العودة   Amrallah > أحسن القصص
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 01-26-2012, 05:50 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي كتابي: قصص القرآن, القراءة القرآنية الأولى


بسم الله الرحمن الرحيم
نظرا لتأخر صدوره كثيرا بسبب الثورة المصرية المؤيدة ولأحداث تلتها, نقدم للقارئ الكريم في هذا الموضوع كتابنا: قصص القرآن, القراءة القرآنية الأولى, على هيئة حلقات!
وللأسف الشديد لن تظهر الهوامش في هذه الحلقات والتي تحتوي إضافات وتوجيهات لبعض المذكور في الموضوعات!
وحتى لا ينقطع التسلسل لن يُسمح بإضافة أي أسئلة أو تعليقات في داخل هذا الموضوع, وإنما سننشأ بإذن الله موضوعا آخر للنقاش حول ما جاء في هذا الموضوع!
وحتى يكون العرض محددا سنجعل كل مشاركة حلقة ونرقمها!
فمن أراد الاستفسار أو الاعتراض على ما جاء في المشاركة الرابعة عشر, يقول مثلاً: اعتراض أو استفسار على مسألة في الحلقة الرابعة عشر وهكذا!

ونعتذر مقدما ممن سيضعون مشاركات في هذا الموضوع لأننا سنضطر لمحو مشاركاتهم تلقائيا ونطلب إليهم مقدما ألا يضطرونا لهذا!


ونقدم للقارئ الكريم هنا مقدمة الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الحمد لله الرب السميع المجيب القريب .... أحمده حمد الشاكرين الراضين, وألجأ إليه لجوء الراغبين الخاضعين, وأتوكل عليه توكل المؤمنين المنيبين, وأثني عليه ثناء الذاكرين المحبين ... سبحانه... نعم المولى المعين! أرسل الرسل وأنزل الكتب ليخرج الناس من الظلمات إلى نور الحق المبين! فصلّ اللهم عليهم وعلى من اقتدى بهديهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين, ثم أما بعد:
ليلاً ونهاراً يُتلى القرآن في بلاد المسلمين, وفي غير بلادهم, وإلى جُل ألسنة البشر تُرجم الكتاب العزيز, وعلى الرغم من ذلك فإن الحال التي ذكر القرآن شكوى الرسول إياها لا تزال هي السائدة! "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان: 30]", فحتى يومنا هذا لا يزال القرآن مهجورا.
نعم, كثُر ولله الحمد من يتلوه ومن يسمعه, ولكن لا يزال من يتبعونه ويستمعون إليه قلة! وأقل هم من يتلونه حق تلاوته, فيتدبرونه ويستخرجون منه منهاج حياتهم بتعرفهم على كلمة ربهم!!
وليس الهجر لكل أقسام القرآن بنفس الدرجة, فهناك ما له وجود وتأثير في حياتنا, مثل ما يتعلق بالإيمانيات "العقيدة", والذي أخذناه توارثاً وليس تعلماً من كلام ربنا, وهناك ما لا يظهر تأثيره جلياً في حياتنا, مثل الجزء المتعلق بأحكام المعاملات, إلا أنه ثمة كثيرون يجاهدون من أجل تطبيقه في واقعنا, لصبغة المجتمع بصبغة إسلامية صحيحة, وهي لن تتحقق إذا كانت أحكام الشريعة مغيبة, وأحكام الغرب, ذي المرجعية المختلفة, هي السائدة!!
وهناك ما لم يعد له وجود أو أثرٌ مذكور في حياتنا, وهجره كثيرٌ من المسلمين, سواء أرباب الثقافة أو معدوموها, فما عادوا يلقون له بالاً, بل وأصبحوا يستثقلون سماعه أو الحديث عنه, وذلك لظنهم أن محتواه لم يعد مناسباً لخطاب إنسان هذا العصر, وأنه غير ذي جدوى بالنسبة لمجتمعاتنا!!
والنموذج الأبرز لهذا الجزء المهمل هو "قصص القرآن"! فعلى الرغم من كثرة الكتابات المنتشرة حوله, إلا أن كثيراً من القرّاء يعدها كتابات خفيفة, تُقدَّم إلى الشباب والأطفال من أجل استخراج العبرة والعظة, ولتكوين ثقافة إسلامية عامة! ومن ثم فلا يقدم على اقتناءها, ظناً منه أنها غير مناسبة له في هذه المرحلة الفكرية أو الثقافية التي وصلها, فما هي إلا "قصص"!! ناهيك عن ظنه أنه قد عرف مضمون ومحتوى هذه القصص, ومن ثم فلن تقدم له هذه الكتابات أي جديد!
يضاف إلى الأسباب التي دفعت –وتدفع- الكثيرين إلى الأعراض عن "قصص القرآن" الظن بأن هذه القصص تحكي تجارب وأحداث غير التي نعايشها!! وذلك بسبب الصبغة اللاعقلانية التي قدمها السابقون عند معالجتهم لهذه القصص, والتي جعلت الطابع الظاهر لهذه القصص ولذلك الزمان هو "المعجزات"! والتي تحدث بوفرة, تجعل الإنسان يتحسر على زماننا هذا والذي لم تعد "المعجزات" تحدث فيه بأي شكل من الأشكال, ومن ثم يُخرج هذه القصص من معادلاته في تعامله مع واقعه, فسبل النجاة فيها لن توجد في هذا العصر, ومن ثم فعليه إيجاد تصورات خاصة به صالحة لزمانه!!وهناك من جعلته هذه "المعجزات" الغامرة الوفيرة لا يتجنب هذه القصص أو يهجرها, وإنما يشك في حدوثها أصلا, فإذا كانت "المعجزات" تحدث بقدر ما, فلم لم يعد لها أي وجود؟!! فالأسباب الداعية لوجودها في زماننا هذا هي مثل أو أقوى من تلك التي وُجدت من أجلها في ذلك الزمان!! ومن ثم يحكم على هذه القصص -والكتاب الذي يحتويها تبعا- بالخرافة!!
إلا أن "المعجزات" لا تمثل أي إشكالية عند طائفة كبيرة من المسلمين, ولا تثير لديهم أي تساؤلات, بينما يدفعهم سكوت التاريخ عن قصص القرآن للتساؤل والتفكر, فالملاحظ أن القرآن يتحدث عن وقائع وشخصيات لا يجد المرء لها ذكرا في الآثار ولا مدونات التاريخ! بل يشعر القارئ أنها خارجة عن الزمان والمكان, ومن ثم يتساءل: أين وكيف ومتى وُجدت هذه الشخصيات وحدثت هذه الوقائع؟! ثم ينهي الأكثرون هذه التساؤلات المحيرة بالحكم أن هذه الأحداث قد وقعت في مكان ما وزمان ما, ولسبب ما لم يذكرها التاريخ, ثم يتجنبون الخوض في هذه الأسئلة التي لا يجدون لها إجابة مقنعة, ويعرضون –بلا وعي- عن القصص الذي أثارها! ولهذه الأسباب, ولغيرها, وجدنا كثيراً من المسلمين –في عصرنا الحديث- يهجرون القرآن عموما, وقصصه بشكل مخصوص وبدرجة ملحوظة.
ولا يعني هذا أن هجر القرآن مسألة حديثة, نشأت لأن الاكتشافات العلمية أو التاريخية قد أوجدت إشكاليات بالنسبة للنص القرآني, وإنما هو رد فعل قديم, نشأ مع القول بمنهج غير صحيح في التعامل مع القرآن, وهو القول بحاجة القرآن إلى "التفسير", والذي جعل القرآن نصاً غير مبين يحتاج إلى إبانة, وهكذا أصبح القرآن خاضعا للمفسرين, يوجهه كلٌ منهم كما يبدو له, بدلاً من أن يخضع له!! ومع خضوع القرآن ل "مباضع المفسرين" وبجعله تابعا لغيره من الكتب, بدلاً من أن يكون مهيمناً عليها, لم يعد القرآن مؤثراً كما كان سابقاً! ولقد عرضنا لهذه الأسباب, والتي أدت إلى هجر القرآن في كتابنا الأول "لماذا فسروا القرآن: القرآن بين التفسير والهجران" , وقدمنا تصورنا للمنهج القويم الذي ينبغي أن يُتعامل به مع كتاب الله العليم, وعرضنا فيه لقصص القرآن كذلك!
وفي كتابنا هذا نتوقف مجددا مع "قصص القرآن" متناولين إياه باستفاضة وبتفصيل أكبر, لنظهر كيف أنه قد ظُلم ظلماً بيناً أكثر من غيره من محاور القرآن, فلم يقتصر الأمر على الصبغة الخرافية التي صبغه السابقون بها, وذلك لأنهم لم يقولوا بما يقول به القرآن, إما لخطئهم في تفسيره, أو لقولهم بما جاءت به الإسرائيليات!! -وسيذهل القارئ الكريم أثناء قراءته لهذا الكتاب من كمّ المخالفات الكبير, الذي ابتعد فيه المفسرون عن النص القرآني!! لدرجة تجعل المرء أحيانا يظن أنهم يتحدثون عن قصص غير الوارد في النص القرآني!!-
وإنما تعدى الجور إلى جوانب كثيرة, أهمها أن المعاصرين الذين كتبوا عن قصص القرآن, كنوعية محددة من آيات الذكر الحكيم, لم يحاولوا أن يستخرجوا تأصيلاً قرآنياً له! وإنما اعتمدوا ما قاله القرآن أحياناً وأضافوا تصورات من عند أنفسهم, متأثرين بالتفسيرات التي قدمها السابقون, والتي أخذوها بدون فحص وتمحيص كافيين للتأكد من موافقتها القرآن من عدمه, ومن ثم خرجوا باستنتاجات خاطئة تماما, وقالوا بمعان وأهداف لم يلق لها القرآن بالاً ولم يعرض لها أصلاً!! كما تسببوا في ظهور إشكاليات, أخذوا يحاولون القضاء عليها!
لذا نعرض لقصص القرآن قاعدين منه مقعد المتعلم الطالب, نستخرج منه جميع أركانه وموضوعاته, لنبين أن قصص القرآن –والقرآن كذلك- لا يحتاج أن يضيف المتعامل معه من عند نفسه, وإنما عليه أن يستخرج ما فيه, بشرط الالتزام بما قال, وفهمه كما قال, عارضين بالنقد للقواعد والتعريفات التي قدمها الآخرون بلا مستند من كتاب الله, مبينين كيف أن فهم كلام الله على غير ما قال يؤدي إلى إنشاء صرح كبيرٍ من الوهم لا أساس له, يُنسب زوراً إلى الله.
ولا يقتصر النقد على القواعد وإنما يتعداه إلى كيفية عرض قصص القرآن! فنبين أن التعامل المألوف القائم على تجميع قصص القرآن وتقديمه كقصص, منهج غير صحيح, ونقدم الطريقة التي ينبغي بها عرض قصص القرآن!
وبعد تقديمنا التأصيل القرآني للقصص نعرض القصص القرآني بشكل لا يعتمد السرد المألوف المتتبع للأحداث بالترتيب, وإنما بطريقة قريبة من تلك التي قص بها القرآن, فنتحدث مثلاً عن الرسول مركزين على الأحداث التي وقعت منه وله, ثم قد نعرض له مرة أخرى مُركزين على شخصيته, وهكذا! وسيكون محور عرضنا للقصص من هذه الزوايا هو التركيز على محاوره الأساسية, مثل الحدث, والذي يمثل منهج الدعوة والإقناع أبرز معالمه بالنسبة للأنبياء, وكذلك الشخصية, ثم الطبيعة والمكان! ونهدف بهذا إلى غايتين اثنتين: أولهما تقديم ما قاله القرآن, وثانيهما نقض دعوى أخذ القرآن من الكتب السابقة, بحيث يظهر للقارئ البون الشاسع بين القصص القرآني وغيره, ومن ثم يجزم بأن القول بأن القرآن أخذ بأي شكل من التوراة أو الإنجيل ضرب من الخبل!
وإجمالاً نقول: استناداً إلى منهجنا, الذي يقوم على الالتزام بالنص القرآني التزاما تاماً, يرمي هذا الكتاب إلى تعديل المنظور الذي ينظر منه وبه عامة المسلمين إلى قصص القرآن .. وإلى القرآن كله, والذي سيؤدي تباعاً إلى عودة قصص القرآن إلى مكانته المفترضة في عقول المسلمين وقلوبهم .... ومن ثم ظهور آثاره في حياتهم! وذلك كنتيجة منطقية لسقوط أكثر الشبهات والاعتراضات التي تسبب المفسرون في وجودها!! والتي كانت تحجبه عنهم وتحجبهم عنه!
ندعو الله أن يجعله خالصا لوجهه الكريم, وأن يعيننا على إخراجه في أفضل صورة, وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم. العبد الفقير إلى عفو ربه: عمرو الشاعر.

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-26-2012, 05:52 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الأولى

تمهيد:
قديما قال الأصوليون "الحكم على الشيء فرع عن تصوره", فإذا كان تصور الإنسان للشيء غير صحيح أو دقيقٍ, فمن البديهي أن الحكم الذي سيخرج به سيتراوح بين النقص والبهتان! فإذا نظرنا في التصورات المقدمة لقصص القرآن, والمعالجات التي تتخذه موضوعا لها, وجدنا أن جلها –إن لم يكن كلها- لم يخضع للقرآن في تصوره ولا في عرضه, بدءً من كتابات السابقين الذين عرضوا قصص القرآن كمجموعة من القصص, وانتهاءً بكتابات المحدثين, والتي يجذب كلٌ منها قصص القرآن إلى مجال تخصصه, ويقدمها على الهيئة التي عرفها وأتقنها.
والناظر في المكتبة الإسلامية يجد أن هناك الكثير من الكتب التي تتحدث عن قصص القرآن أو عن قصص الأنبياء خاصة, وهناك من أفرد الحديث عن "قصة" معينة من قصص القرآن, أو عن "القصة" في القرآن كلون من ألوان الأدب, وهناك من قدّم قصص القرآن للأطفال, وهناك من قارن بين الأحداث المذكورة في القرآن وطريقة عرض القرآن ل "القصة" وبين المذكور في الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل .... الخ أشكال المعالجات.
ويعيب هذه المعالجات المختلفة, أنها اتخذت "التأصيل" الذي قدّمه السابقون منطلقاً لهم, فلم ينظر جلهم فيه ليتثبتوا صحته, وإنما اكتفوا بالتأكيد عليه, وبإعادة صياغته, ثم الانطلاق في الطريق الذي يختاره كلٌ منهم لتناول القصص!
لذا سنتوقف في هذا الباب مع التصورات والتعريفات التي يُمهد بها للحديث عن قصص القرآن, ننظر هل أتت على وجه الإحكام, أم أنها قد جانبها الصواب أو الدقة في بعض الأحيان, محاولين أن نقدم "تأصيلاً" أكثر صلابة, يخلو من نقاط الضعف, ومن أوجه الاختلاف, ويبرز قدر المستطاع الجوانب التي غفل السابقون عن معالجتها أو الإشارة إليها أثناء عرضهم (ل) قصص القرآن.


