما هو فوقه فتعجزه عن تبريره.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 01-26-2012, 06:43 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السابعة والعشرون

السنون المنسية
اللافت للانتباه أن بعض المسلمين يظنون أن "قصة" موسى مع فرعون استغرقت أياماً معدودة, فالله أرسله باليد والعصا ثم تحدى السحرة وبعد ذلك خرج وبنو إسرائيل من مصر! وهذا التصور القاصر راجع إلى العرض المختصر التي ذكرته سور مثل سورة طه, والشعراء والتي ذكرت الأمر بالخروج بعد جدال فرعون السحرة: "قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)".
فيظنون أن فرعون لمّا توعد السحرة بالتصليب في جذوع النخل خرج موسى ومن معه! وينسون أن الله تعالى قصّ بقاء موسى وقومه في مصر سنين, وعلى أقل تقدير ظلوا ما يزيد عن العام, ونجد ذلك جلياً في قوله تعالى: "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف : 130-131]".
ويبدو والله أعلم أن فرعون لم ينفذ تهديده, -أو نفذه بشكل رمزي- وترك موسى وقومه لشأنهم, وهذا يعني أن حال بني إسرائيل قد تغير بعد مجيء موسى, فهم وإن لم يخرجوا إلا أن العذاب والإهانة قد رُفعت! وفي هذه الأثناء لم يكن موسى قد أوتي الرسالة بعد, وإنما أُمر هو وقومه بإقامة الصلاة وبتبشير المؤمنين .. وباتخاذ بيوت في مصر!: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)"
وأن تكون هذه البيوت مقابلة لبعضها ليستقووا ببعض , وأخذ موسى وقومه في تنفيذ هذه الأوامر, إلا أن هذا الوضع لم يعجب الملأ, لذلك أخذوا يحرضون فرعون على ألا يتركهم: "وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف : 127]", ومن ثم فكّر مجددا أن يُعاد الأسلوب القديم مرة أخرى, فيقتلون الأبناء ويستحيون النساء! وأخذ الله آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ... الخ فلما يخضعوا ورفضوا إطلاق بني إسرائيل: "وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف : 132]", ولمّا وقع عليهم الرجز قبلوا بإطلاق بني إسرائيل: "وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف : 134]", وبعد الوعد بالخروج –الذي نُكث عنه لاحقاً- أوحى الله إلى موسى أن يسر بعباده ليلاً, فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً فأُهلكوا!

العجـــل
بعد أن أغرق الله فرعون وجنده وأورث القوم الذين كانوا يستضعفون الجنات والعيون والمقام الكريم, خرج موسى بقومه, الذين سرعان ما طالبوه بما يبطل ما خرجوا من أجله: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف : 138]", فذكّرهم موسى بحالهم وبما فعله الله من أجلهم, وواصلوا مسيرهم, وسبق موسى قومه للقاء ربه, وتأخر موسى, وهناك حدثت الانتكاسة الشهيرة وهي عبادة بني إسرائيل للعجل!
وتابع المسلمون اليهود في قولهم بأنه كان من الذهب! إلا أنهم خالفوهم في القول بصانعه, فلقد قالت التوراة أن هارون هو الذي صنعه لهم بناءً على طلبهم منه ذلك: "ولما رأى الشعب أن موسى أبطا في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا, لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (الخروج 32/1-4).
فقال المفسرون: لم يكن هارون هو الصانع, وإنما كان السامري: "فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)"
وأتوا في تفسيرهم للآيات بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان, ملخصها أن موسى عليه السلام لما ذهب للقاء ربه واستبطأه قومه أخذ السامري قبضة من التراب كان قد أخذها من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام -الذي رآه وعرفه وحده دون باقي القوم, لأنه كان قد رباه في صغره!– عند عبوره البحر على شكل فارس لكي يعبره بني إسرائيل خلفه, ولا يخافوا من انطباق البحر عليهم, فأخذ السامري حفنة التراب وألقاها على الحلي التي كانت مع بني إسرائيل فتحولت إلى عجل من ذهب له خوار, بحيث إذا دخل الهواء من دبره وخرج من فيه يحدث هذا الصوت.
وهذا التفسير مستند إلى روايات لم يُرفع منها إلى النبي رواية واحدة, وإنما هي موقوفة على بعض الصحابة والتابعين, ويرجح أن تكون ممن تلقوه عن أهل الكتاب, لما فيها من التهويل والمبالغات!
وبغض النظر عن السند فإن متنها مخالف للقرآن تماماً, فأين تحدث القرآن عن صناعة العجل أو عن عجل مصنوع؟! إن الرب العليم الحكيم قال: "فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ .. [طه : 88]", والإخراج في القرآن كله هو الإخراج وليس الصناعة, والله لم يقل: فصنع لهم عجلاً ذهباً! كما أن الرب قص قول موسى عليه السلام للسامري: ".. وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه: 97]", فهذا يؤكد أن العجل كان عجلاً عاديا وليس عجلا ذهبيا, لأنه حُرق ثم نُسف أي طُير في الهواء وذُري, والذهب لا يحرق ولا ينسف لأنه يذوب عند الوضع في النار. ولقد انتبه قتادة إلى هذه الإشكالية فحاول أن يزيلها فقال أن العجل استحال إلى لحم ودم! ونحن نقول أنه كان أصلا من دم ولحم, بدون أي استحالة! وسبب قول المفسرين بهذا هو فهمهم لقول الرب العليم: "وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ..[الأعراف : 148]", وعدم حملهم إياه على آية طه التي فصلتها, وكذلك إلى الفهم الغير الدقيق لكلمة "اتخذ" وجعلها بمعنى صنع أو حوّل , وكذلك عدم ظهور توجيه مناسب عندهم لقوله تعالى: "قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه : 96]", أما نحن فنقول أن السامري بصر بشيء لم يبصروا به والبصر مترتب على الرؤية: ".. وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف : 198]", فهو بصر بشيء لم يبصروا به, ومن ثم أخذ بعضا من أثر الرسول موسى –تعاليمه- فنبذها وكذلك سولت له نفسه أن يفعل بهم هذا!
أما الحديث عن جبريل الذي كان يربي السامري وحافر لفرس لا يوضع على شيء إلا دبت فيه الحياة وما شابه, فخرافات ليس للقرآن بها علاقة! فلقد تحدث القرآن عن عجل, ولم يذكر له أي مزية أو اختلاف .. ومن ثم فهو دابة!

