العودة   Amrallah > صيد الشبكة!
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 03-07-2010, 07:40 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي مشروعات بحثية حول النصرانية


بسم الله الرحمن الرحيم
المقال للأستاذ معتز الحسيني من منتدى المعتزلة

[1] المسيح والمسيحيون والنصارى

المسيح
ورد لفظ (المسيح) في القرآن في 11 موضعا منها قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء : 171).

أما عن الإشتقاق الصرفي للفظ (المسيح)، فأصله هو الفعل الثلاثي المجرد (مسح)، وكلمة (مسيح) جاءت على وزن (فعيل) بمعنى (مفعول) للدلالة على من قام به الفعل. أصل الكلمة باللسان العبراني القديم هو فعل מָשַׁח (ينطق: مشخ) والذي يدل في المفهوم اللاهوتي التوراتي على مسح أو دهن الإمام الديني بالزيت المقدس ومنه جاء لفظ (المسيح) הַמָּשִׁח (ينطق: هَمَّشِيخْ). أي الإمام الممسوح / المدهون بالزيت المقدس. إضافة لذلك المعنى اللاهوتي ربما كان للفظ (المسيح) دلالة بيولوجية وهي كونه ممسوحا / خاليا من الصفات الوراثية لكونه آية من الله تعالى حيث خلقه الله تعالى بأمر تكويني منه فكان جنينا في رحم العذراء البتول مريم سيدة نساء العالمين عليها السلام. على هذا فهو لا يحمل صفات وراثية من جهة الوالد لأنه لا والد له.

المسيحيون والنصارى
كلمة (المسيحيون) جمع سالم للمذكر ومفرده (المسيحي)، وهو تركيب من جزئين (المسيح) و(ي) حيث تدل الياء على النسبة أي إنتساب صاحبها إلى (المسيح). لم يرد لفظ (المسيحيون) في القرآن الكريم إطلاقا وإنما جاءت تسميتهم بلفظ (النصارى) حيث جاء ـ معرفا و منكرا ـ في 14 موضعا منها قول الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة : 30) حيث توضح تلك الآية الشريفة مفهوم النصارى وتعينهم بقوله تعالى حكاية عنهم (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فكل من زعم أن (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فهو نصراني.

الترجيح بين اللفظين
يصر النصارى ـ المعاصرون ـ على تسمية أنفسهم مسيحيين اتباعا لتسمية الأعاجم أنفسهم مثلا بلفظ Christians بينما من يقرأ مؤلفات النصارى من العرب القدماء يجد أنهم أطلقوا على أنفسهم لفظ (نصراني) ومشتقاته مثل (نصرانيون) و(نصرانيين) و(نصارى) وغير ذلك من الألفاظ. ومن المعلوم عند من له إلمام بالأديان المقارنة أن تلك التسمية هي التسمية الصحيحة لكل من زعم للمسيح نسبا إلهيا. لعل سائلا يسألني فيقول: فما دليلك على صحة لفظ النصرانية وخطأ لفظ المسيحية؟ أقول: لنرجع إلى رأس الأدلة في دينهم وأعني به (العهد الجديد) وتحديدا سفر (أعمال الرسل) لنقرأ كيف نسب اليهود إلى مقدم أهل الصليب بولس Paulus الإنتماء والدعوة للنصرانية. حاكم اليهود Paulus إلى الوالي قائلين:

(5 فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ، 6 وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا، أَمْسَكْنَاهُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِنَا) (أعمال الرسل 24 : 5 - 7).

هكذا نقرأ بكل وضوح وصفهم Paulus بأنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ). تقول موسوعة الأديان الألمانية ـ إنطلاقا من النص السابق ـ ما يلي:

Die Christen werden im N. T. (Apg. 24, 5) allgemein als Nazaraeer bezeichnet

أي: يطلق على المسيحيين بصفة عامة في العهد الجديد (أعمال الرسل 24 ، 5) تسمية نصارى Nazaraeer

نعود مرة أخرى لمحاكمة بولس الرسول النصراني لنستمع إلى جوابه التفصيلي. يقول بولس:

(10 فَأَجَابَ بُولُسُ، إِذْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْوَالِي أَنْ يَتَكَلَّمَ:«إِنِّي إِذْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ قَاضٍ لِهذِهِ الأُمَّةِ، أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ. 11 وَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا مُنْذُ صَعِدْتُ لأَسْجُدَ فِي أُورُشَلِيمَ. 12 وَلَمْ يَجِدُونِي فِي الْهَيْكَلِ أُحَاجُّ أَحَدًا أَوْ أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ، وَلاَ فِي الْمَجَامِعِ وَلاَ فِي الْمَدِينَةِ. 13 وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الآنَ عَلَيَّ. 14 وَلكِنَّنِي أُقِرُّ لَكَ بِهذَا: أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هكَذَا أَعْبُدُ إِلهَ آبَائِي، مُؤْمِنًا بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ) (أعمال الرسل 24 : 10 - 14)