إشكالية المصطلح المعاصر
تعد إشكالية استخدام المصطلح في عصرنا الحديث من أبرز الإشكاليات التي يقابلها جل المتعاملين مع النص القرآني, لأنها تتطلب تمكناً لغويا من الباحث, يجعله قادراً على الفصل بين الاستعمال العربي القديم للكلمة والاستعمال القرآني لها, وبين المعاني التي طرأت لها بعد العهد النبوي وبين الاستعمال الاصطلاحي لها, الطارئ في عصرنا الحديث, والمستخدم في ثقافتنا المعاصرة! وقليلٌ هم من يفلحون في التملص من ربقة محاولة إسقاط المدلول الاصطلاحي على الكلمة القرآنية, أما الأكثرون فيجهدون أنفسهم من أجل إثبات أنه من الممكن قبول هذا المعنى مع القرآن, وأنه من أوجه "الإعجاز" البلاغي البياني للقرآن! وتظهر هذه الإشكالية كأبرز ما يكون في كتابات أرباب "الإعجاز" العلمي في القرآن, والذين غالباً ما يكونون من المتخصصين في المجالات العلمية, بينما يعانون من عجز حاد قبالة اللسان العربي, ومن ثم يأتون بالعجائب, التي تُشمت الأعداء وتضحكهم, وتقدم لهم مطاعن جاهزة في الكتاب العزيز!!
ولا تقتصر هذه الإشكالية على أفراد طائفة بعينها وإنما تلقي بظلالها على كل أفراد المجتمع الحديث, والذين دأبوا على استعمال كلمة بمدلول محدد, حيث يظل هذا التصور أو بعضاً منه مرافقا لهذه الكلمة في مؤخرة عقولهم أثناء تعاملهم مع الكلمة!! ونضرب لذلك مثلا بكلمة "أسطورة/أساطير", والتي هي من الكلمات كثيرة الاستعمال في المجال الأدبي بل وفي الحياة اليومية. فإذا نظرنا في تعريفات أهل الاختصاص لها, وجدنا أنهم لم يختلفوا عن العوام بشأنها, فقسموها إلى أنواع وأصناف عدة, وقدموا لكل صنف تعريف باعتبار المنظور الذي يُنظر به إليها, حتى أننا نجد أن الدكتور كارم محمود عزيز يسود في كتابه "أساطير العالم القديم" قرابة الخمس عشرة صفحة حول تعريفات الأسطورة! فيقدم لها تعريفات بالنظر إلى أصلها وبالنظر إلى مضمونها وبالنظر إلى سماتها وبالنظر إلى وظائفها!! مؤكداً أنه من الصعب تقديم تعريفٍ محدد للأسطورة, ويقدم لهذه التعريفات كلها بمقولة سانت أوغسطين: "إنني اعرف جيداً ما هي الأسطورة بشرط ألاّ يسألني أحد عنها، ولكن إذا ما سُئلت، وأردت الجواب، فسوف يعتريني التلكؤ " ا.هـ
إلا أننا –كغير متخصصين- نفهم أن المقصود بالأسطورة هو قصة تحكي أحداثا غير معقولة (خرافية) من المفترض أنها حصلت في الأزمنة الغابرة. فهل استعمل القرآن الكلمة بهذا المعنى؟! القارئ لعامة الكاتبين حول الكلمة يجد أنهم يؤيدون هذا القول, وذلك لأنهم وجدوا هذا المعنى في المعاجم اللغوية, فمما ذكره ابن فارس حول الكلمة: "أمَّا الأساطير فكأنها أشياءُ كُتبت من الباطل فصار ذلك اسماً لها، مخصوصاً بها. يقال سَطَّر فلانٌ علينا تسطيراً، إذا جاء بالأباطيل. " ا.هـ
والسؤال هنا: هل ما قاله ابن فارس يتفق مع ما ذكره القرآن؟ إذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه لا يؤيدهم فيما يقولون به, فأول ما يلحظه الناظر أن كلمة "أسطورة" لم تأت مفردة في الكتاب, وإنما أتت في تسع مواطن جمعاً ومضافة إلى "الأولين", فإذا نظرنا في هذه المواطن وجدنا الرب يقول حاكيا قول الكافرين:
"... حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأنعام: 25]", "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ [الأنفال: 31]", "وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [النحل: 24]", "لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المؤمنون: 83]", "وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان : 5]"
والتخصيص بالإضافة إلى "الأولين" هو من أجل تمييزها عن "أساطير الآخرين", والأساطير جمع أسطورة, وهي الشيء المسطور, ولقد رمى المشركون الرسول بأنه كان يكتتب هذه الأساطير, فهم كانوا يريدون القول أن محمد وجد كتبا من كتب السابقين وهو ينقل عنها, فهم لا يعيبون في المحتوى ولا يرمونه بالباطل أو الخرافة ولا أنه مجموعة أكاذيب, وإنما ينفون عنه الأصالة, ويقولون أن هذا ليس بالجديد وإنما هو مأخوذ من كتابات السابقين الأولين! لهذا جاءت الكلمة مضافة دوما إلى "الأولين" ولو كان المراد من الأساطير الخرافة لرد الله مبيناً أنه لا تشابه بين الاثنين, فشتان الفارق بينهما, وهذا ما لم نجده وإنما وجدنا الرد يقول أنه ليس من عند محمد ولا غيره " قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً [الفرقان : 6]", فالقرآن كتاب أصيل من عند رب العالمين!
إذا وكما رأينا فالقرآن استعمل الكلمة بالمعنى الأصلي لها وهو "الكتابات المسطورة" ثم جاء اللاحقون فأسقطوا عليها معنى إضافياً ارتبط بها وأصبح هو الفهم المعتمد للمفردة القرآنية!! وكذلك لاقت الكلمة الرئيسة لموضوعنا "قصص" معاملة لا تليق بها ولا تتناسب مع محتواها, وذلك لأن الإنسان المعاصر فهم "القَصص" على أنه جمع قِصة, والقصة عمل أدبي, يختلف تصوره من شخص لآخر, إلا أنه يكاد ينحصر في عقول القراء في نقطتين: أنه عمل خيالي, فإن لم يكن خياليا, فهو عمل للعبرة والعظة أو ... الترفيه!! وعلى الرغم من أن القرآن لم يستعمل كلمة "قِصص" وإنما "قَصص", وكذلك لم يستعمل كلمة "قصة" قط, فإن ظلال ومتتبعات هذه الكلمة ستظل عالقة بذهن القارئ, حيث سينظر إلى قصص القرآن كما ينظر إلى أنماط القصص الأدبي, ثم يبدأ في تقسيمه إلى "القصة والرواية والحكاية والأقصوصة" والتعامل معه على هذا الأساس!! وعلى الرغم من أن القرآن نص سابق لهذه التقسيمات, إلا أنه يُفترض فيه أنه نص مطلق, فهل يمكن قبول هذه التصورات بشأنه؟!

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-26-2012, 05:53 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثانية

القـص
إذا أردنا أن نستخرج أدق تصور للكلمة, نرجع إلى المرجعين الأمينين: اللسان العربي والبيان القرآني, لننظر كيف جاءت الكلمة فيهما:
"القصص" مأخوذ من "القص", فما هو القص؟! إذا نظرنا في معجم "لسان العرب" لابن منظور, وجدنا أنه قد ذكر معان عدة للقص ومشتقاته, من أهمها: "قَصَّ الشعر والصوف والظفر يقُصُّه قَصّاً وقَصّصَه وقَصّاه على التحويل: قَطعَه. (....) والقَصُّ: أَخذ الشعر بالمِقَصّ، وأَصل القَصِّ القَطْعُ. يقال: قصَصْت ما بينهما أَي قطعت. والمِقَصُّ: ما قصَصْت به أَي قطعت. قال أَبو منصور: القِصاص في الجِراح مأْخوذ من هذا إِذا اقْتُصَّ له منه بِجِرحِه مثلَ جَرْحِه إِيّاه أَو قتْله به. الليث: القَصُّ فعل القاصّ إِذا قَصَّ القِصَصَ، والقصّة معروفة.
ويقال: في رأْسه قِصّةٌ يعني الجملة من الكلام، ونحوُه قوله تعالى: نحن نَقُصُّ عليك أَحسنَ القصص؛ أَي نُبَيّن لك أَحسن البيان. والقاصّ: الذي يأْتي بالقِصّة من فَصِّها. ويقال: قَصَصْت الشيء إِذا تتبّعْت أَثره شيئاً بعد شيء؛ (....) القِصّة: الخبر وهو القَصَصُ. وقصّ عليّ خبَره يقُصُّه قَصّاً وقَصَصاً: أَوْرَدَه. والقَصَصُ الخبرُ المَقْصوص، بالفتح، وضع موضع المصدر حتى صار أَغْلَبَ عليه. والقِصَص، بكسر القاف: جمع القِصّة التي تكتب. وفي حديث غَسْل دَمِ الحيض: فتقُصُّه بريقها أَي تعَضُّ موضعه من الثوب بأَسْنانها وريقها ليذهب أَثره كأَنه من القَصّ القطع أَو تتبُّع الأَثر؛ ومنه الحديث: فجاء واقْتصّ أَثَرَ الدم. وتقَصّصَ كلامَه: حَفِظَه. وتقَصّصَ الخبر: تتبّعه. والقِصّة: الأَمرُ والحديثُ. واقْتَصَصْت الحديث: رَوَيْته على وجهه، وقَصَّ عليه الخبَرَ قصصاً. وفي حديث الرؤيا: لا تقُصَّها إِلا على وادٍّ. يقال: قَصَصْت الرؤيا على فلان إِذا أَخبرته بها، أَقُصُّها قَصّاً. والقَصُّ: البيان، والقَصَصُ، بالفتح: الاسم. والقاصُّ: الذي يأْتي بالقِصّة على وجهها كأَنه يَتَتَبّع معانيَها وأَلفاظَها. (...) قال الأَزهري: القصُّ إتِّباع الأَثر. ويقال: خرج فلان قَصَصاً في أَثر فلان وقَصّاً، وذلك إِذا اقْتَصَّ أَثره. وقيل: القاصُّ يَقُصُّ القَصَصَ لإِتْباعه خبراً بعد خبر وسَوْقِه الكلامَ سوقاً. وقال أَبو زيد: تقَصّصْت الكلامَ حَفِظته. ... " ا.هـ
وإذا نظرنا في معجم مقاييس اللغة لابن فارس ألفيناه يقول: "القاف والصاد أصلٌ صحيح يدلُّ على تتبُّع الشَّيء. من ذلك قولهم: اقتصَصْتُ الأثَر، إذا تتبَّعتَه. ومن ذلك اشتقاقُ القِصاص في الجِراح، وذلك أنَّه يُفعَل بهِ مثلُ فِعلهِ بالأوّل، فكأنَّه اقتصَّ أثره. .. " ا.هـ
وكما رأينا فابن فارس يرجع معاني "القص" إلى التتبع, بينما جعلها ابن منظور راجعة إلى "القطع أو الإتباع"! فإذا نظرنا في الكتابات التي تعالج قصص القرآن وجدناها تتبنى هذا التوجه, فتقول أن أصل القصص هو تتبع أثر الشيء, ومن ثم سُمي القصص قصصا لأنه يتتبع أنباء الأحداث!! ويستدلون على هذا الفهم بقوله تعالى: "قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً [الكهف : 64]", فيقولون أن موسى والعبد الصالح ارتدا يقصان آثارهما, أي يتتبعانها حتى يصلا إلى المكان الذي كانا فيه!! ولو كان معنى القص هو "تتبع الأثر" لما كان هناك حاجة إلى قوله "على آثارهما" ولقيل "فارتدا قصصا"! (ناهيك عن أن المراد من "الأثر أو الآثار" في القرآن ليس آثار الأقدام!)
كما يستدلون بقوله تعالى: " وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص : 11]", على أن المراد من القص هو تتبع الأثر, ولست أدري كيف يكون تتبعا للأثر وهي تراه بعينها!!
فإذا نظرنا في القرآن لنبصر كيف استعمل القرآن كلمة "القصص", وجدنا أنه استعملها بشكل أوسع من الذي نقول نحن به, فبخلاف التصور المألوف للقصص والمأخوذ من مثل قوله: "... فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص : 25]", نجد أن الله تعالى يقول: "قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام : 57]", "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا .... [الأنعام : 130]", "يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ....[الأعراف : 35]", "فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: 7]"
فكما رأينا فالله تعالى يقص الحق, والرسل يقصون الآيات, والملائكة ستخبر الناس بما عملوا في اليوم الآخر, ولا يقتصر الأمر على هذا وإنما يتعداه إلى اتجاه آخر, وهو "القصاص", فنجد الرب العليم يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ... [البقرة: 178]"
"الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... [البقرة: 194]"
فما هو الرباط الجامع الذي يربط هذه المعاني تحته؟! إذا نظرنا في ما ذكره ابن فارس بأعلى, وجدنا أنه قد اقترب من المعنى الصحيح كثيرا عندما قال في توجيهه لاندراج القصاص تحت القص: " وذلك أنَّه يُفعَل بهِ مثلُ فِعلهِ بالأوّل", وهذا هو محور معنى القص أو القصص, فليس المقصود بالقص التتبع, وإنما الأخذ من الشيء ما يماثله أو ما يدل عليه ويعرف به!
وظهر هذا الأخذ بالشكل المادي في القصاص بفعل نفس الشيء في الفاعل, وظهر بشكل مجرد في اللسان بأن يأتي الإنسان بما يشير إلى ما حدث ويعرف به, فكأن الإنسان بنعته الشيء قد أخذ صورة له, وبهذا فالله يقص الحق, والأنبياء يقصون آيات الله, أي أنهم يحدثون الناس عن آيات الله فيعرفونهم ويذكرونهم بها, والملائكة تقص على الناس في اليوم الآخر أي تذكر لهم ما صدر منهم, ولهذا قال الرب العليم: " وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ...", ولم يقل "فتبعته عن قرب" لأن مراد الأم من الابنة أن تأتيها بخبر ابنها, وهذا يحتاج مراقبة ومشاهدة, وهي كانت تفعل هذا عن جنب.
إذا وكما رأينا فالقص هو قطع مخصوص من الشيء دال عليه, ومن ثم فمن اللازم وجود أصل حقيق "تُقتص" منه القصة!! ومن ثم يمكننا إسقاط الجانب الافتراضي الخيالي من القصص القرآني, والحكم بأن استعمال كلمة "قصة" كدال على أحداث مختلقة منشأة إنشاءً, استعمال غير صحيح, وسنيين لاحقا الكلمة التي ينبغي استعمالها كدال على هذا المدلول, ولأنواع القصة وهل يمكن إسقاطها على القصص القرآني.