الأمر بقتل النفس
بعد أن اتخذ قوم موسى العجل أُمروا بقتل أنفسهم, كما قال الرب الحكيم: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)", فلمّا تابوا وأنابوا رفع الله عنهم الأمر بقتل النفس فلم يقتلوا أنفسهم!
والعجيب أننا وجدنا المفسرين يقولون أن بني إسرائيل قتلوا أنفسهم على الرغم من توبتهم! لأنهم افترضوا في الآية ما لم يقله الله, ففهموها بزيادة كلمات كما قال الإمام الفخر الرازي: "أما قوله تعالى: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) ففيه محذوف، ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، والآخر: أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. " ا.هـ
فافترض المفسرون زيادات في الآية ليقبلوا الروايات التي صورت مذابح فظيعة يُفترض حدوثها في بني إسرائيل! ونذكر للقارئ بعضاً من النماذج التي أوردها الإمام الفخر الرازي نقلاً عن المفسرين:
"قال المفسرون: أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل. (...) ثم اختلفت الروايات، فالأول: أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام، وهذا القول ذكره محمد بن إسحاق . الثاني: أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل, فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل البتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء, وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا. فأوحى الله تعالى إليهما: قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي. قال: وكان القتلى سبعين ألفاً، هذه رواية الكلبي. الثالث: أن بني إسرائيل كانوا قسمين: منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة. (...) السؤال السادس: كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل؟ الجواب: ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم. " ا.هـ
وكما رأينا فلقد افترض المفسرون زيادات وفهموا الآية تبعاً للزيادات! ولا حاجة إليها, فمن الممكن القول أن قوله تعالى "فتاب عليكم" ليس من قول موسى وإنما حكاية, أي أن كلام موسى انتهى بقوله: "ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ", ثم قصّ الله توبته عليهم فقال: "فتاب عليكم" ولم يتركهم يقتلون أنفسهم, ومن ثم فلا قتل, وبهذا تكون التوبة عليهم نعمة من نعم الله عليهم.