كانت التهمة الموجهة إليه أنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ ...) وقد أقر بولس نفسه بذلك ولم ينكر عليهم لفظ (النَّاصِرِيِّينَ). إن قديس النصارى بولس الرسول ـ مؤسس الديانة النصرانية التثليثية ـ قد أقر لفظ (ناصريين) فما بال أتباعه يعدلون عنه ويستبدلونه بلفظ آخر؟

في النهاية تجدر الإشارة إلى ملحوظتين:

[1] تسمية النصارى بالناصريين تسمية غير دقيقة، والصواب هو لفظ (النصارى) وهو اللفظ الذي تشير إليه الترجمة اللاتينية: Nazaraeer

[2] ذكر أحد معلمي الكنيسة واسمه Hieronymus (توفي 420 ميلادية) وجود إنجيل يسمى إنجيل النصارى: Nazaraeerevangelium

كل ذلك يؤكد صحة تسمية (نصارى) وأصالته في أدبيات النصارى القدماء وآبائهم الأولين، وخطأ تسمية (مسيحيين) لاهوتيا ولسانيا ولكن أكثر القوم لا يعلمون.

[2] يسوع أم عيسى؟ - دراسة لسانية

بدأ متى الإنجيلي كتابه (أول كتب العهد الجديد النصراني) بالعبارة التالية:

(كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ ...) (متى 1 : 1).

إذا تأمل كل واحد منا في لفظ (يسوع) - ي س و ع - الوارد في النص المتقدم حق له أن يسأل نفسه: ما هو الأصل اللساني لذلك اللفظ؟ إن ذلك اللفظ يحتوي على حرفين من أحرف العلة Vokale هما (ي / و) وحرفين من أحرف السكون Konsonanten هما (س / ع)، فمن أين جاء حرف العين ( ع ) وهو أحد الحروف الحلقية Gutturale التي تخلو منها اللغات الهندوجرمانية كاليونانية واللاتينية؟ إن لفظ (يسوع) يكتب باللاتينية هكذا Jesus ولا يحتوي أي حرف من تلك الأحرف اللاتينية الخمسة على حرف ( ع ) فمن أين جاء ذلك الحرف؟ ويكتب باليونانية القديمة هكذا Ἰησοὓ ولا يحتوي أي حرف من تلك الأحرف اليونانية الخمسة على حرف ( ع ) فمن أين جاء ذلك الحرف؟ إن اليونانية القديمة هي اللغة المكتوب بها أقدم النسخ المعروفة للعهد الجديد، واللاتينية هي اللغة المكتوب بها أقدم الترجمات المعروفة للعهد الجديد، وكل لغة منهما تخلو من حرف ( ع ) الحلقي المميز للغات السامية كالعبرية والآرامية والعربية وغيرها من الغات السامية شمالية كانت أم جنوبية. إن السر في خلو هاتين اللغتين من حرف العين يكمن ببساطة في حقيقة واضحة جدا وبديهية عند من حاز قدرا أوليا من التعليم المدرسي وهي: ما كان "يسوع" يونانيا ولا لاتينيا ولكنه كان يهوديا ذا لسان عبراني Hebraeisch وآرامي Aramaeisch، وأن العهد الجديد المكتوب باليونانية القديمة Altgriechisch واللاتينية Lateinisch ما هو إلا نسخ منقولة عن اللسان الأم للمسيح، لذلك حق للباحث أن يسأل النصارى:

لقد تحدث يسوع اليهودي العبراني باللسان الآرامي ولم يتحدث باليونانية ولا اللاتينية فلماذا نجد العهد الجديد المقدس لديكم مكتوبا بذينك اللسانين؟ أين تعاليم ومواعظ يسوع التي بثها بلسانه الأم؟

إنني أسألكم ـ معشر النصارى ـ عن المخطوطات الأصلية وليس عن الترجمات مهما كانت قديمة. إلى أن يتفضل أصدقاؤنا النصارى بالإجابة العلمية ـ وما هم بفاعلين لأنه لا إجابة لديهم ـ دعونا نواصل موضوعنا عن اسم المسيح.