أنواع قصص القرآن
بعد أن عرفنا دلالة القص, ننتقل إلى النقطة التالية له وهي معرفة المدلول, الذي سماه القرآن "قصصا", فما هي أنواع قصص القرآن –من حيث المحتوى-؟!
الناظر في الكتابات التي عرضت لهذه القضية يجد أن هناك من يقسم قصص القرآن إلى قصص أنبياء وقصص عن أشخاص ليسوا بأنبياء, عرض القرآن طرفاً من ما فعلوه أو حدث لهم! وهناك من يزيد على هذا فيجعل الأحداث التي وقعت في زمن النبي من القصص, ومن ثم فيجعلون قصص القرآن على ثلاثة أنواع, ومن أنصار هذا التوجه الأستاذ مناع القطان, فنجده يقول:
"والقصص في القرآن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم، والمعجزات التي أيدهم الله بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها وعاقبة المؤمنين والمكذبين, كقصة نوح وإبراهيم وموسى وهارون وعيسى ومحمد، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام.
النوع الثاني: قصص قرآني يتعلق بحوادث غابرة، وأشخاص لم تثبت ثبوتهم، كقصة الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وطالوت وجالوت، وابني آدم وأهل الكهف وذي القرنين وقارون وأصحاب السبت ومريم وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل ونحوهم.
النوع الثالث: قصص يتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن رسول الله  كغزوة بدر واُحد في سورة آل عمران، وغزوة حنين وتبوك في التوبة، وغزوة الأحزاب في سورة الأحزاب، والهجرة والإسراء، ونحو ذلك. " ا.هـ
والمتدبر لهذين التوجهين يجد أن كليهما لم يجعل القرآن مرجعاً له في استخراجه التصنيف الذي يقول به, وإنما اجتهد في إيجاد تصنيف جامع لقصص القرآن, فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أن القرآن يربط قصّه بالأنباء, فنجده يقول: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا .... فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف : 176], تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبائِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ .... [الأعراف : 101], ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ [هود : 100], وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود : 120], كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً [طه : 99]
فقصُ القرآن مرتبط بأنباء القرى والرسل السابقين, أما الأحداث المتعقلة بالرسول وبأفعال المعاصرين له مؤمنين وغير مؤمنين, فلم يعتبرها القرآن قصّاً بأي حال من الأحوال لأنها لم تكن بالنسبة لهم أنباء وإنما واقع مشاهد, والإنباء لا يكون إلا بإظهار المخبَر على ما لا يعلم!! ولا يعني هذا أننا نشترط في "القص" الارتباط بالأحداث الغابرة السابقة كما قال بعضهم, -فلقد استعمل القرآن مفردة القصص مع وقائع حديثة معاصرة –غائبة عن المتلقي-, وذلك في مثل قوله: "قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ .... [يوسف : 5], وقوله: "..... فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص : 25]"-
وإنما نقول أن القرآن حصر قصه في أنباء السابقين ومن ثم فلا نعتبر ما سماه القرآن "ذكراً": " لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء : 10]" لا نعتبره قصصا من عند أنفسنا. فإذا أردنا أن نخلص إلى أنواع القصص في القرآن استنادا إلى التسمية القرآنية, نجد أنها:
1- من أنباء القرى.
2- من أنباء الرسل.
3- من أنباء ما قد سبق.
كما يمكن تقسيم القصص من زاوية أخرى إلى صنفين آخرين, هما: قصص أقوال وقصص أحداث, فنجد أن الله تعالى يقص أحيانا أقوالاً لأشخاص أو حوارات, كما قص الحوار الذي دار في أول الخليقة بينه وبين الملائكة بشأن جعل الخليفة, أو المحاجة التي حاجها الرجل لإبراهيم في ربه, وأحيانا أخرى أكثر يقص أحداث قد تشتمل حوارات وأقوال, إلا أن العنصر الأول هو الأحداث نفسها.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-26-2012, 05:55 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثالثة

لماذا قص القرآن؟
قد يجول في خاطر بعض البشر هذا السؤال, فلماذا يقص الإله في الكتاب الذي يوحي به إلى البشر؟! وما الحكمة التي تجعل للقصص هذا النصيب الكبير في الكتاب الخاتم للبشر؟! ونحن إذ نتحدث عن القصص, فإننا لا نقصد سبب ورود كل قصة بمفردها, -فسنعرض لهذا في عنصر لاحق- وإنما نتحدث عن علة ورود القصص ك "جنس" في الوحي.
والواقع أن هذا السؤال لم يغب عن أذهان السابقين, فتطوعوا وقدموا له إجابة, إلا أنها كانت من السوء بمكان كبير, فطعنت في الصحابة وحطت من شأن القصص وأساءت إلى الرب العليم! فإذا نظرنا في الروايات التي ذكرها الإمام الطبري عند تأويله لآية " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... [يوسف : 3]" نجده يورد روايات تقول: ".... عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ قال: فنزلت: "نحن نقص عليك أحسن القصص". (....)
عن عون بن عبد الله، قال: ملَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملّةً، فقالوا: يا رسول الله حدثنا! فأنزل الله عز وجل: "اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر:23]". ثم ملوا ملَّةً أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن! يعنون القصَص، فأنزل الله: "الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"، فأرادوا الحديث فدَّلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصصَ فدلهم على أحسن القصص. " ا.هـ
وكما رأينا فلقد جعلت بعض الروايات أن سبب ورود جنس القصص في القرآن هو طلب الصحابة, وزادت بعض الروايات الطين بلة, فقالت أن الصحابة ملّوا!! وهذا يعني أن القرآن لم يعد مغنياً ولا شافيا كافياً لهم, فأرادوا التسلية, فجعل الله لها نصيباً في كتابه!! والأسوأ أن عون بن عبد الله هذا جعل قصص القرآن ليس على نفس مرتبة القرآن!! فجعل القرآن (والذي ليس فيه حديث ولا قصص) مرتبة, وجعل الحديث مرتبة دنيا!! ثم جعل القصص مرتبة أعلى من الحديث وأدنى من القرآن!! ولست أدري كيف نزع صبغة القرآنية عن هذه الأقسام من الكتاب؟!!
وهذا القول الوارد في الروايات قول ساقط لا ينبغي الالتفات إليه, فلقد ذكر لنا الله العليم في كتابه لماذا قص, فلماذا نرضى بكتاب الله بديلا, سواءً كان من السابقين أم اللاحقين؟! فإذا نظرنا في الكتاب العزيز وجدنا أن الأسباب التي ذكرها علة لقصه, هي: "1- أن يأخذ الناس منها عبرة! ولكن لن يعتبر إلا أولو الألباب, أما عامة الناس فسيرونها قصة مسلية! "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ"
2- التفكر, فليس القصص للتسلية: " .... فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف : 176]"
3- تثبت فؤاد المؤمن, عندما يعلم أن من سبقه تعرضوا لما يتعرض له ونصرهم الله في نهاية المطاف: "وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ... [هود: 120]"
4- الازدجار بمعرفة سوء عاقبة المكذبين: "وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر : 4]"
5- معرفة سنن الله تعالى الجارية على عباده, مثل أن الله تعالى يداول الأيام بين الناس: "... وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ...[آل عمران : 140]", وأن الأمم تزول بانتشار الظلم والفسق والفساد, وأن سنن الله لا تتحول ولا تتبدل: " ... وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر : 43]", وأن الأمم لها أجل في هلاكها, وأن أي أمة لا بد أن تُهلك أو تُعذب قبل يوم القيامة –بسبب أعمالها!-
6- هدى ورحمة للمؤمنين بتأكيد الحقائق الإيمانية عندهم, بتذكيرهم بحقيقة الإنسان وبالغاية التي خُلق من أجلها وأن البشرية بدأت بالإيمان ثم كفرت, وأن الأصل في الإنسان التوحيد. "... وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111]"
7- تصحيح الأخطاء الواردة في الكتب السابقة, وتصديق الصحيح منها:
"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل : 76] " ا.هـ
فلهذه الأسباب المذكورة في الكتاب كان القصص .. وكان القص!


القصص والتاريخ
على الرغم من اتفاق قصص القرآن والتاريخ في عدد كبير من النقاط, إلا أنهما يختلفان في مسألتين رئيستين, تجعلها يتمايزان تمام التمايز:
الأولى: الدور المنوط به, فالدور الأول للتاريخ أن يعي ويدون ويسجل الأحداث, ويذكرها صراحة, ثم تختلف المعالجات الإنسانية لها, تبعاً للغاية التي يريد الإنسان أن يوظف التاريخ لها!! بينما لم يأت قصص القرآن ليكون ذاكرة البشرية, وإنما أتى ليدلل بأكثر النماذج بياناً على صدق دعواه, -والذي سماها "أحسن القصص"-, ولهذا لم يذكر أزمنة وقوع الأحداث التي يقصها, ولم يعرض لكل الأحداث البشرية ولم يذكر حتى كل الأنبياء, وإنما اكتفى بإشارات, تُعين البشر على معرفة هويتهم وتحديد وجهتهم. (وسنبين للقارئ الكريم على صفحات الكتاب, ضرورة قصص القرآن لمعرفة أصل الهوية)
وللعجب وجدنا من يعتبر هذا إبهاما فيقول:
"والناظر في القرآن الكريم يجد أن القرآن في عرضه للقصص لم يهتم بجانب التفاصيل للأحداث أو أسماء الأشخاص, أو سرد كل الوقائع أو بيان الأمكنة والأزمنة, إنما كان اهتمام القرآن بإبراز المواقف التي تحوي الدروس والعبر والدلالات في حاضر الناس ومستقبلهم. لذا نجد القرآن لا يعرض إلا أقل القليل من أحداث القصة, ويترك الكثير من التفاصيل التي لا تفيد في التماس العظة والعبرة. لذا عرف الكاتبون في علوم القرآن لونا من ألوان هذه العلوم سُمي (مبهمات القرآن) ذكره السيوطي (911هـ) في النوع السبعين من إتقانه. وذكره الزركشي (794 هـ) في النوع السادس من برهانه. " ا.هـ
ولست أدري بأي حق يعتبرون هذا من المبهمات, فهل قال لهم القرآن أنه كتاب تاريخ؟! وهل أمرهم أن يعرفوا ما لم يقله؟!
الثانية: اليقينية, فالتاريخ والتأريخ البشريان ظنيان, يعتريهما الكثير من العوامل التي تؤدي لا محالة إلى تراجع نسبة اليقينية والصدق فيهما, بينما "يختلف القصص القرآني عن التاريخ القائم على الظن في ثبوت الحدث, وعلى احتمال عدم وصوله كاملا للمؤرخ, واحتمال الخطأ في فهم المؤرخ, وعلى احتمال الهوى في عرضه, فيُعرض مدَلسا أو يُخفى بعضه ويُذكر بعضه, وعلى عدم دقة القنوات الإخبارية الناقلة للخبر, لما يعرض للبشر الناقلين من سهو أو نسيان أو لبس أو خلط أو هوى!
يختلف القصص القرآني عن هذا كله في أنه قصص يقيني, قصص حق: "إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ .... [آل عمران : 62]", وهو قصص حق لأنه قُصَّ بالحق: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ..... [الكهف : 13]", وكونه قُص بالحق راجع إلى مزية لا يمكن أن تتوفر بحال لأي مؤرخ على وجه الأرض في أي زمان, -مهما حاز من الوسائل والأدوات- وهي أن القاص كان شاهداً, وهو عالم بالأسباب والمبررات والدوافع: "فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف : 7]", فحتى لو كان المؤرخ شاهداً للحدث فهو شاهدٌ غير عالم! فلن يمكن لأي مؤرخ مهما كان أن يطلع على بواطن الأمور, وعلى ما يدور في نفوس الناس وعلى ما يحدث في اجتماعاتهم السرية! والقرآن العظيم في قصِّه بيّن كيف قص, فلقد قص بالعلم والحق والشهادة, وبيّن ماذا قص, فلقد قصّ حقا ولم يقص افتراء " ا.هـ
وعلى الرغم من اختلاف غاية قصص القرآن عن التاريخ, فقد أبى أكثر الكاتبين حوله إلا أن يجعلوه كتاب تاريخ, اقتداءً بوهب بن مُنَبه, والذي سن لهم سنة سيئة, بتأليفه كتاب "قصص الأنبياء", فنزع القصص من سياقه وأغفل غايته! وقضى على استعلاءه على التوراة, فجعله تابعا لها! وأخذ يبين للناس, اعتماداً على التوراة, ما لم يذكره القرآن!! فسار من جاء بعده على الدرب, فوجدنا أن أوائل كتب التاريخ, التي ألفها المسلمون, أصبحت خليطاً من الدين والتاريخ! فتداخل قصص القرآن مع التاريخ, كما وجدنا مثلا في تاريخ الطبري "تاريخ الرسل والملوك" وغيره من كتب التاريخ !!
واستمر الحال على هذا المنوال, إلى أن جاء المتأخرون فلم يعجبهم هذا التداخل, فرأوا أن يفضوا هذا التداخل, لا ليعيدوا القصص القرآني ليُقرأ في سياقه وإنما ليفردوا الكتابة حوله في كتب مستقلة, تحمل اسم قصص القرآن أو قصص الأنبياء, حيث الهدف منها هو تقديم القصص كقصة! وهكذا اكتفوا باستبعاد التاريخ, وأخذوا يعيدون صياغة قصص التوراة تحت اسم "قصص القرآن" بحجة أنه لا يمكن عرض قصص القرآن بدون التفاصيل التي تقدمها التوراة!! ولست أدري من قال لهم أنه من الواجب عليهم, أو حتى من المستحب, أن يعرضوا قصص القرآن كقصة!! ولست أدري كيف غفلوا عن قول الرب العليم:
" تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة : 134]"
وبسبب إصرارهم على عرض قصص القرآن كقصة, تقدم بعض المعاصرين خطوة ... إلى الخلف!! فقال أن قصص القرآن لم يقع أصلاً!!

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-26-2012, 05:57 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الرابعة