موسى والبقرة
على العكس من العجل الذي لم يكن موسى حاضرا إخراجه وبداية عبادة بني إسرائيل له, فإن موسى عليه الصلاة كانت له حادثة شهيرة دارت حول ... بقرة! وهي التي قصّها الرب العليم في قوله: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)"
والتي عندما تناولها المفسرون جعلوا الآيات اللاحقة تابعة لها: "وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً .."
وبتعبيرٍ أدق جعلوا الآيات السابقة تابعة لها, فجعلوا "قصة" البقرة هي المترتبة على قتل النفس! فإذا نظرنا في الطبري مثلاً وجدناه يذكر قصصا عديدة حول هذه الواقعة, منها: "كان سبب قيل موسى لهم: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)، ما:- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم -أو عاقر- قال: فقتله وليه، ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله ؟ قال: فأتوا نبي الله، فقال: اذبحوا بقرة! فقالوا: أتتخذنا هزوا، قال: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة)، إلى قوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) قال: فضُرب، فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا " ا.هـ
وهكذا نسبوا إلى سيدنا موسى أنه أحيى القتيل لكي يخبرهم بمن قتله! وعلى الرغم من أنه من المفترض أن تعد هذه الآية من أكبر الآيات التي أتى بها موسى, فلقد أحيى الموتى –بإذن الله-! إلا أنها لم تُذكر إلا في موطن واحد, ولم يعدها الله تعالى آية! وإنما اعتبرها "نعمة وهداية"! والأهم من هذا وذاك هو أن الله تعالى لم يقل أن موسى أحيى ميّتا!!
المشكلة الكبرى أن المفسرين لم يجدوا لمسألة الأمر بذبح بقرة توجيها معقولا! ثم وجدوا الآيات التالية تتحدث عن قتل نفس! ويؤمر فيها بضربه ببعضها, فقالوا أن المضروب هو القتيل والمضروب به هو بعض البقرة السابقة, ومن ثم فإن آيات البقرة تابعة لحادثة القتل! إلا أن السادة المفسرين غفلوا عن أن في هذا القول مخالفة للترتيب الذي جاءت عليه الآيات, كما أنهم جعلوا الحادثتين حادثة واحدة! بينما قص الله حادثة البقرة مبتدأً بقوله: "وإذ قال ..." وقص حادثة القتل مبتدأ بقوله: "وإذ قتلتم"! والناظر في سورة البقرة يجد أن الله يبدأ القص عن الأحداث المختلفة بقوله "وإذ": "وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ ..[البقرة : 50]", "وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ..[البقرة : 51]", "وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة : 53]", "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ ..[البقرة : 54]", "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ... [البقرة : 55]" الخ, وكلها تذكر وقائع مختلفة عن الآيات السابقة لها, فلماذا ألغينا"وإذ" هنا, وخالفنا الترتيب وجعلنا الواقعتين واقعة واحدة؟! ناهيك عن أن الله تعالى نسب القتل إلى بني إسرائيل وهذا يعني مشاركة عدد كبير منهم فيه, وليس أنه كان حادثة فردية حاول أصحابها دفعها عن أنفسهم –كما ادعت الروايات المختلفة-!
ولكن إذا كانوا قد قبلوا بلا حرج أن يعاد على الاسم الواحد بضميرين مختلفين, فلا عجب! فلقد قالوا أن الضمير في "فيها" عائد على "نفس" لأن النفس مؤنثة! ثم عادوا فقالوا أن الضمير في "اضربوه" عائد على النفس كذلك ولكن باعتبارها "القتيل", ومن ثم يعاد عليها بضمير المذكر! وكما هو جليّ للقارئ فإنها أقوال مخالفة للترتيب وللتقسيم ولعود الضمائر!
ولقد حاول الأستاذ عبد الوهاب النجار أن يقدم توجيها معقولاً للآيات, لا يخالف الترتيب ولا يلغي التقسيم فقال أن حادثة البقرة كانت في واقعة قتل, ولكنها ليست الواقعة المذكورة بعدها, وأن ما جاء في هذه الآيات كان هو الحكم المتعلق بالقتيل الذي لا يُعلم قاتله, فقال: "أما ما جاء في التوراة متعلقا بأمر ذبح البقر فيلخص في أن بني إسرائيل فرض عليهم أنه إذا قتل قتيل في الحقل يؤتى بأهل أقرب البلاد من موضع القتيل ويأتون بعِجْلة من البقر لم يحرث عليها ولم تجر بالنير, ويأتي شيوخ القرية بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع, ويكسرون عنق العِجلة في الوادي. ثم يتقدم الكهنة –بنو لاوي- ويباركون الله ويغسل جميع الشيوخ الذين من القرية القريبة من القتيل أيديهم على العِجلة. ويصرخون قائلين: "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر. اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب ولا تجعل دم بريء في وسط شعبك إسرائيل. فيغفر لهم هذا الدم. " ا.هـ
إلا أنه يؤخذ عليه أن الله تعالى لم يقل في الآيات أنها متعلقة بقتيل أو شيء من هذا القبيل وإنما الأمر أمر بذبح بقرة! ولقد ذكر الأخ السوداني الدكتور عماد بابكر حسن توجيها طيباً للأمر وهو أنه مجرد أمر بذبح بقرة لنزع القداسة من نفوس الإسرائيليين, الذين أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم! فالعجل وإن كان حُرق ونسف, إلا أنه كانت له مكانة في قلوبهم, ومن ثم أمرهم الله بأن يذبحوا بقرة!! ويمكننا فهم الحكمة إذا أمرنا بعض الهندوس حديثي العهد بالإسلام بذبح بقرة, فقد يكونون دخلوا الإسلام إلا أن في نفوسهم بقايا تقديس لهذا الحيوان, ومن ثم يؤمرون بذبح واحد منه, ليزول أي أثر مهابة أو تقديس في نفوسهم تجاهه.
ونحن وإن كنا لا نجزم بهذا التوجيه إلا أنه التوجيه الوحيد الذي وجدناه لا يفترض زيادات على الآيات ويأخذها كما هي.
فإذا تركنا حادثة البقرة وانتقلنا إلى حادثة القتيل, وجدنا أنها لم تقل أن نبي الله موسى أحيى القتيل, ولم تقل أصلاً أنه كان موجوداً, وإنما قالت أن بني إسرائيل أُمروا بأن يضربوه ببعضها ثم قال الله بعدها: ".. كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة : 73]", ولا يعني هذا أن القتيل قد أحيي! فلقد قال الرب العليم: "وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف : 57]" فمن هو المضروب وما هي التي سيضرب ببعضها؟!
حاول الأستاذ عبد الوهاب النجار أن يقدم توجيها معقولاً, فقال:
"وأما القصة الثانية وهي قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسا) الخ فهي في شأن قتيل وجد قتيلا في بيته أو محلة قومه أو سقط في معركة فيها جماعة. وقد دفع كل واحد القتل عن نفسه ولم يتعين قاتله تماما وكل واحد يتهم سواه بالقتل. وحينئذ يكون المتهمون محصورين والقاتل لا يخرج عنهم بدليل قوله تعالى (فادارأتم فيها) ولما كان الله تعالى مخرجا ما يكتمون من القتل, علّمهم طريقة يميز بها القاتل من البريء. أو هي على الأقل تضيق دائرة الاتهام وتوجه نظر القاضي إلى استنباط الأدلة على المتهم أو من له اتصال بالقتل. ذلك بأن يأتوا بالمتهم ثم يضربونه بجزء من تلك النفس أي من القتيل وهو متصل ببقية الجسم, بأن يأتي واحد ويضرب المتهم بيد القتيل أو رجله, فإذا كان المتهم بريئا لم يحدث له شيء, وإذا كان قاتلا ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أن القاتل دون سواه, أو هو على اتصال به. " ا.هـ
وهو توجيه جيد إلا أنه يؤخذ عليه أن الله قال: "اضربوه" وليس "اضربوهم" كما هو مفترض مع جماعة من القتلة المتهمين! ونحن نقر أن تصور الحادثة غير واضح لدينا, فهل يكون المضروب هو ما كانوا يكتمون, وبعضها أي بعض النفس! الله أعلم, ونحن نترك الحادثة لمن بعدنا لينظر من أو ما المضروب!