حرف العين
لقد كان يسوع المسيح يهوديا من بني إسرائيل، وكانت الآرامية قد أخذت في فرض نفسها على المجامع العلمية اليهودية حتى أضحت اللسان العلمي الأول بينهم، وشهدت العبرانية ـ لغة العهد القديم ـ تراجعا كبيرا أمامها. بهذا نعلم أن اللسان الأم ليسوع لم يكن يخرج عن لسان قومه العبري الآرامي، وأنه قدم رسالته إلى الناس بأحد هذين اللسانين أو بكليهما لكنا لا نجد أثرا لهما اليوم عند النصارى، بل نجد أن أقدم (الترجمات) عندهم مكتوبا بلسان اليونانيين، وثاني أقدم (الترجمات) عندهم مكتوبا بلسان اللاتينيين. إن اللغات السامية ـ كالعبرية والآرامية والعربية وغيرها ـ تتميز بظاهرة صوتية مميزة هي أحرف الحلق Gutturale وهي في اللسان العبراني القديم أربعة:

- الهمزة ورسمها هكذا א

- الهاء ورسمه هكذا ה

- العين ورسمها هكذا ע

- الحاء ورسمه هكذا ח

مع ملاحظة أن مخرج حرفي الهمزة والهاء هو آقصى الحلق أي أدناه إلى جهة الصدر ومخرج حرفي العين والحاء هو وسط الحلق. حينما نتأمل لفظ (يسوع) مرة أخرى نجد أن به حرفين ساكنين اثنين فقط هما السين ( س ) والعين ( ع )، كما نلاحظ أن حرف السين يأتي متقدما على العين فمن أين جاء ذلك الترتيب؟ إننا ـ كما اتفقنا ـ لن نجد ضالتنا في اللسان اليوناني ولا اللاتيني ولكنا نجدها في اللسان العبراني حيث يرسم حرف السين هكذا שׂ وحرف العين هكذا ע كما تقدم. إن لفظ (يسوع) لم يرد في العهد القديم بهذه الصورة ولكن وردت ألفاظ أخرى قريبة، فمثلا:

- لفظ (يوشع) وأصله (ش / ع) بعد حذف حرفي العلة، فنجده يتفق مع مادة (يسوع) وأصلها (س / ع) في موضع حرف العين آخر الكلمة، لكنه يختلف معه في الحرف الساكن وهو الشين ( ش ) بدلا من السين ( س ). إن النصارى حينما يتحدثون عن المسيح فإنهم لا يسمونه (يوشع) ولا حتى (يشوع) لكنهم يركزون على حرف السين فيسمونه (يسوع). لذلك لا بد من البحث عن اسم آخر يحتوي على حرفي السين والعين.

- لفظ (عيسو) الوارد في سفر التكوين:

(19 وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ. 20 وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانَ أَرَامَ. 21 وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22 وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ» ...) (تكوين 25 : 19 - 25)

إن (عيسو) ذاك كان الإبن البكر لإسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وهو لفظ يتركب ـ بعد حذف حرفي العلة ـ من الساكنين ( ع ) و ( س ) بتقدم حرف العين على حرف السين. إننا نلاحظ التطابق التام بين لفظي (عيسو) و(عيسى) وذلك من النواحي الآتية:

- يحتوي كل واحد منهما على أربعة حروف: إثنين معتلين واثنين صحيحين.

- تطابق تام للأحرف الثلاثة الأولى لكل منهما. أما الحرف الأخير وهو حرف معتل فمختلف ويخضع في ذلك لقاعدة نحوية شهيرة في اللغات السامية هي قاعدة الإعلال والإبدال.

- تقدم حرف العين على حرف السين.

نخلص ـ للآن ـ أن لفظ (يسوع) هو ترجمة عربية للفظ Ἰησοὓ اليوناني أو لفظ Jesus اللاتيني وهي ترجمة خاطئة تماما لخلو ذينك اللسانين من حرف العين الحلقي. أما الإسم الأصلي للمسيح فغير معروف ـ للنصارى ـ لفقدان الوثائق الأصلية واعتمادهم في عقيدتهم على لسان لم يتكلم به المسيح في حياته قط. إن على النصارى أن يختاروا الآن أحد بديلين وردا في العهد القديم، فإما أن يطلقوا على المسيح اسم (يوشع) على غرار النبي يوشع بن نون صاحب موسى عليه السلام، وإما أن يطلقوا على المسيح اسم (عيسو) على غرار عيسو بن اسحاق توأم يعقوب بن اسحق عليهم السلام.