القصص والاختلاق
رأينا كيف أن التعامل مع قصص القرآن كنص تاريخي أدى إلى تحويلها إلى "قصص تاريخية", واستمر الحال على هذا الوضع قرونا طويلة, بدون أي بادرة شك في أن القرآن كان يقص عن أحداث جرت في أزمنة سابقة, وعلى المؤلف أو الكاتب أن يكمل عناصر الصورة التي لم يذكرها القرآن, فيضع القصة القرآنية في الإطار التوراتي!! إلا أن الحال اختلف مع بزوغ نجم العصر الحديث, الذي تأثرت فيه الدول الإسلامية بمناهج الفكر الغربي المستعمر! فوجدنا في منتصف القرن العشرين من يشكك في هذه المسلمة البديهية, ويقول أن قصص القرآن ما هو إلا قِصص, لا يُشترط فيها وقوعها بالشكل الذي رواه القرآن, ولا حتى وقوعها أصلا, لأنها لا تزيد عن كونها قِصص وعظية تعليمية, ومن ثم فلن يقدم وقوعها أو عدمه قليلاً أو كثيراً!
وصاحب هذا الرأي هو الدكتور محمد خلف الله, تلميذ الأستاذ أمين الخولي, صاحب مدرسة التفسير الأدبي للقرآن, ومن ثم فليس ثمة كبير عجب أن يخرج الدكتور خلف الله بهذا التوجه! فصاحب كل علم يريد أن يجذب القرآن إلى علمه ويخضعه لقواعده ويفهمه تبعاً له, ومن ثم يصبح هو صاحب الريادة في تقديم منهج جديد في التعامل مع القرآن!! ولو صدر هذا التصور من غير أهل اختصاص لكان له صدى أكبر عندي, لأنه يعني أنه هناك من رأى بحيادية وعدم تعصب أن المنهج الفلاني هو الأصح في تناول القرآن!! وهذا الرأي نموذج حديث طيب على أن قصور المعالجة لموضوع ما يؤدي إلى الخروج بنتائج عجيبة!!
فأول انتقاد يُوجه إلى الدكتور خلف الله هو فهمه "القصة" تبعا للاصطلاح الأدبي المعاصر, فنجده يقول:
"ونحن مع احترامنا لكل من اللغويين والمفسرين لا نستطيع ونحن ندرس القصص الفني أن نقف عند هذه الحدود لأنا حين نذكر قصة إنما نقصد شيئاً آخر أهم من متابعة الخبر أو الحديث. نقصد ذلك العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيُّل القاص لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود ولكن الأحداث التي دارت حوله في القصة لم تقع أو وقعت للبطل ولكنها نظمت في القصة على أساس فني بلاغي فقدم بعضها وأُخّر آخر وذُكر بعضها وحُذف آخر أو أُضيف إلى الواقع بعض لم يقع أو بولغ في التصوير إلى الحد الذي يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون من الحقائق العادية والمألوفة ويجعلها من الأشخاص الخياليين. " ا.هـ
وبذلك يكون الدكتور خلف الله قد أغفل المعنى اللساني للكلمة والذي كان مستعملاً لها في زمان النزول, فكما قلنا فإن القصص لا بد أن يكون "مقطوعا/مأخوذا" من الواقع, وإلا لا يكون قصصا, والعرب لم تكن تعرف القصاصين قبل الإسلام, وحتى بعد ظهورهم لم يكن يُنظر إليهم على أنهم يؤلفون حوادث لا أصل لها, وإنما باعتبار حصولهم على علم غير متوفر عند غيرهم!! ومن ثم فلا يعني طروء معنى إضافيا له أن نجعله المعنى الأصلي! فإذا أراد الدكتور خلف الله أو المؤمنين بنظريته فهم الكلمة تبعاً للمصطلح المعاصر, فعليهم أولاً أن يثبتوا أنها كانت تُستعمل بهذا المدلول في ذلك الزمان .... وأنّى لهم هذا!!
فإذا غضضنا الطرف عن المصطلح وجدنا أن القول بأن قصص القرآن تخيلي افتراضي سيؤدي إلى ضياع جزء كبير من التأثير الذي ينزله بالسامع وخفوت قوة تأثيره, فشتان بين من يدلل على قوله بما وقع وبين من يفترض!! ولقد لاحظ الأستاذ محمود البستاني فارق التأثير هذا فقال:
"وبالرغم من أنّ هناك نمطاً من القصة يُسمّى بـ (القصة التأريخية) فيما تعني بنسخ الوقائع التأريخية دون إخضاعها لما هو مصطنعٌ من الوقائع، أي: دون إخضاعها لظاهرة (الاحتمال) أو (الإمكان)، إلاّ أنها في ـ الواقع ـ تخضع بدورها لعناصر مصطنعة قد تشكّل (حبكة) القصة التي تحوم الوقائع عليها أو تشكل بعض المواقف أو الأحداث أو الأبطال أو البيئات منها،... وهذا على الضدّ تماماً من القصة القرآنية الكريمة التي يصحّ أن نطلق عليها مصطلح (القصة العملية) فيما تُعنى بنقل الأحداث الحقيقية: ولكن وفق (اصطفاء) هادف للعناصر التي تُضيء (الأفكار) المستهدفة في النصّ القرآني الكريم.
إن الفارق بين القصة العملية والقصة المصطنعة يكمن في طبيعة الإثارة التي يتضخم حجمها ـ دون أدنى شك ـ في القصة العملية بالقياس إلى القصة المصطنعة التي يضؤل حجم الإثارة فيها: نظراً لما نعرفه تماماً من أنّ القارئ حين يتابع قراءة قصة (مصطنعة) بما تنطوي عليه من عناصر الإثارة: تشويقاً ومماطلة ونحوهما، يظل انفعاله (فنّياً) أكثر منه (وجدانياً)، ما دام سلفاً على إحاطة كاملة بأنه حيال أحداث وهمية يفتعلها القاص، بخلاف ما لو علم بأنه حيال حدثٍ واقعي: حينئذٍ فان انفعاله بالحدث سيكتسب سمة (الواقع) أيضاً. من هنا تمكن أهمية القصة القرآنية التي تتعامل مع (الواقع) بدلاً من (المحتمل)، محققةً بذلك عنصر (الاقتناع) عملياً، وليس مجرّد (إقناع) لما هو محتمل الوقوع. " ا.هـ
فإذا نظرنا في الأسباب التي دفعت الدكتور خلف الله إلى القول بهذا الرأي لم نجده قد استخرج واحداً منها من القرآن, وإنما لأنه لم يتدبر النص القرآني ولم يدرسه بما يكفي, وإنما أخذ التراث المقدم حوله, سواء كان أقوال علماء أو روايات ... أو حتى شبهات! أخذه كمسلمة, ثم حاول أن يقدم مبرراً يقضي على نقاط الضعف هذه -من وجهة نظره- فكان أن خرج بهذا الرأي, فكل ما فعله هو أن سلّم بتناقضات وتعارض بين النصوص وبعضها وبينها وبين الواقع, ثم برر ذلك بأن هذا راجع إلى أن هذا قصص أدبي!!
وهذا القول الذي أتى به ليس بدعاً من القول, وإنما هو منهج غربي سائد في التعامل مع النصوص الدينية الموجودة في التوراة والإنجيل عامة, وليس القصص منها, فلا يهم الانسجام الداخلي ولا التوافق الخارجي, فهي نصوص أدبية غائية, فعلينا الانشغال بالغاية ليس أكثر!!! فما كان من الدكتور خلف الله إلا أن حاول أن يدلل على صحة هذا المنهج وحتمية تطبيقه على القرآن كحل أمثل للقضاء على الإشكاليات التي تواجهه!! والعجب كل العجب أن يتخذ من لم ير, عدم رؤيته دليلاً ضد من رأى, ويريد منهم أن يتبعوه!
إن أكبر مبطل لهذا المنهج هو عدم استدلاله بآية واحدة على قوله وما هي إلا أفهام يحاول أن يدلل بها على صحته, واعتماده مستندات تخالف القرآن أحياناً! فمن ذلك قوله: "وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة –قصة أصحاب الكهف- مشروحا, فقال: وكان النضر من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفندباذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً يذكر فيه بالله ويحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: إنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس.
ثم إن قريشا بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن أحوال محمد, فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاثة: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ماذا كان من أمرهم فإن حديثهم عجب, وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها, ماذا كان نبؤه, وسلوه عن الروح ما هو فإن أخبركم فهو نبي، وإلا فهو متقول متقول..." فإن هذا النص كما ترى, يدلنا على أن اليهود هم الذين كانت بأيديهم المقاييس التي يفرقون بها بين الصادق والكاذب من النبيين والمتنبئين, ثم هو يدلنا على أن معرفة أخبار السابقين من هذه المقاييس. " ا.هـ
ولست أدري كيف تكون هذه الرواية –على فرض صحتها- دليلاً على أن المقاييس كانت بيد اليهود, لو كان محمد هو من قال للمشركين اسألوا اليهود هل أنا صادق أم كاذب لكان هذا مقبولاً, أمّا أن يفعل المشركون شيئاً فلا نزن الدين به!! ولو تدبر الدكتور خلف الله النص القرآني الموجود بين يديه لاكتشف أن هذه الرواية مكذوبة لا تتفق مع النص القرآني بحال, ولا كتشف أن الأمثلة التي قدمها لأنواع القصص بالنسبة لمعرفة العرب غير دقيقة ! فلو نظر في أول قصة أصحاب الكهف لوجد أنها لم تبدأ بقوله: "ويسألونك" وإنما تبدأ بقوله: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً [الكهف : 9]", والإنسان لا يقال له: "أم حسبت كذا", إلا إذا كان يعلم المسؤول عنه, فسؤال القرآن للرسول عن أصحاب الكهف وعن حسبانه أنهم كانوا من آيات الله عجبا, دليل على أن القصة كانت من المعروف بين العرب, وهو مثل قولي لشخص: سأهزم فلانا بسهولة, أم أنك حسبت أن انتصاراتي كانت حالة استثنائية؟! فالله يعتب على النبي أنه لم ينتبه إلى هذه الحادثة ويقول له هل ظننت أن هذه الآية عجب, ومن ثم فلن يتكرر مثلها؟! ثم قال له أنه سيقص عليه نبأ أصحابها بالحق, -لأن ما تنوقل عنهم فيه حق وباطل-! أما ذو القرنين فالعرب كانت تعرفه, لأنه يمني منهم, وكان معروفاً أنه مؤمن, ولم يكونوا بحاجة أن يُعرفهم اليهود به, فرد القرآن عليهم بأنه سيتلو عليهم منه ذكراً, فهو سيذكر لهم جانب بسيط يذكرهم!! لا أنه سيعطيهم نبأه!!
إذا وكما رأينا فالدكتور خلف الله لم ينطلق من النص ولم ينظر فيه بما فيه الكفاية, ليحكم هل يتفق مع ما قيل حوله أم ينافيه!!
فإذا تركنا هذه النقطة وانتقلنا إلى مستند آخر من مستنداته في القول بأن قصص القرآن قصص أدبي بالدرجة الأولى, وجدنا أن مستنده هو تطابق قصص القرآن مع ما في الكتب السابقة, فنجده يقول:
"والظاهرة التي يحسن بنا الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة وعلامات الرسالة جعلها أيضا مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار, حتى ليخيَّل إلينا أن مقياس صدقها وصحَّتها من الوجهة التاريخية ومن وجهة دلالتها على النبوة والرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار " ا.هـ
ولست أدري كيف يفترض الدكتور خلف الله هذه الافتراضية والقرآن يقول صراحة: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل : 76]", فإذا كان القرآن يعتبر نفسه مهيمنا على الكتب السابقة, ومرجعاً لبني إسرائيل يحتكمون إليه بشأن الأقوال المختلف فيها بينهم, فكيف يصبح تابعاً لهم! وحكم الدكتور خلف الله بتطابق النص القرآني لما في كتب السابقين يدل على أنه لم يكن ينظر في النص وإنما يأخذ بما قاله السابقون كتفصيل معتمد له, وسنقدم للقارئ على صفحات هذا الكتاب الكثير من الأمثلة التي تبين كيف أن التشابه بين القرآن والكتب السابقة هو تشابه ظاهري سطحي, يقع فيه المتعجل, أما المتدبر فيرى بجلاء افتراقاً كبيرا!!
ومن مستنداته كذلك بعض الشبهات المثارة حول بعض الأخطاء العلمية في النص القرآني مثل القول بغروب الشمس في العين الحمئة!! ولست أدري أين قال القرآن أن الشمس تغرب في عين حمئة, لقد قال: "... وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ .. [الكهف : 86]", ومن يقف أمام البحر في ساعة الغروب يجد الشمس تنزل في البحر!! فالقرآن كان ينعت المشهد الذي وجده/شاهده ذو القرنين, وليس أكثر!!
كما استند إلى بعض أفهام عجيبة لآيات حكم من خلالها بالتناقض وعدم المنطقية, فنجده يقول: "إسناده بعض الأحداث لأناس بأعيانهم في موطن ثم إسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر, ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: "قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ", إذ نراه في سورة الشعراء مقولاً على لسان فرعون نفسه " قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ". وكذلك تجد في قصة إبراهيم من سورة هود أن البشرى بالغلام كانت لامرأته بينما نجد البشرى لإبراهيم نفسه في سورة الحجر وفي سورة الذاريات. " ا.هـ
ولست أدري كيف ضاقت قريحة الدكتور خلف عن تصور مثل هذا المواقف كما هي! ثم الحكم الجائر بتضادها! فلو أخذنا آيتي فرعون والسحرة مثلاً لوجدنا أنه لا مانع أبداً ولا استحالة منطقية من أن يكون أحدهما سبق الآخر, فقال الثاني كلامه, وأرجح أن يكون فرعون هو من قالها, فكرر السحرة كلامه تأكيدا له, وحكى القرآن مرة قول فرعون ومرة قول التابعين "الإمعات" الذين يؤَمّنون على كلام سيدهم حقاً كان أم باطلا!!
واعتمد الدكتور خلف الله على غير هذه المستندات, إلا أنها مثل سابقتها, مستندات واهية يكفي المرء أن ينظر فيها نظرة ثاقبة ليكتشف نقاط ضعفها وبطلانها, ويمكن القول أن مستنده الوحيد القوي, -والذي لا يكفي كذلك للقول بهذا الرأي- هو تكرار القصص بألفاظ مختلفة, وسنعرض لهذه المسألة في عنصر مستقل.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-26-2012, 06:00 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الخامسة

القصة والحكاية
بعد أن بيّنا أن استعمال كلمة "القصة" لا يكون صحيحا لغويا إلا مع أحداث واقعية جرت, يقتص القاص بعضها ليخبر بها غيره, نتساءل: ما هو الاسم الذي يمكن إطلاقه على ال"قصة" المختلقة؟! إذا نظرنا في أدبنا المعاصر وجدنا أنه لا يفرق بين الواقعي والمختلق, فيسمي كلاهما نفس الاسم, وتكاد تنحصر هذه الأسماء في "القصة"! فهناك القصة القصيرة, وهناك الأقصوصة وهناك القصة! فإذا تركنا القصة وجدنا أن هناك "الرواية" والتي يمكن تعريفها بأنها قصة طويلة متداخلة الأحداث!! وهذا مدلول حديث مخالف تماما للمدلول الذي اشتهرت به بعد الإسلام, حيث كانت مرتبطة بنقل الأحاديث والأخبار! وهناك ما لا يمكن اعتباره "قصة" وهو ما يُعرف ب الخواطر. وهناك صنف آخر يعده الأدباء أقل منزلة من القصة وهو "الحكاية", وهي تلك القصص السردية البسيطة, التي لا تتوفر فيها الحبكة الدرامية, ولا تظهر فيها بوضوح شروط القصة الأدبية!
فما هو الاسم الذي يمكن إطلاقه على القصص المختلق إذن؟!
نقول: الاسم الذي يدل على هذا الصنف من الأدب من حيث المعنى الأصلي له –بغض النظر عن الاصطلاحات الأدبية, التي لا تراعي المعاني الأصلية للكلمة!- هو: الحكاية! وذلك لأن الحكاية مأخوذة من المحاكاة, وهو التقليد! فإذا نظرنا في لسان العرب وجدنا ابن منظور يقول:
"الحِكايةُ: كقولك حكَيْت فلاناً وحاكَيْتُه فَعلْتُ مثل فِعْله أَو قُلْتُ مثل قَوْله سواءً لم أُجاوزه، وحكيت عنه الحديث حكاية. ابن سيده: وحَكَوْت عنه حديثاً في معنى حَكَيته. وفي الحديث: ما سَرَّني أَنِّي حَكَيْت إنساناً وأَنَّ لي كذا وكذا أَي فعلت مثل فعله. يقال: حَكَاه وحاكَاه، وأَكثر ما يستعمل في القبيح المُحاكاةُ، والمحاكاة المشابهة، تقول: فلان يَحْكي الشمسَ حُسناً ويُحاكِيها بمعنًى. " ا.هـ
فالمحاكاة قائمة على التقليد والإتيان بمثيل للشيء, وهذا هو العنصر الرئيس للقصة في أدبنا المعاصر, فهي قائمة على إنشاء أحداث افتراضية مماثلة لما يحدث في الواقع, تقع في نفس المجتمعات التي نحيى فيها! فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه لم يستعمل مفردة الحكاية أو أياً من مشتقاتها وإنما استعمل "القص" والإنباء, وهو ما يدل على الوقوع حقيقة لا افتراضا أو محاكاة!!