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 01-26-2012, 06:45 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثامنة والعشرون

التيــــــــــه

خرج بنو إسرائيل مع موسى بعد أن قصم الله فرعون المتجبر وقومه الفاسقين, وبعد أن حدث من بني إسرائيل ما حدث أصبحوا على مشارف الأرض المقدسة, التي من أجل دخولها خرجوا من مصر! وهنا أمرهم سيدنا موسى أن يدخلوها, بعد أن ذكّرهم بنعم الله عليهم: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)"
إلا أن بني إسرائيل رفضوا الدخول وردوا بإساءة أدب, فأعلن موسى لربه عدم مقدرته على فعل شيء هو وأخوه بمفردهما, ودعاه أن يفرق بينهما وبين الفاسقين, فحرّمها الله عليهم أربعين سنة, يتيهون في الأرض!
وهنا موطن الإشكال! فلقد جعل المفسرون التيه في الأرض بمعنى أنهم ظلوا في صحراء سيناء أربعين سنة "يلفون ويدورون" فلا يستطيعون الخروج من المكان الذي هم فيه ولا الوصول إلى الأرض المقدسة! وهكذا ناقضوا أنفسهم بألسنتهم! فإذا كان القوم قد أعلنوا رفضهم الدخول وأعلنوا أنهم باقون في مكانهم, فلماذا كانوا يحاولون الوصول إليها؟! ولماذا استمروا في اللف والدوران لمدة أربعين سنة, إذا كانوا قد عرفوا أنهم لن يصلوا إلى أي مكان؟! لماذا لم يبقوا في مكانهم؟ ناهيك عن كونه بديهي أنهم لو مشوا في طريق مستقيم ولا يحيدون عنه, فإنهم سيخرجون حتماً من المكان الذي هم فيه, إلا إذا كان الله يحرك الأرض من تحتهم؟!! وكيف يعاقب الله نبييه موسى وهارون معهما, على الرغم من أن سيدنا موسى كان قد دعاه أن يفرق بينهما وبين القوم الفاسقين, وعلى الرغم من أنه جل وعلا قد قضى أنها محرمة عليهم –ولم يقل: عليكم, حتى لا يدخل في الوعيد موسى وهارون- أربعين سنة, فكيف أُدخل موسى وهارون في العقاب؟! ولقد أوجد هذا التصور إشكاليات عدة حاول المفسرون إزالتها, مثل ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
"اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا؟ فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع، والثاني: أن ذلك التيه كان عذاباً والأنبياء لا يعذبون، والثالث: أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب؟ وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها برداً وسلاماً، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه؟ فقال قوم: إن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة، وبقي يوشع بن نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، وهو الذي فتح الأرض المقدسة. وقيل: إنه ملك الشام بعد ذلك. وقال آخرون: بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم. (...) إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرّم عليهم الرجوع إلى أوطانهم، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاءً لهم على سوء صنيعهم، وعلى هذا التقدير فقد زال الإشكال. " ا.هـ
وكما رأينا فلقد ذكر الإمام الفخر الرازي رأياً أكثر قبولاً وهو أنهم كُتب عليهم أن يمكثوا في المفازة عقاباً, إلا أنه لم يبين كيف يكون هذا تيها؟!
الناظر في القرآن يجد أنه لم يتحدث قط عن قوم يدورون لمدة أربعين سنة, وإنما ذكر الرب العليم أن القوم كانوا بالقرب من المدينة! وطلب إليهم موسى أن يدخلوها, ولم يطلب إليهم أن يذهبوا أو يسافروا إليها! هم كانوا أمام المدينة, والمطلوب أن يدخلوا ولو دخلوا لغلبوا! وهم لم يقولوا: لن نذهب إليها أو لن نسافر وإنما قال: لن ندخلها أبداً, وهذا يعني أنهم بالقرب منها! ومن ثم عوقبوا بأن أصبحوا أربعين عاماً بلا هدف في الأرض, يتحركون على غير هدى وإلى غير هدف! فلا هم يرجعون إلى أهلهم ولا هم يدخلون الأرض المقدسة, وإنما في حيرة واضطراب, وهكذا حتى يهلك هذا الجيل الرافض تنفيذ أمر الله وحتى يخرج الجيل الجديد, الذي يُفتح على أيديه ويُمكن له!
ويدلل على هذا قول الرب العليم: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ..[البقرة : 61]", فالنبي موسى يأمرهم أن يهبطوا أي بلد فهناك سيجدون ما يشاءون, وهذا يعني أنهم يعرفون الطرق جيدا ويستطيعون الوصول, وأن التيه ليس عدم معرفة الطريق, وإنما حالة أصبحوا عليها, عوقبوا بها جزاءً على معصيتهم! أما موسى وهارون فلم ينزل بهم هذا "التوهان" ودخلوا الأرض المقدسة, غير مقاتلين وإنما ... مُلَبّين!!