اسم المسيح بين عيسو وعيسى
لا يوجد أي اختلاف بين لفظي (عيسو) و(عيسى) لأن الجذور في الألسنة السامية تبني على أساس الحروف الصحيحة وهنا نجد التطابق التام بين الإسمين حيث يحتوي كل منهما على حرفي ( ع ) و( س ) وبنفس الترتيب. تجدر الإشارة أخيرا أن لفظ (عيسو) العبراني ويرسم هكذا עִשָׂו مشتق من مادة (ع / س / هـ ) ويرسم هكذا עָשָׂה ويدل على معاني الصنع والإيجاد وغالبا ما يستخدم للدلالة على المعجزات الإلهية كما قال العلامة البروفيسور برنهارد شتاده Bernhard Stade في قاموسه العبراني القيم المطبوع في ألمانيا عام (1893). من هنا نفهم أن المسيح عليه السلام إنما سماه الله تعالى في القرآن الكريم (عيسى) لحكمة بالغة وهي أن ذلك الإسم يدل في لسانه الأم على الصنع، إشارة لكونه مخلوقا حادثا، وكدليل على أن حدوثه تم بآية خارقة للنظام الكوني وهي حدوثه من أم دون أب على الإطلاق. بهذه المناسبة أختم خاطرتي تلك بقول الله تعالى:

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء : 171)

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-07-2010, 09:15 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


[3] عيسو עִשָׂו

أدعو حضرات السادة والسيدات في البداية لقراءة النص التالي من سفر التكوين، الإصحاح 25، العدد من 19 إلى 26:

(وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ. 20 وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانَ أَرَامَ. 21 وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22 وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ». 26 وَبَعْدَ ذلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو، فَدُعِيَ اسْمُهُ «يَعْقُوبَ». وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْهُمَا) (التكوين 25 : 19 - 26)

يتركب اسم (عيسو) في اللسان العبراني من ثلاثة أحرف: حرفان صحيحان هما العين ע المكسورة، والسين שׂ المضمومة لحركة المناسبة، وحرف واحد معتل هو الواو ו الساكنة المضموم ما قبلها وفقا لقراءة اليهود المازوريتيين. من المعرف في العلوم اللسانية أن بناء الكلمة في اللغات السامية ـ كالعبرانية والعربية ـ يقوم على الحروف الصحيحة (الصامتة) Konsonanten فهي وحدها التي تؤدي المعنى العام، أما الحروف المعتلة Vokale والحركات القصيرة والطويلة فتقتصر وظيفتها على تأدية المعاني الإشتقاقية والصرفية مثل: كتب، يكتب، كتاب، كاتب، ...، حيث تدل الحروف الصحيحة الأصلية (ك / ت / ب) على معنى التسمية أي على المسمى. إذا عمدنا إلى لفظ (عيسو) وطبقنا عليه فقه اللغة السامية semitische Philologie فحذفنا ما به من أحرف معتلة وحركات واقتصرنا على ما به من حروف صحيحة صامته لصار لدينا حرفان اثنان هما العين ע والسين שׂ على التوالي. على هذا يمثل ذانك الحرفان الجذر الجيني للفظ (عيسو)، فعلى ماذا يدل ذلك الجذر؟

[1] مفهوم جذر العين والسين في التوراة السائرة
لنرجع إلى سفر التكوين مرة أخرى والشاهد فيه هو العدد 25 تحديدا وهو كما يلي:

(فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ») (تكوين 25 : 25)

فلنستقرأه لنرى دلالة العين والسين. يتضح من خلال تدبر النص أن المولود الأول قد جاء تكوينه المادي مخالفا لما هو معهود ومعتاد، حيث خرج لونه (أحمرا)، وجسده (كله كفروة شعر)، لذلك دعوا اسمه (عيسو) ولننتبه لدلالة الفاء في كلمة (فدعوا) للدلالة على التعقيب، أي تم إطلاق اسم (عيسو) عليه عقب ولادته بتلك الهيئة العجيبة الغير مألوفة.

قاعدة: يدل الجذر الجيني المكون من حرفي (ع / س) على المولود الذي جاء بهيئة تكوينية تخالف ما هو شائع ومعتاد ومألوف.

[2] تطبيق القاعدة على إبن مريم
يشتق اسم "عيسى" ابن مريم من المادة نفسها، حيث يؤول لفظ (عيسى) إلى الجذر الجيني (ع / س) بعد حذف حروف العلة والحركات، كما تعود تسميته لنفس السبب وهو أنه جاء من الناحية التكوينية مخالفا للعادة خارقا لها لكونه لا والد ذكر له.

قاعدة: يدل اسم (عيسى) على مفهوم المولود الذي جاء تكوينه خارقا للعادة دالا بذلك على كونه آية مخلوقة من آيات الله سبحانه.