العنصر المفقود
اتفق أنصار المدرسة الأدبية المتناولون لقصص القرآن, على اختلاف قصص القرآن عن القصص التقليدي, فقالوا بوجود سمات فيه تختلف عن القصص التقليدي, إلا أن هذا لم يمنعهم المقارنة بين "القصص" القرآني وبين أصناف الكتابات الأدبية, محاولين إيجاد تصنيفات للقصص القرآني يندرج تحتها بحجة أنه نص أدبي, فقالوا بوجود أصناف من "القصص" في القرآن ليس لها وجود في القصص الأدبي, وقاموا بتصنيف عدد آخر تحت التصنيفات المقدمة للقصص الأدبية!! وينسى هؤلاء جميعا الاختلافات الكبيرة بين القصص القرآني وبين القصة الأدبية! التي تجعل من غير المقبول اعتبار القصص القرآني قصة أدبية!
أول هذه الاختلافات هو أن مؤلف الكتاب كاملا, بما يحتويه من القصص, ليس بشرياً, ومن ثم فمن غير المنتظر أن تأتي المؤلَف على مثل كتابات البشر, أو أن يأتي البشر بمثل ما جاء به!! والطرف البشري هو طرف ملقَّن, ولقد صرح المؤلف في بعض الأحيان أنه أعلم المستقبِل البشري "محمد" أنه أنبأه بأنباء لم يكن يعلمها لا هو ولا قومه. والإصرار على المقارنة والإدراج يعني أن النص بشري! ولا يعني بهذا أننا نمنع البحث في خصائص القصص القرآني وسماته, فهذا مطلوب, وإنما نرفض إدراجه تحت صنف لا يطابقه ولا يشمله!
فإذا تركنا مسألة المؤلِف وجدنا أن المادة المقدَّمة غير متفقة, فالقصص القرآني وقائع حقيقة حدثت في زمن من الأزمان, نُقلت كما وقعت, فهو قص بالحق! ومن المعلوم أن محتوى القصص خيالي مائة بالمائة, فإن كانت القصة الأدبية تستند إلى أحداث واقعية, فإن هذه الأحداث لا تكاد تُشكل إلا الإطار العام للقصة, بينما يكون الجزء الأكبر من الأحداث من خيال المؤلف! وهذا ما لا نجده في القصة القرآنية, فالقصص القرآني اقتطاع نعتي لأحداث سابقة. فالقصص القرآني أقرب إلى التاريخ منه إلى الأدب –مع تذكيرنا بأن القصص القرآني ليس تأريخاً-, فهو قائم أصلاً على اقتطاع أحداث بعينها وعرضها للتدليل على صدق دعواه! ناهيك على أن هناك ما اعتبره القرآن "قصاً" ولا يمكن اعتباره بحال قصة أدبياً, فمن ذلك: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ... [النحل : 118]", فهل يمكن اعتبار سرد أصناف المطعومات المحرمة قصة بأي شكل من الأشكال؟!
فإذا غضضنا الطرف عن هذه النقطة وجدنا أن القصة تقدم كقصة, طويلة كانت أم قصيرة, بناء مستقل له أهداف محددة أو حتى غير محددة, بينما يأتي القصص القرآني متخللاً آيات أخرى تتحدث عن الإيمانيات "العقائد" أو الأحكام الشرعية أو أنباء غيبية, أو يتخلله هو ذلك! فهل وُجدت قصة على مر الزمان يتخللها أي شيء آخر؟! من الممكن أن تحتوي القصة بداخلها قصة, أم أن تتداخل مع أجناس أخرى, فهذا ما لم يكن بحال!!
ولا يقتصر الأمر على التداخل وإنما يتعداه إلى التفريق, فنجد أن القصص القرآني يقص وقائع في أكثر من موطن, فيجمل أحيانا ويفصل أخرى, حسبما يقتضيه المقام والحال والموضوع المتناول في السورة, ولا يكفي المشهد الواحد المعروض في سورة من السور لأن يخرج الإنسان بتصور كامل عن هذه الوقائع, وإنما عليه أن يضع كل المشاهد بجوار بعضها حتى يكون ما يمكن تسميته بالقصة المترابطة الأحداث!! وغني عن الذكر أنه حتمٌ على من يُجمع المشاهد المنثورة في السور, لكي يُقدم ما يمكن تسميته بالقصة, أن يلتزم بالترتيب القرآني للأحداث, وأن يمعن النظر للوصول إلى الترتيب القرآني لها, ولا يكتفي بالعرض المألوف للقصة! لأنه ربما يكون قيل به تأثراً بروايات إسرائيلية أو بدون تمحيص كافٍ!
إلا أن هذا لا يكفي كذلك, فقد لا يؤدي وضع المشاهد المنتقاة من السور المختلفة والمتعلقة بموضوع واحد إلى تكوين قصة مكتملة الأركان! لأسباب عدة, منها أن القرآن لا يصرح أحيانا بترتيب وقوع حدث من الأحداث, وليس ثمة مرجح حاسم لزمان وقوعها! فهل تسمى مجموعة المشاهد التي قد (لا) تؤدي إلى تصورٍ ما, ولا يُجزم بترتيب وقوع بعضها, بقصة؟!
إن أقصى ما يفعله أرباب القصة عند قصّهم أحداثاً واقعية هو أن يغيروا من ترتيب عرض الأحداث, فيحدثون تداخلاً في أزمنة وقوع الأحداث, مقدمين إطاراً عاماً تدور فيه هذه الأحداث. ولم يحدث أن أدخلوا في القصة ما ليس من جنسها, ولا أن اكتفوا بعرض مشاهد غير مرتبطة, فهذا لا يسمى قصة بحال! وهذا ما قدمه القرآن, فلقد قص وقائع موجَّهة لغايات محدودة, وأبينا إلا أن نفهمها كقصص!!

القصص والأحكام الفقهية

لم يقتصر السابقون في تعاملهم مع قصص القرآن على اعتباره مجرد قصص, وإنما أخذوا يستخرجون منه الأحكام الفقهية والعقائدية, وهو منهج سليم يُفعِّل آيات الله ولا يحصرها في زاوية واحدة, فوجدنا بعض العلماء يستدلون بطلب موسى رؤية الله: "وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف : 143]", على استحالة رؤية الله في الدنيا, وقال بعضهم باستحالتها في الدنيا والآخرة.
واستدل آخرون بقوله تعالى: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة : 4]", على عقيدة الولاء والبراء, واستدل غيرهم بأن التوحيد كان الأصل في حياة الإنسان ثم طرأ عليه الشرك, على العكس مما تقوله عامة الأبحاث عن الدين, والتي تدعي أن الدين بدأ بالتعدد ثم تطور إلى التوحيد, وهذا ما أثبتته الأبحاث الأخيرة . كما استدل بعض الباحثين بقصة أصحاب الكهف على أن الكلب حيوان غير نجس ولا مذموم ولا حرج في اقتنائه!
وكما قلنا فهو مسلك طيب, إلا أنه يعيب بعض الآخذين به أنهم يستدلون بالآيات متى وافقت رأيهم, فإذا خالفت ما يقولون به ابتدأ التساؤل: هل شرع من قبلنا ملزمٌ لنا؟! لذا نقول: الأصل أنه كذلك ما لم يقم دليل على النسخ, والعبرة بما جاء في القرآن وليس ما ذكر في كتبهم, ومن ثم يجب العمل به ما لم يدل الدليل على أننا لسنا مخاطبين به.
فمن ذلك مثلاً ما قصّه الله عن الخليل في سورة هود: "وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)"
فهنا نجد أن امرأة الخليل قائمة على خدمة ضيوفها ويكلمونها وتكلمهم بل وضحكت أمامهم, ولم يعب الله عليها ذلك! ومن ثم يمكن القول أنه يجوز للمرأة خدمة أضياف زوجها والحديث معهم بدون أي حرج.
والمشكلة أن الفقهاء لم يقتصروا على استخراج الأحكام من القصص, وإنما تعدوا ذلك إلى إيجاد أصل ل "الحيل الفقهية" في كتاب الله! فاستدلوا على جواز التحايل في دين الله بما قصّه الله عن سيدنا أيوب, وتحديداً قوله: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص : 44]"
فقالوا بجواز التحايل في دين الله, فالله الحكيم احتال لأيوب عليه السلام! ومن ثم يجوز التحايل حتى لا يُخالَف الحكم الشرعي ويُعمل به ظاهرا فقط! ولست أدري أين قالت الآية بهذا؟!
وقولهم هذا راجع إلى جعل الرواية تفسيراً معتمداً لكلام الله, ومن ثم اعتبار ما جاء في الرواية هو المذكور في الآيات! فإذا نظرنا فيما أضافوه من عند أنفسهم ليصلوا في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة وجدناهم يقولون:
مضمون الآية أن يأخذ سيدنا أيوب حزمة من نبات ما ويضرب بها زوجه حتى لا يحنث, أما لماذا يضربها فاختلفوا في سبب الضرب, ونورد ما ذكره الإمام الفخر الرازي تعليقا على ما ساقه المفسرون في تفسير! هذه الآية:
"واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، (ولست أدري كيف يدل هذا الكلام على تقدم يمين منه, فليس هناك أي إشارة إلى مسألة اليمين هذه! –عمرو-) وفي الخبر أنه حلف على أهله، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها، ويبعد ما قيل إنها رغّبته في طاعة الشيطان، ويبعد أيضاً ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برأ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها، وهذه الرخصة باقية.. " ا.هـ
وليس في الآيات أي مستند لما يقولون, إلا إذا كانت التوراة تفسر القرآن, فهي التي قالت بهذا! أما الناظر في الآيات فيجد أن تطبيق الأمر بالأخذ والضرب أمر يتطلب الجلد والصبر, لذلك عقب الله تعالى بقوله "إنا وجدناه صابرا", فهل ضرب المرأة بحزمة من النبات يحتاج صبرا؟! ومن يتتبع السياق يجد أنه أُمَر أولا بالركض في قوله تعالى: "ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ" ثم جاءت جملة خبرية اعتراضية هي قوله: "وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ" ثم اسُتكمل الأمر الذي يوضح له نهوضه من النصب وهو "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ".
ولا خلاف في أن المراد من الضغث هو حزمة النبات, ونقطة الخلاف هي كلمة الضرب, حيث قالوا: طالما أنه أمره بالضرب فلا بد من وجود مضروب. ثم أخذوا يبحثون عمن ضُرب بهذا الضغث! مع أن الآية وضحت أن المفعول به هو الضغث المأخوذ ولم تذكر أي مفعول آخر. وبما أنه لم يُذكر في الآية مفعول فلا يمكن أن نضع نحن مفعولا من عند أنفسنا, لذا نبحث عن معنى آخر من معاني الضرب يتناسب مع الضغث, فنجد أنه التجارة والحركة, وهذا المعنى لا يحتاج إلى مفعول فيمكنني القول "ضربت في الأرض" –وهذا استعمال صحيح وارد في القرآن– ولا أحتاج إلى مفعول مقدر, فالأمر أمر بالتجارة بشيء بسيط يبدأ به ثم يفتح له الله بعد ذلك. أما قوله تعالى "ولا تحنث" فليس المراد من الحنث هو عدم الوفاء بالقسم, فليس هذا هو المعنى الوحيد للحنث, فأصل الحنث ليس عدم الوفاء, فالحنث كما جاء في المقاييس: حنث: الحاءُ والنون والثاء أصلٌ واحد، وهو الإثْم والحَرَج. يقال حَنِثَ فلانٌ في كذا، أي أثِمَ. " ا.هـ
وكما رأينا فالمعنى الأصلي للكلمة هو التحرج والإثم, وهو ينهى عن التحرج من الضرب بهذا الشيء البسيط. ويبدو والله أعلم أنه نفذ الأمر لذا قال إنا وجدناه صابرا على قضاء الله كله وعلى الأمر فنفذه. وفي الأمر بالتجارة لكي يعود الإنسان إلى سابق حاله إرشاد إلى إعادة بناء الإنسان نفسه بنفسه, لكي ينهض بنفسه من كبواته.
إذا فليس في الآيات إقرار للتحايل ولا تعليم له, وإنما إرشادٌ للإنسان لما ينهض به من كبواته وينفض به عن نفسه ركام الماضي ... والمرض. لذا فعلى من ينظر ليستخرج أحكاماً فقهية أو عقائدية أن يدقق فيما قالته الآيات لا أن يأخذ بالتصورات الموجودة لديه مسبقاً!


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-26-2012, 06:03 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السادسة

الإسرائيليات .... البديلة!
لا يستطيع أي كاتب عن التعامل مع القرآن أن يغفل الحديث عن الإسرائيليات, لاسيما إذا كان الحديث عن "قصص القرآن" والذي حاز النصيب الأكبر من هذه الإسرائيليات, لذا نعرج عليها لنشير إلى نقطة هامة يغفل عنها أكثر الذين يكتبون عن الإسرائيليات! وحتى يدرك القارئ غير المتخصص المقصود بهذا المصطلح نبدأ بتعريف الإسرائيليات:
"لفظ الإسرائيليات –كما هو ظاهر- جمع, مفرده إسرائيلية, وهي قصة أو حادثة تُروى عن مصدر إسرائيلي, والنسبة فيها إلى إسرائيل, (...) ولفظ الإسرائيليات -وإن كان يدل بظاهره على القصص الذي يُروى أصلاً عن مصادر يهودية- يستعمله علماء التفسير والحديث ويطلقونه على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودي, فهو في اصطلاحهم يدل على كل ما تطرف إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما, .. " ا.هـ
والإسرائيليات كأخبار مروية يقسمها علماء الشريعة إلى أقسام عدة, فتقسم باعتبار الصحة والضعف, فهناك إسرائيليات صحيحة سنداً وهناك أخرى ضعيفة وموضوعة!! وهناك من يقسمها باعتبارات أخرى, مثل موافقتها للإسلام ومخالفتها, "وتنقسم الإسرائيليات ثانياً باعتبار موافقتها لما في شريعتنا ومخالفتها له إلى ثلاثة أقسام: موافق لما في شريعتنا, ومخالف له, ومسكوت عنه: ليس في شرعنا ما يؤيده ولا ما يفنده." ا.هـ
والناظر في كتابات الإسلاميين يجدها مختلفة بشأن التحديث عن بني إسرائيل وعدم التحديث عنهم, فهل تقبل هذه الروايات أم لا تقبل! وعلى الرغم من هذا الاختلاف فإن الملاحظ أن كل كتب التفسير –بما فيها كتب الذين انتقدوا الإسرائيليات- لم تخل من إسرائيليات, والاختلاف في كمّ هذه الإسرائيليات, هل هي كثيرة بارزة في الكتاب, مثل كتاب ابن جرير الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن, وكتاب الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي, أم أنها قليلة نادرة تُذكر عرضا! ولقد لعبت هذه الإسرائيليات دورا كبيرا في صبغة الإسلام بصبغة يهودية ... خرافية, حتى ليحق القارئ المثقف في عصرنا هذا الجزم بأن قصص القرآن تابع للتوراة ولكتب الشروح اليهودية! وأن كلاهما كتب مليئة بالخرافات, لا يمكن أن تكون إلهية المصدر!! بينما لا يجد كثير من العوام في عصرنا هذا –وفي العصور السابقة من باب أولى!- حرجاً في قبولها, واعتمادها كتفسير وتفصيل لما جاء في القرآن, على الرغم من طفح الخرافة منها!!
وفي عصرنا الحديث بدأت محاولات مضنية من أجل تنقية كتب التفسير والأحاديث من الإسرائيليات, فكلّف شيخُ الأزهر الأسبق الشيخ عبد الحليم محمود الدكتورَ محمدَ أبو شهبة باستخراج الإسرائيليات في كتب التفاسير والأحاديث, وبالفعل أتى الدكتور أبو شهبة بعمل يُحسب له أسماه "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفاسير", ثم تراجعت الجهود الرسمية بهذا الشأن مرة أخرى, ومن حين لآخر تظهر على السطح محاولات للتنقية مثل المشروع الذي اقترحه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في عام 2000 بعد الميلاد, لتنقية كتب التفاسير من الإسرائيليات إلا أن المشروع لم يُكتب له الإثمار!!
والجهود المبذولة في هذه المجال هي جهود فردية يقوم بها أتباع التيار السلفي, من أجل تنقية التراث والسنة النبوية, أو الباحثون المستقلون أو الذين يرنون إلى نيل درجة علمية! ومن أشهر الكتب عن الإسرائيليات في عصرنا هذا, كتاب: "الإسرائيليات في تفسير الطبري", والذي تقدمت به الباحثة آمال ربيع للحصول على درجة الدكتوراه, وتميز هذا الكتاب باحتوائه النصوص العبرية المقابلة للنصوص الموجودة في تفسير الطبري, ولله الحمد فلقد نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية هذه الرسالة, التي أوصت فيها مؤلفتها, بسحب كتاب الطبري من الأسواق وتشكيل لجان لتنقيته من الإسرائيليات!!
وعلى الرغم من هذه الجهود المضنية الكبيرة المبذولة والأضرار الكثيرة التي سببتها هذه الإسرائيليات في عقول المسلمين لم نجد من يحاول أن يتجنب الإسرائيليات كلية, فيحاول أن يتعامل مع قصص القرآن بدون الرجوع إلى هذه الإسرائيليات, وذلك للعقيدة الراسخة لديهم هو أن القرآن يحتاج إلى "تفسير", وأنهم سيجدون في هذه الأخبار ما يبين ما أجمله القرآن!! كما أنهم يتعاملون مع قصص القرآن كقصة, ومن ثم فإن هذه الإسرائيليات ضرورية لإكمال الصورة!!
والإشكالية الكبرى التي لا يلتفت إليها الناقدون للإسرائيليات, والذين لا يمانعون من قبولها قبولاً جزئياً هي أنها أصبحت البديل للتاريخ الديني من المنظور العربي, ومن ثم اختلفت الخلفية المعرفية لكل من أتى بعد جيل التابعين وتابعيهم, فلقد ضاع ما كان معروفاً عند العرب في زمان النبي الكريم والصحابة, ومن ثم فلم نعد نعلم ما كانوا يعلمون عن الأقوام السابقة, وأصبحت معلوماتنا حولهم ضبابية, مستقاة من روايات متناثرة, وذلك لأن الروايات الإسرائيلية أخذت الحيز الأكبر في التراث الإسلامي, سواءً كان متعلقا بالتاريخ الديني أو الدنيوي, وجاء بجوارها على استحياء روايات تتحدث عن هذه الأحداث من منظور عربي!! ولم يُلتفت إلى هذه الروايات العربية القليلة, الفقيرة المحتوى, والتي لا تقدم تصوراً نافعاً بشأن هؤلاء الأنبياء ولا بشأن الأقوام السابقين, وحتى لو ذُكرت فلن تُقدم على روايات أهل الكتاب ذات الأصل السماوي! ومن ثم هُجرت الروايات التأريخية العربية, ولم تجد من يهتم بنقلها, فأُعرض عنها, وأصبحت الروايات الإسرائيلية هي المعتمدة!! وبدلاً من أن يقدم العرب للعالم التاريخ الديني المعروف لديهم, توارى هذا التاريخ, لأنه تاريخ جاهلي!! منقول عن الكافرين! واعتُمد تاريخ أهل الكتاب لأنهم الأقرب إلى الإسلام!! وبسبب اعتماد هذا التاريخ وقع كلُ باحث في قصص القرآن في حيرة كبرى, وهي شعوره بأن القرآن نص خارج عن الزمان والمكان, فيجده يتحدث عن وقائع وأحداث من منظور مختلف تمام الاختلاف, لا يتطابق مع المذكور في التوراة ولا حتى مع التاريخ المعروف, فيتساءل: أين ومتى كان هذا المقصوص؟!
ولو نُقل التاريخ العربي الجاهلي!! بدلاً من التاريخ الإسرائيلي لعرفنا لماذا تحدث القرآن بهذه الطريقة ولجزمنا أنه يذكر وقائع حقيقة وليست خيالية! ونحن نقر أن تأثير قصص القرآن سيختلف لا محالة بين من كان لديه تصورات شبه كاملة عن أمم سابقة وحوادث ماضية وخاطبه القرآن على أساسها, وبين من يأخذ تصوراته من مصادر أخرى, أو ليس لديه تصورات بشأنها أصلاً, ومن ثم يكون قصص القرآن بالنسبة له أقرب إلى قواعد عامة!!