رفع الجبل

من التصورات الكونية العجيبة المرتبطة ببني إسرائيل ذلك التصور القائل أن الجبل رُفع فوقهم ليقبلوا بالشرائع التي استثقلوها وأبوا النزول عليها! فلما رُفع الجبل فوقهم وظنوا أنه سيلقى عليهم قبلوا! وبغض النظر عن أنهم كانوا مكرهين, ولا إكراه على الدين, فالله لا يكره عباده على قبول شرائعه, ولا يكلفهم إلا بما يطيقون, نتوقف لنتساءل: ما هو سبب القول بهذا التصور العجيب؟!
الناظر في القرآن يجد أنه سببه هو بعض الآيات مثل قول الرب العليم: "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً [النساء : 154]", فقال المفسرون أن الجبل أصبح فوقهم, على الرغم من أن الله قد بيّن في آية أخرى, أن هذا الرفع كان نتقا!: "وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ", والنتق لا يعني الخلع والارتفاع في الهواء, وإنما هو كما جاء في لسان العرب: "النَّتْقُ: الزعزعة والهز والجَذْب والنَّفْض. ونَتَقَ الشيءَ يَنْتِقُه ويَنْتُقُه، بالضم، نَتْقاً: جذبه واقتلعه. وفي التنزيل: وإذ نَتقْنا الجبل فوقهم؛ أي زَعْزَعْناه ورفعناه، وجاء في الخبر: أَنه اقْتُلع من مكانه؛ (...) ونَتَقْتُ الشيء إذا حركته حتى يُسْفَكَ ما فيه، قال: وكان نَتْق الجبل أَنه قُطِع منه شيء على قدر عسكر موسى فأَظَلَّ عليهم، قال لهم موسى: إما أَن تقبلوا التوراة، وإما أن يسقط عليكم " ا.هـ
وكما قرءنا, فالنتق هو أصلاً بمعنى الزعزعة والتحريك –ونلاحظ الشبه بين نتق ونطق!- ولا يكون بمعنى الرفع, وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم. وكل ما ورد كلام عن التحريك ليس أكثر! والعجيب أنه وردت بعض الروايات, التي لا تصح وقالت أن الطور قُلع, فتُرك نص القرآن وأُخذ بما في هذه الآثار. والعجيب أن هذه الروايات مخالفة للتوراة كذلك! فالناظر في التوراة يجد أنها تقول أنهم استجابوا في هذا الموقف تمام الاستجابة:
"19: 3 وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلا: هكذا تقول لبيت يعقوب و تخبر بني إسرائيل 19: 4 أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلي 19: 5 فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فإن لي كل الأرض 19: 6 وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة هذه هي الكلمات التي تكلم بها بني إسرائيل 19: 7 فجاء موسى ودعا شيوخ الشعب و وضع قدامهم كل هذه الكلمات التي أوصاه بها الرب 19: 8 فأجاب جميع الشعب معا وقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل فرد موسى كلام الشعب إلى الرب 19: 9 فقال الرب لموسى ها أنا آت إليك في ظلام السحاب لكي يسمع الشعب حينما أتكلم معك فيؤمنوا بك أيضا إلى الأبد وأخبر موسى الرب بكلام الشعب 19: 10 فقال الرب لموسى: اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا وليغسلوا ثيابهم" ا.هـ فكما رأينا ليس هناك أي إشارة في التوراة للاستثقال هذه, وربما قيل هذا القول كتبرير لنتق الجبل! والناظر في القرآن يجد أنه يذكر هذه الواقعة كنعمة على بني إسرائيل, لا أنها كانت عنصر تهديد, وإنما تذكير بالميثاق الذي أخذ عليهم, وحث على التمسك به, وكان من بينه أن يؤمنوا بالرسول الخاتم إذا جاء!: "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى", فلقد كانوا في جانب الطور الأيمن, والذي تزلزل وارتجف وأحيطت به السحب, حتى ظنوا أنه واقع بهم ومبيدهم, ولكن لم يحدث شيء من هذا! إذا فليس في القرآن إشارة إلى طيران الجبال ولا إلى رفعها, وإنما كل الحديث عن النتق ... فقط!


إيذاء موسى

كثيرة هي المواقف التي ذكرها القرآن عن سيدنا موسى, والتي حولتها الروايات إلى أساطير وخرافات, ورأينا كيف أن القرآن يقول بدرر أخرى غير الغث المذكور فيها, ولو تدبر القارئ في باقي القصص لبان له عظيم الفارق بين ما يقوله القرآن وبين ما تقدمه الروايات, ونختم حديثنا عن سيدنا موسى بالإيذاء الذي برأه الله العليم منه, والذي أبت العقلية الخرافية إلا أن تجعله كذلك ... أسطورة!
وعلى الرغم من أن الله لم يقل إلا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب : 69]", ولا رائحة لآيات أو معجزات! إلا أنهم أبوا أن يجعلوا في الأمر آية له, فنجد الإمام ابن كثير يذكر في تفسيره لهذه الآيات أكثر من رأي ... ولا يرجح أي واحد منها لورودها منسوبة إلى النبي, ويعدها كلها أو غيرها تفسيرا للآية, فيقول:
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى، عليه السلام، كان رجلا حَيِيا سِتِّيرا، لا يُرَى من جلده شَيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدْرَة وإما آفة، وإن الله، عز وجل، أراد أن يُبرئَه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوما وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلمَّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَر، ثوبي حَجَر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانا أحسن ما خلق الله، عز وجل، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبَه فلبسه، وطَفقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا - قال: فذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً) . (...) عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، في قوله: (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، عليه السلام، فقال بنو إسرائيل لموسى، عليه السلام: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرَّخَم، وإن الله جعله أصم أبكم. وهكذا رواه ابن جرير، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به. ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله، عز وجل. قلت: يحتمل أن يكون الكل مرادا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم. " ا.هـ
وهكذا أصبح إيذاء بني إسرائيل لموسى أنهم قالوا أنه آدر! ولست أدري ما المشكلة أن يكون النبي آدر, ولماذا يجب أن يظهر لهم خلاف ذلك؟! ولست أدري كيف كان بنو إسرائيل يستحمون عراة ينظر بعضهم إلى بعض! والقول بالظن لا يحتاج إلى أن يُرد عليه, والرواية من أولها لآخرها عجيبة, لذلك وجدنا كثيراً من المفسرين لا يعتمدونها بمفردها كتفسير للآية, وذلك لما فيها, وإنما يذكرونها مع غيرها, وغالباً ما يرجحون غيرها, إلا أن أنصار المذهب السلفي يعتمدونها كتفسير أول, لأنها أصح الروايات سنداً! بهذا الشأن!
وهناك من أخذ بغيرها من الروايات لأنه رأى أنها أكثر اتفاقا مع الآيات, فنجد الأستاذ عبد الوهاب النجار مثلاً يقول:
"والذي أميل إليه في مسألة إيذاء بني إسرائيل موسى ما ذكره البيضاوي في تفسيره والألوسي في تفسيره وابن الأثير في تاريخه وعبارة ابن الأثير أوسع, ذلك أن موسى طلب الزكاة من قارون, فشحت نفسه بالمال, وأراد أن يكيد موسى ليرجمه, فاتفق مع امرأة أن تقول عن موسى أنه زنى بها. ولما أصبح قال لموسى: أليس من الشريعة أن الزاني يرجم؟ قال: بلى؟ قال: فإنك قد زنيت بفلانة ويجب أن تسلم نفسك لنرجمك! فلما جاءت المرأة أخبرت أن قارون لقنها أن تدعي هذه الدعوى على موسى وهو بريء منها. " ا.هـ
وأنا أرى عدم دقة هذه الرواية كذلك, وأرى أن الإيذاء المذكور هو ما قاله سيدنا موسى لقومه: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ .. [الصف : 5]", وقد عاب الله على المؤمنين في أول السورة نوعاً مخصوصاً من القول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف : 2]", وعاب عليهم في سورة الأحزاب نوعاً آخر: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً [الأحزاب : 57]", ثم قال لهم بعد أن نهاهم عن أن يكونوا مثل الذين آذوا موسى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب : 70]", فهؤلاء كانوا يتقولون على الله ورسوله أو يسبونهما أو ينسبون إليهما ما لا يليق بهما, فنهاهم الله أن يكونوا مثل الذين آذوا موسى ووصفه بأوصاف لا تمت له بصلة, على الرغم من معرفتهم أنه رسول الله! وأمرهم بتقوى الله وأن يقولوا قولا سديداً! ومن ثم فإن الإيذاء كان بأمر يتعارض مع كونه رسولاً, وليس لكونه آدر أي علاقة بالأمر, وليست مكيدة قارون هي فعل قوم حتى تنسب إليهم , وإنما هو أمر كان يصدر من كثير من بني إسرائيل وهو أنهم كانوا لا يراعون مقام الرسالة, على الرغم من أنه يجب أن تكون هناك معاملة مخصوصة مع الرسول, وهو ما أُمر به من يسيئون الأدب مع الرسول.