الخلاصة:
لما كان الإنجيل الأصلي الذي تكلم به ابن مريم مفقودا، ولما كانت أقدم الأناجيل مكتوبة بلسان أجنبي عن لسان ابن مريم، لذلك يلزم أن نعود إلى اللسان الأصلي الذي كان ابن مريم يتحدث به، وهو لسان التوراة العبراني الآرامي لنستقرأ الاسم الذي يدل على مفهوم الولادة الخارقة للعادة، وإننا حين نفعل ذلك نجد أن ذلك الإسم ينطلق من جذر جيني وحيد حروفه الأصلية هما العين ثم السين، وأن حروف مثل الجيم أو الزاي أو حتى العين الخاتمة ليست ضمن حروف ذلك الجذر الجيني. هذا وقد أطلق القرآن عليه اسم (عيسى) وهو اسم ينطبق عليه تماما ـ لسانا ومفهوما ـ كما ينطبق القفاز على راحة اليد، فهنيئا له بذلك الإسم، وهنيئا للمسلمين بكتابهم المعجز، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين ومعلم البشر أجمعين محمد بن عبد الله النبي الأمين وسلم تسليما كثيرا.

[4] يِهُوشُوعَا

نعلم جميعا أن إسم العلم (الإسم الشخصي) الذي ذكر في الكتاب المبين فيما يتعلق بابن مريم عليهما السلام هو (عيسى)، وعلمنا مما تقدم أعلاه أن أقرب الإشتقاقات التوراتية السائرة لذلك الإسم الكريم هو (عيسو) أو (عيساو). أما فيما يتعلق بالأناجيل فقد أشرت إلى أننا لا يمكن لنا ـ منهجيا ـ إعتماد اسم (يسوع) لكون أقدم مخطوطات الأناجيل مكتوبة باللسان اليوناني القديم Altgriechisch بينما لم يكن ابن مريم يونانيا ولا لاتينيا وإنما كان عبرانيا يتحدث بلسان قومه العبراني بلهجة آرامية، وأنه لا توجد ـ فيما تعلن الكنيسة رسميا ـ أي نسخة أصلية من إنجيل المسيح بلسان قومه. أما حديثنا الآن ـ وبإيجاز شديد ـ فيدور حول دعوى يرفعها عدد من مثقفي النصارى فحواها أن اسم (يسوع) مشتق من اسم علم يهودي شهير وهو (يهوشع) الوارد في العهد القديم / سفر زخريا (زكريا / زكرياء) / الإصحاح 3 / العدد 8. لدفع ذلك الزعم أقول: ورد اسم (يهوشع) عدة مرات في سفر زكريا في معرض الحديث عن رؤيا زكريا بن برخيا (ليس زكريا والد يحيى عليهما السلام) :

(وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. 2 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟». 3 وَكَانَ يَهُوشَعُ لاَبِسًا ثِيَابًا قَذِرَةً وَوَاقِفًا قُدَّامَ الْمَلاَكِ. 4 فَأَجَابَ وَكَلَّمَ الْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ قَائِلاً: «انْزِعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ». وَقَالَ لَهُ: «انْظُرْ. قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ، وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً». 5 فَقُلْتُ: «لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً». فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ، وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابًا وَمَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفٌ. 6 فَأَشْهَدَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى يَهُوشَعَ قَائِلاً: 7 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِي، وَإِنْ حَفِظْتَ شَعَائِرِي، فَأَنْتَ أَيْضًا تَدِينُ بَيْتِي، وَتُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى دِيَارِي، وَأُعْطِيكَ مَسَالِكَ بَيْنَ هؤُلاَءِ الْوَاقِفِينَ. 8 فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي «الْغُصْنِ». 9 فَهُوَذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهُوشَعَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ سَبْعُ أَعْيُنٍ. هأَنَذَا نَاقِشٌ نَقْشَهُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. 10 فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، يُنَادِي كُلُّ إِنْسَانٍ قَرِيبَهُ تَحْتَ الْكَرْمَةِ وَتَحْتَ التِّينَةِ» (زكريا 3 : 1 - 10).

إضافة إلى ذلك يذكر البروفيسور Guenter Lanczkowski أستاذ علم الأديان المقارنة بالجامعات الألمانية في موسوعته (1986) أن (يهوشع) كان خليفة موسى عليه السلام، وهو الذي دخل ببني إسرائيل إلى أرض كنعان بعد فترة التيه الأربعيني. أقول: ذلك الإسم (يهوشع) هو الذي يضبطه البعض باللسان العربي هكذا: (يوشع)، وباللسان الألماني هكذا: (Josua)، وباللسان الإنجليزي هكذا: (Joshua)، بينما هو مضبوط باللسان العبراني القياسي هكذا: (יִהוֺ שֻׁעַ) وينطق هكذا: (يِهُوشُوعَا) أو اللسان العبراني بطريقة الـ matres lectionis هكذا: (יִהוֺ שׁוֺעַ) وينطق كذلك (يِهُوشُوعَا). إذا نظرنا بين لفظ (يسوع) تبين لنا أنه يتكون من حرفين ساكنين هما السين والعين، وإذا نظرنا في لفظ (يِهُوشُوعَا) تبين لنا أنه يتكون كذلك من ثلاثة أحرف ساكنة هي الهاء والشين والعين. وإذا أخذنا في الإعتبار أن رسم حرف الشين שׁ ورسم حرف السين שׂ كان في تلك العصور السحيقة يخلو من التنقيط الذي أدخله يهود طبرية نحو القرن العاشر الميلادي، ש، فإنه من غير المستبعد أن يشترك لفظ (يسوع) مع لفظ (يِهُوشُوعَا) في حرفين اثنين هما ש وע أي السين/ الشين والعين. بناءا على ذلك ربما نتفهم أن الأساس اللساني للفظ (يسوع) هو لفظ (يِهُوشُوعَا) لكن يظل الإشكال الرئيسي بعد ذلك قائما:

من أين للنصارى أن الإسم الشخصي للمسيح كان (يِهُوشُوعَا) في حين أنهم لا يمتلكون أي نسخة من الإنجيل بلسان المسيح الأم حتى نعلم ما هو اسمه؟

إننا لا نختلف كثيرا في أن لفظ (يسوع) ربما يكون مشتقا من لفظ (يِهُوشُوعَا)، لكنا نختلف في كيفية تعيين الإسم الشخصي للمسيح سواء أكان (يسوع) أو (يِهُوشُوعَا). العهد القديم لن يحل الإشكال لسبب بسيط وهو كونه قد وضع قبل مولد المسيح. أما العهد الجديد فكذلك لن يحل الإشكال لكون أقدم نسخه المعروفة مرسومه بالخط اليوناني ثم لاحقا بالخط اللاتيني. إن النصراني المثقف لن يجادل في تلك الحقائق المتقدمه وإلا فإنه يكشف عن جهل عميق بتلك القضايا.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-07-2010, 09:18 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


[5] ابن سطادا / ابن بانديرا / ابن مريم

نظرتان متطرفتان ونظرة وسطية
هناك نظرتان متطرفتان ومتباينتان فيما يتعلق بالمسيح. النظرة المتطرفة الأولى هي نظرة النصارى له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الأقنوم الثاني (الكلمة Logos) من مثلث أقانيمهم. النظرة المتطرفة الثانية هي نظرة اليهود له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الخائن لله وللوطن. بين تلك النظرتين الشاذتين توجد نظرة ثالثة وسطية ترفض وصف المسيح بأنه أقنوم كما ترفض وصف المسيح بأنه خائن، وتبين أن المسيح هو عبد الله ورسوله إلى بني اسرائيل، وتلك هي نظرة المسلمين المنطلقة من الكتاب المبين. من هذا المنطلق كان يجب على النصارى إيثار المسلمين الذين يحترمون شخص المسيح عليه السلام على اليهود الذين يحقرون شخص المسيح عليه السلام، لكن ما حدث كان العكس، حيث آثر النصارى اليهود الذين قتلوا إلههم ـ على زعمهم ـ على المسلمين. وليت الأمر توقف عند الإيثار بل تعداه للدفاع والمحاماة عنهم فأظهروا بذلك مبلغ ضلالهم وأنهم قوم لا خلاق لهم. استمعت يوما ما في أحد الغرف الشهيرة للنصارى على برنامج للمحادثات الإلكترونية المباشرة لأحدهم وهو يدافع عمن قتل إلهه المزعوم وهو ينفث سمه الزعاف قائلا: "من قال إن اليهود افتروا على مريم؟ أبدا لم يفترِ اليهود على مريم، ولكن الذي افترى على اليهود هو قرآن المسلمين" (انتهى). يتهم ذلك النصراني المتهود والمتصهين القرآن الكريم بأنه افترى على اليهود أنهم أفتروا على مريم وأشار إلى الآيات التالية من البلاغ المبين:

(... وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء : 156)

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 - 28)

وأقره كل من كان بالغرفة من النصارى على سمه الزعاف وما تقاطر من فمه من دم رعاف. أقول: صدق الله تعالى فيما قال وكذب وخسأ ذلك الصهيوني الأفاك فيما تقيأه من كلمات حاول بها تبرئة قاتلي إلهه المزعوم من قذفهم مريم عليها السلام في شرفها. السؤال الذي أوجهه إلى ذلك الصهيوني ومن على شاكلته من الكفار: هل يوجد لديكم مانع عقلي يحيل إمكان قذفهم مريم عليها السلام في شرفها بعد ولادتها المسيح أم لا؟ إن كان لديهم مانع عقلي يحيل إمكان ذلك فليقدموه، وإلا فليخرسوا ولتنقطع ألسنتهم المتقاطرة بالسم ما دامت إمكانية ذلك الإفتراء ممكنة عقلا. برغم ذلك لن أطيل الوقوف عند باب أحكام العقل لأن هؤلاء لا عقول لديهم، وسأنتقل بدلا من ذلك لبيان حدوث ذلك من الناحية النقلية.