أحسن القصص والتفسير!!
تعامل المفسرون مع قصص القرآن باعتباره قصة! ولكن ليس كأي قصة, فهو "أحسن القصص", وأخذوا يقدمون العلل والأسباب ويظهرون المحاسن الأدبية والجمالات البلاغية, التي تميز بها القرآن وتفرد! والتي تحتم أن يكون قصص القرآن أحسن القصص. وهي مُسلّمة لا يجادل فيها مسلم!
ولا حرج في فعلهم هذا, فهو تأصيل مطلوب, ولكنهم لم ينتبهوا إلى تناقض كبير سقطوا فيه جميعاً وهو قولهم بأن أحسن القصص يحتاج إلى تفسير .... وإكمال!!
فالقصة لكي تكون حسنة لا بد أن يتوفر فيها عدة شروط من أهمها الوضوح والبيان, فإذا كانت القصة عسيرة الفهم في كثير من المواطن فمن غير المقبول أن تكون حسنة, ناهيك أن تكون "الحسنى"!
ولكن لأنهم كانوا قد وقعوا مسبقا في نفس المأزق عند تناولهم للقرآن, عندما قالوا بالتفسير, وخالفوا المنهج المذكور في القرآن "التأويل", كان من المنطقي أن يكملوا المسيرة ويتقبلوا حاجة أحسن القصص إلى تفسير! ولم يقتصر الأمر على قولهم بوجود غوامض كثيرة في القصص, وإنما أقروا بنقص القصص في مواطن كثيرة, تحتاج إلى إكمال من التوراة ومن الروايات!!
وهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن ما خطّوه بأقلامهم أكبر إشارة لهذا, فنجد أن دور كل المتناولين لقصص القرآن هو إكماله! من الروايات والتوراة!! وهذه شهادة صريحة أنه بمفرده غير كامل!!
ورأينا كتباً كثيرة مسماة بقصص القرآن, ولا يظهر فيها من قصص القرآن إلا الآيات المتعلقة بالموضوع الذي يتناوله الكاتب, كجزء بسيط ضروري لإصباغ الشرعية على الشروح والتفسيرات المقدمة, والتي لا علاقة لها في كثير من الأحيان بالنص المعروض, لأنها لم تُستخرج منه!!
فلم نجد من يعمل على تحليل النص القرآني المتعلق بالموضوع ويستخرج منه التصور المقدم في الآيات إلا في أولئك النفر الذين يقارنون بين موضوع ما في القرآن وبين شبيه له في التوراة أو في التراث الإنساني عامة!!
فنظرا لمحدودية عدد الآيات المتناولة لا يجدون جهداً كبيراً في تحليلها بخلاف من يعرض لقصص القرآن كله! -ولست أدري لماذا يعرض من لا يقدر على استقراء القرآن!- وكذلك يعملون على تحليل النص القرآني بسبب التشابه -إن لم يكن التوافق- بين المذكور في الروايات وما في تراث الحضارات السابقة, فيُضطرون اضطراراً إلى العودة إلى النص لتحليله! لينظروا ماذا قال القرآن تحديدا, فتُكتشف وجوه اختلاف بينها وبين القرآن, فيقال أن القرآن لم يقل بما قاله الآخرون!!
ونظرا لطغيان الروايات المتعلقة بقصص القرآن, والتي عرضت لكل صغيرة وكبيرة في القصص, ومن ثم أدت إلى تواري النص الأصلي نفسه, رأينا بعض المتناولين لقصص القرآن يقولون أنه من الأفضل عدم العروض لما لا فائدة فيه! فلا فائدة من معرفة لون كلب أصحاب الكهف وكم كان عددهم وأصناف الطيور التي قطعها الخليل إبراهيم .... الخ التفاصيل المذكورة في الروايات, والتي لا تقدم أو تؤخر في فهم الآيات. وحسناً فعل هؤلاء وقالوا, وهذا أقصى ما يُنتظر منهم, فلن يقدم أحدهم على المطالبة بتجريد القصص القرآني من كل المرويات المتعلقة به, لأنهم ممن يقولون بالتفسير, ومن ثم فلا حرج من وجود بعضها ... أو كثيراً منها!!
نعم, نجح المفسرون وغيرهم من أتباع المدرسة الأدبية في استخراج عناصر حسن القصة في القرآن, إلا أنهم نسفوا العنصرين الرئيسين الأولين: البيان والكمال, فأتوا بنيانهما من القواعد فهدموه على أنفسهم!!
لذا فمن الواجب البديهي على المتعامل مع القصص القرآني أن يقدمه كنص متكامل بيّن لا يحتاج إلى تفسير أو إكمال! فيأخذ في تحليل النص والنظر فيما قال, ويستخرج من كلماته العبرة والعظة!!
وقد يسأل بعض القراء مستغرباً: وما الحرج في ذكر الروايات استئناساً؟! -وهو لا يسأل هذا السؤال إلا لألفته وجود الروايات البشرية بجانب كلام الله, ولو تفكر قليلاً لوجود أن كلام الله أحسن القصص, والروايات المنقولة بشرية الصياغة, ولو احتاج الكامل إلى الناقص لكان ناقصاً ولكانت الروايات أفضل منه!-
وقد يرى آخرون أن هذه الروايات تعطي القارئ الخلفية المناسبة للآيات, والتي كانت موجودة لدى المتلقي الأول من العرب أو من أهل الكتاب! فنقول:
بيّنا أن التصورات المعروضة في الكتب هي غالباً مأخوذة عن أهل الكتاب وليس عن العرب, ومن ثم فلقد توارت الخلفية المعرفية عند العرب, ولا سبيل أمامنا إلا الحفريات والأثريات, التي قد تكشف القليل منها! أما إذا كان القصص عن أحداث وقعت للسابقين من أهل الكتاب, فالقرآن جاء ليبين لهم الذي اختلفوا فيه! فلا ننظر ما عندهم لنجعله تفسيراً لما عندنا!
ومن ثم فلا حاجة لعرض ما عندهم أثناء الحديث عن ما في قصص القرآن!! إن هذه المقارنات نافعة لدارسي مقارنة الأديان, ومن ثم فتقدم لهم فقط, لحاجتهم إليها, أما أن نقدمها هكذا لكل المسلمين –كتفسير- فكل ما نفعله أننا نقوم طواعية بالحفاظ على تراث بني إسرائيل وإبقائه في ذاكرة المسلمين وتعريف أجيالنا الناشئة به كأنه تراثنا!!
وكذلك الروايات الواردة عن القصص تُذكر بالنسبة لدارسي التاريخ والأديان, فنَزِنها بالقرآن, فإذا وجدنا خضوعا وانسجاما مع النص وتبعية له, حكمنا بصحتها وقبولها! ولا يعني هذا في عين الوقت أن تُقدم كتفسير له! وإنما تُذكر في معرض الحديث عن الثقافة التاريخية الدينية المتاحة في ذلك الزمان!! فيقال أن العرب أو الصحابة كانوا يعلمون عن هذه الوقائع كذا وكذا!

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-26-2012, 06:06 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السابعة

صورة الرسل
رأينا من قبل أن القرآن في معرض قصه قال للنبي أنه قص عليه من أنباء القرى وما قد سبق, وأنباء الرسل!! وعلى الرغم من ذلك وجدنا أن الاسم الذي اشتهرت به الكتب التي تعرض لهذه القصص ب: "قصص الأنبياء"! مع أن الله لم يربط القص في كتابه بالأنبياء وإنما بالرسل, فقال: "وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ... [هود : 120]", وقال في آخر سورة يوسف: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ .."
ولم تأت كلمة "الأنبياء" في القرآن إلا مع القتل! وذلك في ثلاثة مواطن هي:
".. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [آل عمران: 112]", ".. وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران : 181]", " فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ ..[النساء : 155]", ولكن لأنهم يرون أن الأنبياء أكثر من الرسل, وأن النبي أعم من الرسول, فكل رسول نبي وليس كل نبي رسول, رأوا أن يسموا كتبهم ب "قصص الأنبياء"! إذا فأول تصحيح عن القصص المختص بالمرسلين أن نسميه: "قصص الرسل" وليس قصص الأنبياء!!
فإذا تركنا مسألة الاسم وانتقلنا إلى النقطة التالية لها وهي تصور الرسل, وجدنا أن الصورة التي قدّمها القرآن تختلف كثيراً عن الصورة التي قدمها العلماء لهم, فنجد أن الرسل في القرآن بشر على درجة عالية من التقوى, إلا أنهم في نهاية المطاف بشر, يسري عليهم جل ما يسري على البشر, فنجدهم يخطئون ويتسرعون, ويخافون ويغضبون ويُلامون ... الخ التصرفات والانفعالات البشرية! فإذا نظرنا في الصورة التي قدمها المفسرون والإخباريون لهم! نجد صورة مغايرة تماما, تكاد تخرجهم من حيز البشرية, وتجعلهم بشراً ليسوا كالبشر!! حتى أن "عصمة الأنبياء" أصبحت من المسلّمات المشهورة والمتعارف عليها بين المسلمين!! والعجيب أنهم تركوا كل الآيات التي عرضت الأنبياء كبشر يتصرف مثل باقي البشر, وتمسكوا بجملة قيلت في سياق آخر وهي قول الله العظيم لرسوله: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ..[المائدة : 67]", فالله يقول للرسول أنه يعصمه من الناس, أي أن الناس لن يقدروا على منعه تبليغ الرسالة أو إيذاءه, إلا أن الكلمة اقتُطعت من سياقها واستُعملت كدالٍ على شكل فريد من الحماية "العقلية القلبية" يُدرِّع الله بها أنبيائه فلا ينسون الوحي المنزل إليهم, ولا يأتون المعاصي الكبيرة, ولا الصغيرة التي تسمهم بالطبع الخسيس وتؤدي إلى نُفرة الناس منهم!! أما الذنوب الصغيرة التي لا تنفر ولا تؤثر على مسيرة الدعوة فمن الممكن وقوعها, وسرعان ما يُعاتبون عليها وينبهون إليها!
والعجيب هو قول بعضهم أن الحكمة من "جواز" وقوع المعاصي الصغيرة منهم, هو ألا يُحرموا واحدة من أعظم العبادات وهي التوبة والإنابة إلى الله الرحيم!! وهكذا جعلوا الأنبياء مسيرين غير مخيرين, يوجههم الله حيث يشاء, فلم تعد لهم نفس الجبلة البشرية! وإنما أصبحوا بشراً من نوع آخر!! ومن ثم فلم يأت البشرَ واحدٌ منهم, وإنما واحد مشابهٌ لهم في التكوين الجسدي فقط!!
وعلى الرغم من هذا التوسع الشديد في تصور العصمة والذي لا مستند واحد لهم فيه من كتاب الله!! فإن رأي أهل السنة بهذا الشأن يظل أفضل من الشيعة, الذين لم يجوزوا صدور المعصية منهم –ولا من الأئمة كذلك!!- قبل النبوة أو بعدها!!
ويُجمل الشريف المرتضي الأقوال التي طُرحت حول عصمة الأنبياء, فيقول:
"اختلف الناس في الأنبياء عليهم السلام؛ فقالت الشيعة الإمامية: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا، لا قبل النبوة ولا بعدها، ويقولون في الأئمة مثل ذلك, وجوّز أصحاب الحديث والحشوية على الأنبياء الكبائر قبل النبوّة، ومنهم من جوّزها في حال النبوّة سوى الكذب فيما يتعلّق بأداء الشريعة، ومنهم من جوّزها كذلك ـ في حال النبوّة ـ بشرط الاستسرار دون الإِعلان، ومنهم من جوّزها على الأحوال كلها. ومنعت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الأنبياء عليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغائر، ثم اختلفوا؛ فمنهم من جوّز على النبي صلّى الله عليه وآله الإِقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد، ومنهم من منع ذلك وقال إنّهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوباً بل على سبيل التأويل، وحكي عن النظّام وجعفر بن مبشر وجماعة ممّن تبعهما أنّ ذنوبهم لا تكون إلاّ على سبيل السهو والغفلة، وأنّهم مؤاخذون بذلك وإن كان موضوعاً عن أممهم بقوّة معرفتهم وعلوّ مرتبتهم. " ا.هـ
ولأن القول بالعصمة يخالف آيات كثيرة من القرآن, ذكرت صراحة عدداً من المواقف التي ليم فيها الأنبياء, بما فيهم النبي الخاتم محمد, وذكرت المعصية صراحة مع آدم –الذي يقولون بنبوته- اضطرت الشيعة لتأويل كل هذه الآية وحملها على غير وجه المخالفة أو المعصية, وجعلها من إتيان غير الأفضل أو ما شابه!! ويكفي في الرد على الفريقين, أن نذكر مشهداً من مشاهد سورة الإسراء, وهو إن لم يكن مندرجاً تحت قصص القرآن, إلا أنه كاف لإبطال هذه "العقيدة" التي ابتُدعت ابتداعا, وهو قول الرب العزيز: "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)"
فالآيات تقول أن المشركين كادوا أن يفتنوا الرسول ليفتري على الله غير الذي أوحى الله إليه, فيتوعده الله بأنه لو كان فعل لأذيق ضعف الحياة وضعف الممات! وهذا يعني أن هذه الكبيرة المضيعة للرسالة والمبطلة لها ممكنة في حق الرسول, فكيف يكون ما تحتها غير ممكن!! وحتى لا يقال أن الأمر استنتاج نذكر الأمر الصريح الذي أوحي إلى النبي ومن سبقه, فليس لهم فقط وتميز هو عنهم, وإنما جميعهم فيه سواء: " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر : 65]"
فالله أوحى إلى الرسول وإلى إخوته السابقين أنهم لو أشركوا لكانوا من الخاسرين, وإذا كان من الممكن أن يشركوا! فمن الممكن أن تصدر عنهم الكبائر والصغائر, ولو كان هذا غير ممكن لما كان هناك فائدة من هذا الوحي!!
ونختم بالآيات الصريحات التي تبطل كل ما يدندنون حوله وهي قول الرب العليم:
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)"
فالنبي يؤمر بأن يتلو نبأ شخص آتاه الله آياته فانسلخ منها! فهل هناك دليل أوضح من هذا على عدم وجود هذا الدرع الواقي الذي يتميز به الأنبياء عن باقي البشر؟! ولكن لأن المتعاملين مع القرآن يقرءونه بأفكار مسبقة ويفهمونه بقواعد مؤصلة غير مستخرجة من القرآن, فيحملونه عليها, وافقها أم خالفها!! والآيات التي نستدل بها كلها يحملونها على غير منطوقها لمخالفتها قواعدهم!!
بل إننا نجد من يسخر من التوراة مثلاً ويتهمها بالافتراء على الأنبياء في بعض المواطن, بحجة أنها مخالفة للقرآن, وذلك مثل ما قاله نضال دويكات:
"موسى متردداً في قبول التكليف:
تصور التوراة موسى عندما تلقى الأمر الإلهي بالذهاب إلى فرعون, وتبليغ الرسالة بالخوف الشديد والتردد في قبول الأمر فهو يعيش لحظات من الخوف والرهبة, فقد جاء في نصوص التوراة: (هلم أرسلك إلى فرعون, وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر, فيرد عليه موسى مستهجنا: ومن أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر؟). أقول: وليست هذه الصفات والمطاعن المحرفة الوحيدة التي تجرأ بها اليهود على نبي الله موسى في التوراة فقط, .... " ا.هـ
ولست أدري أين الاختلاف الذي أتت به التوراة في هذا الموطن إلا الاختلاف في الكلمات المستخدمة, بينما المحتوى المقدم واحد, فإذا نظرنا في القرآن وجدناه يقص عن حال موسى قائلا:
"اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)" " قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)"
فيقول أن سيدنا موسى استثقل الرسالة وطلب من الله أن يجعل له معينا, مبديا خوفه من هذا العبء الجسيم! فهنا نرى أن النبي له مطالب بشأن تحمل الرسالة!! فتأتي الطمأنة من الله أنه سيجعل لهما سلطانا فلا يصلون إليهما, -كما قال للنبي: "والله يعصمك من الناس", فهي عصمة من أن يصل إليهما الأذى, حتى يتمكنا من تبليغ الرسالة!!, فجُعلت في عدم الوقوع في المعاصي!-
وكما رأينا لم يختلف المشهد عما في التوراة, ولكنها التصورات المسبقة التي تجعل من يقرأها يفهمها كما يظن وليس كما تقول!!