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 01-26-2012, 06:46 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة التاسعة والعشرون

من بعد موسى


داود عليه السلام

قلنا سابقا أن القرآن لم يفصل في ترتيب الأنبياء من بعد موسى, واختيارنا لذكر داود بعد موسى راجع إلى بداية الآيات التي قصت كيف أصبح داود عليه السلام خليفة, وهي قول الرب العليم: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ .... [البقرة : 246]", ولا يعني هذا أنه لم يكن ثمة أنبياء بين موسى وداود, فلقد صرح القرآن بوجود واحد على الأقل, وهو الذي طلب إليه الملأ الطلب السابق, وأشار بطريقة الحديث عنه إلى وجود غيره, ممن يعني وجود أنبياء بين موسى وداود, إلا أن القرآن لم يفصل بشأن هذه الأنبياء ومن ثم نغض الطرف عنهم.
والمستنبط من القرآن أن داود أوتي الملك أو الخلافة أولاً ثم نُبأ بعد ذلك, فلقد كان قتل داود لجالوت هو الطريق لأن يؤتى الملك, ثم أصبح الحديث بعد ذلك عنه باعتباره الخليفة النبي: "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ...[البقرة : 251]"
ولقد اشتهر سيدنا داود بأنه صاحب المزامير –كما قالت التوراة- ويرى كثيرٌ من المسلمين أن هذه المزاميز هي الزبور الذي أوتيه داود عليه السلام: "وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [الإسراء : 55]", ولقد بيّنا سابقا أن محتوى الزبور لا يتفق مع محتوى المزامير, وأن سيدنا داود ليس الوحيد الذي أوتي زبورا, وإنما كان واحداً من الذين أوتوا زبراً!
وذُكر سيدنا داود مرتبطا بسيدنا سليمان في عدد من الآيات, ويتفهم القارئ هذا الربط باعتبار سليمان ابن داود, إلا أن القرآن لم يصرح بهذه البنوة في آية واحدة, نعم هذا ما يُفهم من الآيات, إلا أنه لا دليل مباشر على هذا, وأقوى الأدلة على هذه البنوة هي قول الرب العليم: "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 30]", وقوله: " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ... [النمل : 16]"
ويتساءل المرء عن علة عدم ذكر هذا؟! أيكون في هذا إشارة إلى أن سليمان لم يكن ابن داود, وإنما كان الحاكم التالي له؟! الله أعلم, وقد يكون القرآن لم يذكرها لأنها من الأمور المشتهرة, ولكنها على أي حال من النقاط التي ينبغي التوقف معها, مثلها مثل عدم ذكر القرآن في آية واحدة أن موسى أوتي التوراة, وإنما تأكيده المستمر أنه أوتي "الكتاب"! فهل التوراة شيء أعم وأشمل من كتاب موسى أو لاحق له؟! الله أعلم.
والناظر فيما قصه القرآن عن سيدنا داود يجد أنه لم يذكر له دعوة, وإنما قال أنه أوتي الملك والحكمة, واللذان استخدمها لا محالة في الدعوة إلى الله, إلا أن الله لم يعرض لجانب الدعوة في حياة داود كنبي, وإنما تحدث عن جانب الملك. والنبي داود عليه السلام لم يكن نبياً إلى قوم مشركين وإنما كان نبيٌ في جماعة مسلمة, ومن ثم فلم يكن مع داود "آية" وإنما أوتي "زبورا". إلا أن هذا لا يعني أنه لم يدع غير الإسرائيليين إلى عبادة الله وترْك ما هم عليه من الضلال, فحتماً فعل هذا, إلا أن القرآن لم يسجل أي إشارة إلى تلك الدعوة الملكية!
ولقد ذكر الله الملك أنه أنعم على داود بنعم كثيرة, فلقد كانت الجبال تؤب معه وألان الله له الحديد: "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ : 10]", وكذلك الطير كانت محشورة له: " إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص :18- 20]".
ونلاحظ أن الجبال سخرت مع سيدنا داود, ولم تسخر له, فالجبال, والتي هي رمز الصلابة والغلظة والتي هي أوتاد الأرض, والطير كن يسبحن مع سيدنا داود ويأوبن معه, والتأويب هو الرجوع, كما جاء في لسان العرب: "الأَوْبُ: الرُّجُوعُ. آبَ إِلى الشيءِ: رَجَعَ، (...) وفي حديث النبي، صلى اللّه عليه وسلم: أَنه كان إِذا أَقْبَلَ من سَفَر قال: آيِبُونَ تائِبُون، لربنا حامِدُونَ، وهو جمع سلامة لآيب. وفي التنزيل العزيز: "وإِنّ له عندنا لَزُلْفَى وحُسْنَ مآب" أَي حُسْنَ الـمَرجِعِ الذي يَصِيرُ إِليه في الآخرة. قال شمر: كُلُّ شيء رجَعَ إِلى مَكانِه فقد آبَ يَؤُوبُ إِياباً إِذا رَجَع. أَبو عُبَيْدةَ: هو سريع الأَوْبَةِ أي الرُّجُوعِ. " ا.هـ
فلقد كان سيدنا داود كثير الرجوع إلى الله عز وجل, وكثير الذكر له لتعلقه به, فكلما انشغل عنه بأي شغل, يقطع نفسه عنه ويهرع إلى العبادة. ولقد قال السادة المفسرون أن تأويب الجبال والطير كان بالتسبيح مع سيدنا داود الأواب, وكذلك كل جبل وطير كان أواب لسيدنا داود عليه السلام! فكيف يكون هذا التأويب؟! قد يتصور القارئ حدوث التأويب, أي الرجوع, من الطير, فهي تسبح في السماء ثم تأوب إليه, عندما يُأوب فتُحشر له, أما كيف تئوب الجبال وهي لا تتحرك؟ فنقول: الذي نعرفه أن الجبال ليست ثابتة وإنما راسية, والرسو هو ما نعرفه للسفن من ثبات على سائل, مع وجود حركة بسيطة! وهذا ما كانت الجبال تفعله, فلقد كانت –والله أعلم- تتفاعل مع تسبيح سيدنا داود عليه السلام حتى أنها كانت تتحرك هذه الحركات البسيطة, وبذلك كانت الجبال مثل الطير أواب, ولكن في حدود ضيقة! أما فائدة حشر الطير لسيدنا داود عليه السلام, فهي أنها بمثابة سلاح لم يتوفر لغيره أو لأحد قبله, وهو السلاح الجوي, وتصور أن جيشا كاملا من الطيور يهجم مع جيش على آخر, فلقد كان هذا السلاح نقطة تفوق كبيرة لسيدنا داود عليه السلام, وسليمان من بعده, والذي أُمد بأسلحة أخرى!