مصادر المعلومات
الوثائق الرسمية الأولى المسجل بها تعاليم اليهود - أسفار العهد القديم - تخلو من أي إشارة للمسيح أو أمه لكونها دونت قبل عصر المسيح. أما الوثائق الرسمية للنصارى - أسفار العهد الجديد ـ فهي غير معتمدة عند اليهود ولا تتحدث بلسان مقالهم وإن كانت تتحدث عن أحوالهم. إن من يقرأ العهد الجديد يعلم تماما أن الكتبة والفرسيين اليهود قاموا بحرب شعواء ضد المسيح انتهت بمصرعه ـ على زعمهم الكاذب ـ فما العجب إذن في إمكان قيام اليهود بالطعن في شرف أم المسيح عليها السلام؟ لنترك الكتاب المقدس لديهم بقسميه جانبا ولنذهب إلى المصدر الثاني من مصادر اليهود ـ بعد أسفار العهد القديم ـ وهو أدب الحاخامات.

أدب الحاخامات
يشمل أدب الحاخامات كتبا كثيرة منها التلمود الأورشليمي والتلمود البابلي بقسميهما المشنا والجمارا، كما يشمل التوسفتا والمدراشيم والترجوميم وغيرها. هناك صعوبتان تكتنفان البحث في كتب أدب الحاخامات أولاهما: الحجم الكبير لهذه الكتب والذي يصل لعشرات المجلدات من القطع الكبير (رأيت نسخة من التلموديم مع الشروح لدى مكتبة الدراسات اليهودية بكلية اللاهوت الإنجيلي مكونة من 64 مجلدا كبيرا ضخما). ثانيهما: تعدد الألسنة واللهجات المدون بها تلك الكتب وهي ما بين العبرانية القديمة والآرامية وما يتوفران عليه من لهجات. لذلك يصعب على الباحث أن يقوم بدراسة شاملة في تلك الكتب. برغم ذلك قام كثير من العلماء المتخصصين بدراسة موضوع هام ودقيق جدا وهو (أدب الحاخامات والمسيح).

أدب الحاخامات والمسيح
ذكر الحاخام الألماني الكبير البروفيسور دكتور دكتور تريب أن التلمود تعرض لإضطهاد كبير من قبل الكنيسة الكاثوليكية مما أدى لتدخل الرقيب لحذف كثير من المواضيع. لعل ذلك يفسر لنا سر الندرة النسبية للحديث عن المسيح في التلمود، وأنه إنما يشير إليه بالصفة وليس بالإسم. سأفترض أن القارئ الكريم لديه فكرة مبسطة عن التلمودתלמדים فإن لم يكن الأمر كذلك فيمكن الرجوع لأحد الكتب التي تقدم تعريفا شاملا للمبتدئين مثل كتاب Mielziner بالإنجليزية أو كتاب Stemberger بالألمانية وهما من الكتب الأكاديمية القيمة. أما فيما يتعلق بموضوع "يسوع" في التلمود فهناك كتابان رائدان في هذا المجال أولهما كتاب مائير بالألمانية (1978) والثاني كتاب شيفر (2007) بالإنجليزية. يتحدث الكاتب Peter Schaefer في كتابه القيم Jesus in the Talmud والذي نشرته جامعة برنستون / أكسفورد عام (2007) في فصل بعنوان Jesus' family عن تلك الحقيقة قائلا:

Since neither source mentions, however, the name "Jesus" but instead resorts to the enigmatic names "Ben Stada" and "Ben Pandera/Pantera" respectively, their relationship to Jesus in hotly disputed

تدل تلك الفقرة على أمور منها: عدم التصريح بذكر اسم "يسوع" في أي من المصادر (وهذا ربما يؤكد ما سبق وذكرته في مداخلة سابقة حول عدم تعيين المصادر لإسم المسيح فكيف يدعي النصارى أن اسمه "يسوع"؟)، ومنها: اللجوء إلى أسلوب التورية باستخدام أسماء مبهمة مثل ابن سطادا وابن بنديرا، ومنها: الجدل الساخن حول مدى ارتباط الوصفين المتقدمين بيسوع. برغم ذلك خاض بيتر شيفر خضم ذلك البحر وأخرج وثيقة أكاديمية من 210 صفحة تمثلت في كتابه ذاك للدلالة على ارتباط تلك الأصاف وغيرها بيسوعهم.