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-26-2012, 06:07 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثامنة

الشمولية والحصر
يعرفنا القرآن بأن الله أرسل الرسل لئلا يكون للناس عليه حجة بعدهم: "رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ..[النساء : 165]"
ولكي تقام الحجة على الناس فلا بد أن يصل إليهم من يعرفهم ويبشرهم وينذرهم, ولقد قال الرب العليم: " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً .. [النحل : 36]"
"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر : 24]"
وهذا هو المقبول والمتوقع عقلاً, أن يقيم الله الحجة على عباده بإرسال الرسل إليهم, والتي تعرفهم بربهم وبسبل الهدى والرشاد, إلا أن الناظر في القرآن يقابل بآيات أخرى تقول أن الله حصر النبوة والكتاب في نسل معين, وهو نسل نوح وإبراهيم: "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ .. [العنكبوت : 27], "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ .. [الحديد : 26]", فكيف تتفق الشمولية مع الحصر في نسل معين؟!
نقول: ليس في هذا أي تعارض, فلقد قال الله تعالى أن كل أمة خلا فيها نذير, والنذير من الممكن أن يكون رسولاً أو غير رسول, فقد يكون تابعاً لرسول ممن جاءوا في جزيرة العرب! أو يكون رسولاً من نسل نوح قبل إبراهيم, وسيدنا نوح أقدم من إبراهيم بآلاف السنين, فلا مانع أبداً أن تنتشر ذريته في مناطق شاسعة في أنحاء البسيطة!! ناهيك عن أن الله تعالى عرّف بأن الرسالة التي وصلت لجميع البشر هي الرسالة الأصل البسيطة: عبادة الله واجتناب الطاغوت "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ .. [النحل : 36]"
بينما أتت الرسالات المفصلة لأجناس معينة عليها حمل الرسالة وتبليغها للآخرين!! والله تعالى لا يرسل أي إنسان هكذا, وإنما يصطفي ويختار الأنسب والأقدر على تحملها وتبليغها, والأنبياء في القرآن مصطفون من نسل مبارك, والناظر في القرآن يرى أن الله تعالى اصطفى منذ أول البشرية ذرية بعينها وحملها الرسالة: "إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ .. [آل عمران : 33]"
بينما تكون هناك ذرية أو ذُرّيات أخر -أقل درجة- تتلقى الرسالة من الأنبياء وتبلغه غيرها, كما كان بنو إسرائيل: "وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية : 16]"
ولقد حافظ الله على نقاء هذا النسل, فلم يختلط بغيره من الأجناس! كما حافظ على نقاء أصل الجنس العربي كله فلم يعْلُه غيره, فكان هو من يلقح غيره ولا يتلقى من غيره, وهذه مزية تفردت بها جزيرة العرب على مر التاريخ, فالملاحظ أن جزيرة العرب, وخاصة قلبها, لم تحتل يوما واحداً من أي جنس آخر, بينما احتُلت معظم دول العالم من أجناس أخرى, سواء في العصور الغابرة كما حدث مع أجدادنا الأقباط, الذين خضعوا لاحتلال الفرس والرومان, أو في العصور الحديثة, والتي خضعت فيه قارات بأكملها تقريباً للاحتلال البريطاني أو الفرنسي أو البرتغالي, أو تعرض سكانها الأصليون لإبادة منظمة, حتى أصبح الجنس الحال هو السائد المنتشر, كما حدث في الأمريكتين!! أما جزيرة العرب فلا تزال تحافظ على نقاءها وعلى بيت الله الموجود بها!!
وقد يرى عامة القراء أن الإشكالية ليست في القرآن بالدرجة الأولى وإنما في الواقع, الذي يقول أن ظاهرة الأنبياء ظاهرة تفردت بها جزيرة العرب, فلماذا لم تظهر أنبياء في مناطق أخرى من العالم القديم, والذي وُجدت فيه حضارات كبيرة؟
فنقول: هذه الإشكالية موجودة في عقول المتأثرين بالتصور التوراتي للرسول وللرسل!! فلا يشترط أن يأتي كل الأنبياء في جميع أنحاء العالم, بنفس الشكل الذي كان عليه أنبياء بني إسرائيل!! فالأنبياء الذين أرسلوا إلى هؤلاء الأقوام السابقين لموسى وإبراهيم, كانوا يحملون رسالة بسيطة وبالتأكيد لن يحملوا التقاليد الإسرائيلية! وإنما سيأتون بما يتفق مع عادات واحتياجات هذه الأقوام!
والعنصر الرئيس لإشكالية التصور هذه راجع إلى الاسم, فلقد استعمل اللسان العربي –والعبري التابع له- كلمة "نبي", المأخوذة من النبأ والنبو, وتابعتها على ذلك الحضارات اللاحقة الظهور, مثل الحضارة الغربية, والتي أسست بنيانها على خليط من اليهودية واليونانية!! فهل نتوقع أن تستعمل كل الألسنة نفس الأصل اللساني المساوي له؟!!
بالطبع لا, لذا فمن المقبول أن يكون الأنبياء في المناطق الأخرى قد حملوا أسماء غير اللفظ الذي يدل على النبوة, وأميل إلى أنهم كانوا يسمون أنفسهم بالرسل!! ولا نتوقع أن نجد في تاريخ الأمم الوثنية المشركة ما يشير إلى هؤلاء صراحة أو بحيادية!! ناهيك عن التحريف الذي أصاب الديانات السابقة!! والذي حول مجراها بدرجة كبيرة!! وأنا أرى أن زرادشت وبودا كانا نبيين مرسلين, إلا أن رسالتهما دخلها التحريف والإضافات, وبودا نفسه صرّح أنه ليس البودا الأول, وإنما سبقه أكثر من بودا !
وبالإضافة إلى بودا وزرادشت المشهورين, والذين كتب لأديانهما الانتشار, فإن هناك أدلة تاريخية على وجود غيرهم, ممن لم تُكتب لدعوتهم الانتشار, فمثلا هناك إشارات تاريخية على ظهور نبي في الصين في القرن الأول قبل الميلاد, عُرف باسم: Gan Zhongke, وقدّم نفسه باعتباره رسول من رب السماوات!! كما أن هناك آثار ديانة توحيدية في الأمم الأصلية لسكان الولايات المتحدة الأصليين, والذين كانوا يعرفون ب the Iroquois Nation .
وهناك غيرها العديد والعديد من الأدلة التي تقول بمعرفة البشر بالأديان السماوية, ولا يتوقع القارئ أن تظهر آثار الأديان بوضوح في الآثار المكتشفة, فالأديان في جميع العصور عنصر مُهمّش, حتى لو كان هو العلامة المميزة للشعب, فانظر في المنتجات التي تنتجها الدول الإسلامية في زماننا هذا –وفي الأزمنة السابقة- هل تجد فيها ما يدل على أننا مسلمون أو مؤمنون بالله؟! لن تجد في الأكثرية الساحقة ما يشير إلى ذلك, وإنما ستجد ذلك في كتب الدين, فإن لم توجد انعدم الدليل!! لذا فإنه من الحمق البحث عن آثار للدين في آثار الأقدمين خاصة, لأنه لن يجد إلا ما كانت تتبناه الحكومات, أما المخالف فكان يُعدم, ناهيك عن أن آثار الأديان تظهر في النفوس بالدرجة الأولى, أكثر مما تظهر في الأبنية.


عدد الرسل

لا خلاف بين المسلمين في أن الله العليم لم يذكر لرسوله الكريم في القرآن كل الأنبياء والرسل الذين أرسلهم إلى عباده, وإنما ذكر له بعضهم وأحسن قصصهم, ودليلهم في هذا قول العليم: "وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ... [النساء : 164]"
ولقد ذكر القرآن عدداً من الشخصيات, اتفق العلماء على كون بعضها من الرسل واختلفوا في الآخرين, فاشتهر بين المسلمين أن الأنبياء المذكورين في القرآن بالاسم خمسٌ وعشرون نبياً هم: "آدم، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل, إسحاق، يعقوب، يوسف، اليسع، ذو الكفل، أيوب، إلياس، يونس، شعيب، موسى، هارون، داود، سليمان، إدريس, زكريا، يحيى،, عيسى، محمد."
والناظر في القرآن يجد أنه أثبت النبوة أو الرسالة لكل هؤلاء صراحة, إلا آدم, فلم يسمه يوماً نبياً أو رسولاً, ولم يذكر له رسالة إلى أي قوم!!
والناظر في الأدلة التي استدل بها القائلون بنبوته يجد أنها آيات لا تختلف عن تلك الآيات التي رأوا أنها لا تنهض للحكم الجازم بالنبوة, فاستدلوا بأن الله تعالى أوحى إليه, ويرد عليهم بأنه أُوحي كذلك إلى ذي القرنين وإلى العبد الصالح مع موسى –المعروف بالخضر- ولم يكن هذا كافياً عندهم للحكم بالنبوة, ولقد وردت رواية عن النبي عند الحاكم تقول: "ما أدري تبع أنبيا كان أم لا وما أدري ذا القرنين أنبيا كان أم لا وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا "
والدليل الذي جعلهم يقولون بنبوة آدم جازمين بذلك, مخالفين كل آيات الكتاب, هو الرواية التي رواها الطبراني, والتي تقول:
"حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام قال: سمعتُ أبا سلام قال: سمعتُ أبا أمامة أن رجلا قال: "يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟" قال: "نعم"، قال: كم كان بينه وبين نوح وإبراهيم؟" قال: "عشرة قرون". قال: "كم كان بين نوح وإبراهيم؟" قال: "عشرة قرون". قال: "يا رسول الله كم كانت الرسل؟" قال: "ثلاث مئة وثلاثة عشر". ا.هـ
ولست أدري كيف قُبلت مثل هذه الرواية –المصدقة لما في التوراة!- المخالفة للقرآن, والذي يقول: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ... [النساء : 163]", فجعل نوحا أول الأنبياء وكل الأنبياء بعده!
كما أنها مخالفة لأحاديث أقوى سنداً من هذه, فنجد أن البخاري يروي في حديث الشفاعة الطويل: "... فَيَأْتُونَ آدَمَ (عليه السلام) فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ألا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ! وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي, اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا .. " ا.هـ
فكما رأينا, لم يقل له الناس في هذه الرواية: أنت أول أنبياء الله, أو حتى: أنت نبي, وإنما خاطبوه بأنه أبو البشر, وعندما ذهبوا إلى نوح يخاطبونه بأنه أول الرسل, فكيف تُجعل مثل هذه الروايات الضعيفة السند, المخالفة للقرآن في مواطن كثيرة , دليلاً على مثل هذا القول!

فإذا تركنا عدد الرسل المذكورين بالاسم في القرآن, وأردنا أن نعرف عدد الرسل بشكل عام, نجد أن القرآن لم يذكر لهم عدد, وقال أنه قص على النبي منهم ولم يقص آخرين, فإذا نظرنا في السنة وجدنا بعض الروايات قد أخبرت بعدد الرسل, فنجد الإمام أحمد يروي في مسنده: "عن ‏أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله ، كم المرسلون ؟ قال : ثلاثمائة وبضعة عشر‏‏، جما غفيرا. " ‏
فنجد أن هذه الرواية قد ذكرت عدد المرسلين وحددته بأنه ثلاثمائة وبضعة عشر, وهو عدد مقبول عقلاً ولا إشكال فيه, إلا أننا نجد رواية أخرى ذكرت عدد الأنبياء, جاء فيها: "قال أبو ذر: قلت يا رسول الله: كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ‏ألف، وأربعة وعشرون ألفا، والرسل من ذلك: ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا " ‏
فجعلت عدد الأنبياء عدداً مهولاً, ولست أدري لمن أرسل هؤلاء كلهم في الأزمنة الغابرة, والتي كان عدد البشر فيها أقل بكثيرٍ من الآن؟! وكيف غفل التاريخ عن كل هؤلاء فلم نجد لهم أي أثر؟! إن هذا العدد المذكور مبالغٌ فيه بشكل كبير, ولكنه يتفق مع التصور التوراتي للأنبياء, والذي يجعل سبعين منهم يقتلون في يوم واحد, ويجتمع منهم أربعون في مكان واحد!! كما أنه يتفق مع الرقم الوارد في التراث اليهودي, والذي يرى أن الأنبياء كذلك 124000نبي!!
وبغض النظر عن ضعف هذه الأحاديث , فلقد قال الله: "وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ...[النساء : 164]", وهذا يشير إلى كثرة الأنبياء, دون تحديد بعدد, وهذا مما لا فائدة في معرفته!!