داود والخصم المتسورون.
لقد قص القرآن عدداً من المواقف لداود عليه السلام, وأشهر هذه المواقف هي حاله مع الخصم الذين تسوروا المحراب. وهذه القصة أصبحت نموذجاً مشهوراً للإسرائيليات, فلا يكاد يخل حديث عن الإسرائيليات من الإشارة إلى هذه القصة, وكيف أنها شوهت المذكور من الرب. ونحن إذ نذكرها فإننا نذكرها كنموذج لقبول الإسرائيليات على الرغم من الاختلاف الشاسع بينها وبين النص, وكذلك كنموذج لفرار المتعامل من النص مما يقول وتجنبه والقول بما لم يقل!
وردت هذه القصة الشهيرة في آيتين في سورة ص, وهما قوله جل وعلا:
"وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص : 21, 22]"
والآيات صريحة في حديثها عن خصمٍ وتسورٍ وسؤال, إلا أن الروايات وجدت في المذكور تشابهاً مع ما جاء في التوراة بشأن أوريا وزوجه, فقالت بما جاء في التوراة, وقُدم كتفسير للنص, وملخص هذه التُرّهات أن سيدنا داود عليه السلام كان متزوجا بتسع وتسعين امرأة! ثم رأى امرأة وهي تستحم! فاشتهاها فزنى بها! وفي بعض الروايات أنه لم يزن بها ولكنه سأل عن زوجها فعلم أنه في الجيش فوضعه في مقدمة الجيش وكان يغلب على من يكون في المقدمة أن يقتل, أو أمر الجيش بأن يتأخر عنه ويترك وسط الأعداء ليقتل, وفعل هذا لكي يتزوجها, ومن هذه الزيجة/الزنية جاء سليمان عليه السلام! فجاءه هذان الملاكان في صورة هذين الشخصين ليمتحناه وليبينا له قبح فعله. ولقد لاقت هذه الرواية انتشاراً كبيراً بين العوام, لما فيها من تشويق وإثارة! ويبدو أن هذه القصة قد تسللت مبكراً إلى المسلمين, حتى أنه ورد الخبر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: "من حدث بحديث داود كما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة".
فإذا نظرنا في الآيات وجدناها تسأل النبي (ص) -وكل المؤمنين- هل وصل إلى علمك نبأ "الخصم"؟ وكلمة "الخصم" أصل في وجود خصومة, إلا أن الرواية ألغتها, وقالت أنهما لم يكونا خصمين وإنما ملاكان! ولا يكتفي النص بالقول أنهما كانا خصمين, وإنما يوضح أنها كانت خصومة بين جماعتين وليس فردين: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص : 21]", وقال "... خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ..[ص: 22]", ثم يبين بما لا يدع مجالا للشك أنهما كانا خصمين بشريين عاديين بقوله "إذ تسوروا المحراب", فعندما جاء الخصم إلى محراب سيدنا داود ووجدوه مغلقا "تسوروا" أي صعدوا على السور لكي يدخلوا إلى سيدنا داود ويعرضوا مسألتهم عليه, فلو كان الخصم اثنين من الملائكة فلِما تسوروا المحراب وكان يمكنهما أن يظهرا أمامه مباشرة؟! ثم إنهم دخلوا على داود ولم يظهروا أمامه! ثم عرضوا مسألتهم والتي هي على أقوال القصاصين غير حقيقة ولم تقع أساسا وإنما هي افتراضات! أي أنهم لم يبغوا على بعض ولم يكن لأحدهما تسع وتسعون نعجة ولا لآخر نعجة واحدة! ولم يطلب هذا إلى ذاك ضم نعجته إلى نعاجه!!
إذا وكما رأينا فالآيات صريحة في حقيقة هذه الخصومة.
وعلى الرغم من كل هذه الأدلة المباشرة, إلا أن المفسرين لمّا وجدوا أن الله يقول أن سيدنا داود ظن أنما فتناه واستغفر, استنتجوا أنه فعل شيئاً, ومن ثم قبلوا الروايات الإسرائيلية! ولما كنت من الرافضين لهذه الإسرائيلية كنت أتساءل: لماذا استغفر داود ربه, ولماذا قيل له: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ..[ص : 26]"؟!
وكنت أحاول أن أوجد لها بعض التبريرات, مثل أن داود تسرع في الحكم, فلقد حكم داود عليه السلام دون أن يسمع من الآخر, وكان عليه أن يسمع من الطرفين قبل أن يصدر الحكم, أو لأنه احتجب منهم حتى اضطرهم للتسور! أو لأنه فزع منهم وهذا ما لا يليق بمقام النبوة. وكلها أقوال وتبريرات تبعد عن الافتراض المنطقي في مثل هذه الحالات, فعندما يُنهى إنسان عن إتباع الهوى, فهذا يعني أنه قد اتبعه! ومن ثم فلا مانع أبداً أن يكون الرب المطلع على ما في الصدور قد علم أن داود عليه السلام داخله الهوى في الحكم, والله أعلم لماذا خالطه الهوى ولكن داود كان الأدرى بحاله فاستغفر, والرب نهاه عن إتباع الهوى وأمره بالحكم بالحق, ومن ثم فقد خالطه الهوى حتما! والفارق بيننا وبينه أنه كنبي ما أن شعر بهذا الهوى حتى استغفر ربه مباشرة وخر راكعا وأناب!


داود والصافنات

من القصص التي اشتهرت في حق سيدنا سليمان قصته مع الخيل والتي جاءت في قوله سبحانه: "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ(34)"
والتي قال المفسرون فيها أن سيدنا سليمان أجرى الخيل بالعشي, فلما شغلته متابعةُ الخيل عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب, أمر سيدنا سليمان بأن ترد عليه فأخذ يقطع سوقها وأعناقها أسفاً على فوت الفريضة. وعلى الرغم من أن هذا القول مخالف لظاهر الآيات, فليس فيه أي إشارة إلى ذبح إلا أن كثيراً من المفسرين دافعوا عن هذا الرأي واعتبروه هو التفسير المعتمد, ورفضوا القول بأن المراد من المسح هو المسح! ولست أدري لماذا لم يقولوا بهذا القول كذلك في آية الوضوء, فيكون الواجب على الإنسان أن يقطع رأسه كلما قام إلى الصلاة!! ولقد أجاد الإمام الرازي في الرد على هذه الأقوال العجيبة, فقال:
"إن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب" وأن الكفار لما بلغوا من السفاهة إلى هذا الحد قال تعالى لسيدنا محمد: "اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود" ثم ذكر قصة داود ثم ذكر عقبها قصة سليمان, وهذا الكلام لا يكون لائقا إلا إذا كان سليمان قد أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وإعراض عن الشهوات فلو كان المقصود من القصة أنه أقدم على الكبائر العظيمة لم يكن ذكر القصة لائقا بهذا الموضع ويكون التفسير الموافق للسياق والله أعلم, أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد صلى الله عليه وسلم, ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي، ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه, فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور, الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقاً مطابقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات، وأقول: أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة. " ا.هـ
وقول الإمام الفخر الرازي جيد مقبول, لأنه لا يخالف الآيات ولا يضيف عليها, فلا يفترض أن التي غابت هي الشمس وإنما المذكور وهي الصافنات, ولا أن المسح بمعنى القطع, إلا أنه يؤخذ عليه وعلى كل المفسرين أنهم جعلوا الآيات في سيدنا سليمان عليه السلام, بينما هي في داود عليه السلام, ولقد أجاد الإمام الفخر في إبانة اتصال الآيات بما قبلها, إلا أنه تحول بلا مبرر وجعلها في سليمان, وربطه الآيات ببعضها يُظهر ويؤكد أن تكون في داود وليس سليمان. وسبب قولهم بهذا هو أن الرب العليم قال: "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ", فقالوا أن المراد من العبد الأواب هو سليمان عليه السلام, ومن ثم فإن الحديث في الآيات التالية عنه! على الرغم من أن الله تعالى قد نعت داود في آية سابقة بأنه أواب, والأهم أن الله تعالى قال بعد أن قص هذه الحادثة: "وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ(34)", ولو كان الفاعل فيها هو سليمان لقال الله: "ولقد فتناه وألقينا .." ولكن لما كان الفاعل مختلفا ميّزه الله بالاسم, ولو كان سليمان هو الفاعل في الواقعة السابقة لعرّف الله به بما لا يدع مجالاً للشك, وبما أن الله لم يذكر اسما في الآيات السابقة فإنها تنسحب على المذكور السابق وهو داود!

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::