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-26-2012, 06:09 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة التاسعة

الرسل والزبر
إذا سألت أي مسلم: من هو النبي الذي أتاه الله زبورا؟ ستأتيك الإجابة أنه نبي الله داود, فلقد قالها الله تعالى في كتابه مرتين: "... وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً". فإذا سألت: ما هو الزبور؟ ستأتي الإجابة بأنه هو المزامير الموجودة في كتب اليهود والمسيحيين, والمنسوبة إلى داود عليه السلام.
فإذا تساءلنا: هل لهذه الإجابة مستند في القرآن؟! وجدنا أن القرآن لم يقل أن الله آتى داود الزبور, وإنما آتاه زبورا, كما قال أنه هناك غيره من الأنبياء جاءت بالزبر, -وهذا يعني أن كل واحد منهم أوتي زبوراً أو أكثر- كما في قوله: " فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [آل عمران : 184]", "وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر : 25]"
فهل يمكن أن يكون زبور داود مزامير؟! نقول: هذا من المستبعد, فالزبور الذي أوتاه داود كان وحياً من الله, بينما المزامير هي مجموعة من الابتهالات والأشعار, كان يناجي بها داود ربه! والله لن يعطي نبياً أذكاراً, وإنما يعطيه كتابا محكما ذي قوة, وهذا ليس ثمة كتاب ابتهالات !!
وعلى الرغم من أن القرآن لم يبين لنا المحتوى الذي كان في الزبر, إلا أننا يمكننا استنتاج محتواه استناداً إلى اللسان, فإذا نظرنا في الكلمة وجدنا أن "زبور" على وزن فعول, وهي وزن يفيد المبالغة مثل صبور وشكور, ومن ثم فإنه من المفترض في هذا الكتاب أن يكون كثير الزَبر, فإذا تركنا المدلولات المادية للكلمة وجدنا أن المدلول المعنوي الرئيس لها هو النهر والزجر الشديدان, كما جاء في لسان العرب: "وزَبَرَه يَزْبُرُه، بالضم، عن الأَمر زَبْراً: نهاه وانتهره. وفي الحديث: إِذا رَدَدْتَ على السائل ثلاثاً فلا عليك أين تَزْبُرَه, أَي تَنْهَرَهُ وتُغْلِظ له في القول والرَّدِّ والزِّبْرُ، بالفتح: الزَّجْرُ والمنع لأَن من زَبَرْتَه عن الغيّ فقد أَحْكَمْتَهُ كَزَبْرِ البئر بالطي " ا.هـ
ومن ثم يمكننا القول أن الزبور أو الزبر هي كتب لا تحتوي أحكاما وإنما "مواعظ", فالتعريف بالرب الخلاق العليم وأفعاله والتذكير بالآخرة والتعريف بما فيها من الثواب والعقاب والتذكير بأحوال السابقين, وضرب الأمثل, هو أكبر مزبر للإنسان, يرده عن غيه وعن أفعال السوء!
بعد أن بيّنا أن الزبور ليس ابتهالات, ننتقل إلى نقطة أخرى وهي من أوتي زبورا, وعلى الرغم من إقرار المفسرين أن هناك آخرين أوتوا زبُرا, نجد تعاملاً عجيباً مع الآية التي تقولها صراحة, أن الله آتى رسلاً غير داود زبوراً, فإذا نظرنا في الآية الشهيرة التي يستدل بها على عدم تحديد عدد الرسل في القرآن وجدنا أنها تُنزع من سياقها, فيكون الاستدلال بها غير قويم, فإذا عرضناها في سياقها وجدنا الرب العليم يقول: " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ..[النساء :163-164]"
فإذا نظرنا في تعامل المفسرين معها وجدنا أنهم قد اختلفوا في مبرر نصب قوله "ورسلا", فنجد أنهم قد قدموا عدداً من المبررات الافتراضية, التي تستبعد النص, فإذا نظرنا في توجيه الإمام الألوسي مثلاً للآية وجدناه يقول:
"وَرُسُلاً" نصب بمضمر أي أرسلنا رسلاً؛ والقرينة عليه قوله سبحانه: "أَوْحَيْنَا" [النساء : 163 ] السابق لاستلزامه الإرسال، وهو معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه، وقيل: القرينة قوله تعالى: "قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ" لا أنه منصوب بقصصنا بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل، ولا أنه منصوب بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل كما قيل لخلوه عما في الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء، ثم في إيتاء الكتاب، ثم في الإرسال، فإن قوله سبحانه: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ" [ النساء: 163 ] منتظم لمعنى "آتيناك" [ طه : 99 ] و "أرسلناك" [ البقرة : 119 ] حتماً فكأنه قيل: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان، وآتيناك مثل ما آتينا فلاناً، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء " ا.هـ
ولست أدري ما الذي يجعل الإمام الألوسي وغيره لا يقولون بعطف "ورسلاً" على "داود"! فيكون الله قد آتى داود زبورا, وآتى رسلاً قد قصهم على النبي من قبل ورسلاً لم يقصصهم عليهم "زبرا", وهذا يعني أن الزبر التي أنزلها الله على رسله كثيرة, بينما لم ينزل إلا عدداً قليلاً من الكتب!!


تشويه أم قتل؟!
من البشر اختار الرب العليم بشراً ليكون رسله إلى جنسهم, ليقدموا لهم طريق الهدى والرشد, وليكونوا خير دليلٍ على واقعية المنهج المقدم وعدم مثاليته, فإذا صلح مع هؤلاء, فهو حتماً صالح لباقي البشر!
والرسل في التصور القرآني بشر من البشر, إلا أنهم يمثلون القدوة الحسنة والنموذج الأعلى للبشر, الذي يجب عليهم الإقتداء به والسعي للوصول لدرجته, إلا أنهم يبقون في نهاية المطاف بشراً , تسري عليهم كل العوارض البشرية. وعلى النقيض من هذا تماماً كانت المسيحية واليهودية, فلقد أعلت المسيحية مقام النبي حتى جعلته إلها, ونزلت بهم اليهودية إلى درجة سفلة العوام, الذين لا يتورعون في كثير من الأحايين عن إتيان المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها, بينما يكونون في مواقف أخرى على درجة كبيرة من التقى والتورع! تدفع الإنسان إلى الظن أن هؤلاء الأنبياء يعانون من انفصام حاد في الشخصية!
والناظر في كتابات الإسلاميين حول التوراة يجد أنها تركز تركيزا كبيراً على هذه المسألة, ليبرزوا الاختلاف الشاسع بين القرآن والتوراة في تصور الأنبياء, -ولهم كل الحق في هذا- وكيف أن القرآن أتى ليُطهر هؤلاء الأنبياء من التهم والأوصاف الشنيعة التي أُلصقت بهم!
وهنا قد يتساءل متدبر: إذا كان هذا فعلاً من أغراض القصص, فلماذا لم يشر القرآن إلى ذلك, أو حتى لماذا لم يلم اليهود على فعلهم هذا, حتى نعلم أنه كان يقصد هذه الغاية فعلاً, وليس أنه اجتهاد من المسلمين لإكساب النص مزيداً من الرفعة وسمو الغاية؟!
فنقول: لم يغفل القرآن هذه النقطة, فلقد ذكرها في أكثر من موطن, ولكنها لم تُفهم فهماً صحيحا, مما جعل بعض المتأخرين يظن أنها من التوجيهات العقلية للمسلمين لقصص القرآن! ولكن القرآن لم يستعمل نفس المصطلح الذي نستعمله في أيامنا هذه "تشويه سيرة الأنبياء", وإنما استعمل مفردة أخرى, تحمل معنى أكثر ملائمة ومطابقة للفعلة, وهي: "قتل الأنبياء"!
وهذا النعت مما اشتهر به اليهود عند المسلمين, فنحن نسميهم: "قتلة الأنبياء" وذلك لأنهم قتلوا كثيرا من الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم, إلا أن الناظر في القرآن يجد أن النعت القرآني لهم يقول أنهم لا يزالون يقتلون الأنبياء! وذلك كما جاء في قوله: " لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ [المائدة : 70]", "وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران : 21]"
فنلاحظ أن الله العليم استعمل الفعل الماضي مع التكذيب "فريقا كذبوا" واستعمل المضارع مع القتل في الآيتين, فكيف يكون اليهود لا يزالون يقتلون الأنبياء, الذين يفترض أنهم لم يكذبوهم ؟!
نقول: إن الفهم الجزئي للفظة "قتل" هو الذي أدى إلى هذا الفهم! فبعض المفسرين أوّل المضارع في قوله تعالى "يقتلون" في سورة المائدة وقال أنه بمعنى "قتل" ومنهم من أوّل "النبيين" في سورة آل عمران وقال: ليس المراد حتما كل النبيين, فاليهود أو بنو إسرائيل لم يقتلوهم كلهم وإنما قتلوا بعضهم أو قليلا منهم! لذا نحاول أن نستخرج المعنى العام للكلمة لنبصر ماذا تعني:
إذا نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول: "القاف والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إذلالٍ وإماتةٍ. يقال: قتَلَهُ قَتْلاً. (...) [ويقال: تقتَّلت الجاريةُ للرّجُل حتَّى عَشِقَها، كأنَّها خَضَعَتْ له. قال]: تقَتَّلتِ لي حتَّى إذا ما قتلتِني تنسَّكْتِ، ما هذا بفعل النواسِكِ. وأقتَلتُ فلاناً: عرَّضْته للقَتل. وقلبٌ مُقَتَّلٌ، إذا قَتَّلَهُ العِشْق. قال امرؤ القيس: وما ذَرَفَتْ عيناك إلاّ لتَضرِبي ** بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ.
قال أهلُ اللُّغة: يقال قتِلَ الرّجل، فإنْ كان من عشقٍ قيل: اقْتُتِل، (...) وقُتِلت الخمرُ بالماء، إذا مُزِجَت؛ .. " ا.هـ
وكما رأينا فهناك معنيان أصليان للكلمة, وليس معنىً واحدا, ونلاحظ أن ابن فارس جعل "الإماتة" المدلول الثاني لها وليس الأول, لذا ننظر في كتاب الله لنر, هل استعمل الرب العليم الكلمة بالمعنى الأول لها!
بالنظر في كتاب الله نجد مجموعة من الآيات استُعملت فيها كلمة "القتل" بغير معنى الإماتة, ويقر المفسرون جميعاً بذلك وإن كانوا يقولون أن المراد من القتل هو اللعن, نبدأها بقوله تعالى: "قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات : 10]" والآيات التالية لها تقول: "الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين" فالخرَّاصون الذين قُتلوا هم في غمرة ساهون, فيستحيل حمل القتل هنا على المعنى الأخير وهو الإماتة ويجب حمله على الإهانة واللعن!
فإذا انتقلنا إلى سورة المدثر وجدنا الرب الخبير يقول: "إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [المدّثر: 18-20]" فهل من الممكن أن يقتل الإنسان مرتين؟ ثم إن هذا الشخص يقوم بأفعال تالية بعد قتله مرتين متباعدتين: "ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر .." فهذا يدل على أن القتل هنا حتما بمعنى الإذلال واللعن. ونجد نفس المعنى في سورة عبس, ففيها يقول الله تعالى: "قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس : 17]" أي لعن الإنسان لعنا شديدا وأهين إهانة بالغة ما أكفره! وفي سورة البروج نفس المعنى: "قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ [البروج : 4]" فلقد لعن أصحاب الأخدود, وهم الذين ألقوا المؤمنين فيها, ويدلل على ذلك قوله تعالى: "إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ" فهنا دليل على كون القتل بمعنى الإذلال واللعن!
والعجيب أن السادة المفسرين فهموا هذه الآيات على هذا الفهم ولكنهم عند تعاملهم مع آيات قتل بني إسرائيل الأنبياء, فهموها كلها على أنها في المعنى الأخير مما اضطرهم إلى القول بالمجاز! فإذا نحن نظرنا في هذه الآيات وجدنا الله تعالى يقول: ".. وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [البقرة : 61]"
والناظر في هذه الآية والآيات التاليات يجد أن الله تعالى يُتبع قتل الأنبياء دوما ب "بغير الحق" أو ب "غير حق" وهذا من المفترض أنه معلوم بداهة, لهذا نجد أن الإمام الرازي قد توقف عند هذه النقطة فقال:
"لم قال: "بِغَيْرِ الحق" وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟ الجواب من وجهين: الأول: أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: "وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق" أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه. وثانيها: أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى: "وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ" ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان. وثالثها: أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا: أليس أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال: القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق " ا.هـ
أما نحن فنقول أن قتل الأنبياء كان بغير الحق ! فكما يقتل إنسان آخر بالسكين, فكذلك هم كانوا ولا يزالون يقتلونهم بالباطل وبما ينسبونه إليهم من الكذب والزور والبهتان, فهذا هو القتل بغير الحق الذي قتل به اليهود الأنبياء ولا يزالون! وباقي الآيات تؤكد هذا المعنى, فنجد المولى يقول: "... قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة : 91]", فالآية تلوم عليهم قتلهم الأنبياء وهو فعل بدأ من زمن طويل ولا يزال مستمرا!
فالله تعالى يلوم عليهم فعلا بدأ ولا يزال مستمراً وهو قتلهم الأنبياء بإهانتهم ووصفهم بما لم يقوموا به وما لم يصدر عنهم, وهذا ما فعله اليهود مع الأنبياء ولا يزالون يفعلون! فالناظر في صورة أنبياء بني إسرائيل في كتبهم يجدها قبيحة بشعة, فلقد شوه اليهود صور أنبيائهم كلهم تقريبا, فلم يتركوا نبياً إلا وناله من الوصف القبيح المشين ما يستحق من أجله اللعن والاحتقار والذم . -وحاشاهم أن يصدر ذلك منهم!- فنوح سكر وتعرى ولعن ذريته من أجل تفاهات وإبراهيم رجل لا غيرة له ويغامر بزوجه –معاذ الله- ولوط يسكر وتخدعه بناته حتى يواقعهما –وهذا يعني أنه كان في حالة سكر شديدة لا يميز فيها!- وداود يغش ويقتل ويزني وسليمان يعبد الأصنام! وهارون يصنع العجل, ... وسيل الاتهامات طويل لا ينقضي وما ذُكر هو غيض من فيض! وبفعلهم هذا وتدوينهم هذا في كتبهم فلقد قتلوا الأنبياء, وكل جيل يأتي ويؤمن بهذا الكلام المدون في الكتب فهو يقتل الأنبياء ويصد عن سبيل الله الحكيم, لأنه بهذا يحقر وينزع النموذجية والمثلية العليا المتمثلة في المصطفين من الله العليم وينزع الحكمة من فعل الله العلي, وحاشا لله أن يخلو فعل له من الحكمة, ولكن اليهود يقبلون بذلك في مسلسل إرسال الله للأنبياء وليس في نبي واحد !
ونخلص من هذا بأن الله العليم تكلم في كتابه الكريم عند إخباره عن قتل اليهود للأنبياء عن نوعين من القتل: قتل ولى وانقضى ومضى, وهو الإماتة والتي حدثت من بني إسرائيل تجاه بعض الأنبياء, وقتل آخر مستمر إلى أن يشاء الله تعالى وهو متعلق بكل الأنبياء تقريبا فلم ينج منه نبي, لأنهم شوهوا صورتهم كلهم فلم يعد لهم أثر يذكر!! وهي عملية قتل مستمرة تقوم بها كل الأجيال اليهودية –والمسيحية تباعا- بإيمانهم بالشين المدون في كتبهم والمنسوب إلى رسلهم! ودفاعهم عنه ومحاولة إيجادهم تبريرات منطقية لهذا الكذب والبهتان, ومن ثم فهم مستحقون وبجدارة لقب: قتلة الأنبياء.
إذا فمحاولة المسلمين تبرئة الأنبياء من الأوصاف الشنيعة التي ألصقت بهم هي نزول على الآيات, التي عاب الله فيها على اليهود فعلتهم, وإتباع لها, وليس ابتكاراً من عند أنفسهم.

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::