ابن بانديرا و ابن سطادا
كشف بيتر شيفر في كتابه أن التلمود تحدث عن امرأة اسمها مريم أنجبت طفلا غير شرعيا من جندي روماني اسمه Pandera ولذلك سمي المولود "ابن بانديرا". كما وصف التلمود ذلك المولود باسم آخر هو "ابن سطادا" فماذا يعني ذلك الإسم. يذكر البروفيسور الألماني Carl Siegfried في قاموسه العبري (1893) أقرب المشتقات لتلك الكلمة وهو الفعل العبري القديم سطا שָׂטָה والذي يعني Untreue des Eheweibs أي خيانة الزوجة (السفاح) فكأن ذلك اللفظ يعني "ابن العاهرة".

ليس هناك تصريح كامل كما ذكرنا وذلك لسبب ذكره الكتاب وهو الرقابة الكاثوليكية على التلمود، ولسبب آخر أذكره وهو تعرض التلمود اليروشالمي (الأورشليمي) للضياع بعد هدم هيكل (معبد) سليمان عام 70 م على يد Titus الروماني، وبدء إعادة التدوين بعد ذلك بفترة طويلة، وكذلك تعرض التلمود البافلي (البابلي) للضياع أثناء فترة الأسر البابلي لليهود. برغم ذلك بقيت آثار اكتشفها الأكاديميون النصارى أنفسهم تدل بوضوح على أنه ما كانت أم المسيح عليها السلام لتسلم من لسان اليهود الذي يقطر بهتانا وإفكا وهذا ما أكدت عليه الوثيقة الأصلية الأساسية التي يؤمن بها المسلمون أي: القرآن الكريم.

[6] وقفة تحليلية مع مطلع إنجيل لوقا

بدأ لوقا الإنجيلي كتابه بالجمل التالية:

(إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1 : 1 - 4)

والتي تدل دلالة قاطعة على أمور هامة يجب أن يتوقف عندها كل باحث عن الحق.

[1] (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...)
يقصد لوقا بقوله (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...) قصة عيسى المسيح الذي سماه لوقا وغيره "يسوع" وهي تسمية خاطئة كما علمنا، أي قصة حياة عيسى وسيرته الذاتية. لكن من يقصد بضمير الجر ( نا ) في قوله (المتيقنة عندنا)؟ هل يقصد جمهور النصارى أم يقصد طائفة منهم؟ وإذا كان يقصد جمهورهم فهل يعني المتقدمين من الذين شهدوا الأحداث أم من التابعين لهم مثله؟ إن متعلق الضمير من الناحية اللسانية غير واضح، لكن دعونا نتخطى تلك النقطة إلى نقطة أكثر أهمية. من هم الـ (كثيرون) الذين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عندهم؟ إننا إذا استعرضنا أسماء كتاب الأناجيل المعتمدين ـ إضافة للوقا نفسه ـ نجد ثلاثة أسماء فقط لا غير هي: (متى) و(مرقص) و(يوحنا) فهل يصح وصف ثلاثة نفر بوصف (كثيرون)؟ لقد ذكر لوقا أن هناك كثيرين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره أي لا يمكن أن يكون المقصود هنا الكتاب الذين صنفت الكنيسة لاحقا قصتهم ضمن الأبوكريفا لأن لوقا يذكر بدقة أن تلك القصص هي فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره فأين هي تلك الكثرة؟ إما أن لوقا لا يعي ما يقول فلا يميز بين (الكثير) و(القليل) وهذا مستبعد وإما أن تكون الكنيسة قد تعاملت مع المؤلفات التي أشار لوقا إليها من الباب الخلفي وسمحت بتمرير أربع قصص فقط وهذا هو الأرجح.

[2] (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ)
في الفقرة الأولى تحدث لوقا عن (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ)، وفي الفقرة الثانية يقول (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) وهي فقرة تدل على شيئين هامين للغاية:

i. يعود ضمير الغائب المؤنث ( ها ) في قوله (كما سلمها إلينا) إما على (قصة) وإما على (الأمور المتيقنة) وهذا الأقرب لأن ضمير الغائب جاء مباشرة بعد متعلقه بلا فاصل، وهذا معناه أن لوقا وغيره من معاصريه تسلموا (الأمور المتيقنة) أي العقائد النصرانية تسلما. هم لم يصلوا إلى تلك العقائد بطريق (الإستدلال العقلي) ولكنهم تلقوها تلقيا بطريق (الآثار).

ii. الفاعل في الجملة هو لفظ (الذين) وهو إسم موصول مبني وفي محل رفع، وصلة الموصول هي (كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ). تدل هذه الفقرة دلالة قاطعة على أن لوقا ـ وغيره ـ لم يكن منذ البدء (معاينا) لكلمة الله المسيح عيسى بن مريم أي أنه لم يكن (شاهد عين) ولكنه (شاهد سمع) تلقى (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) من (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

إن شهود العين هم الحواريين Juenger الذين حاوروا المسيح وحاورهم، وحيرهم وحيروه، من أمثال بطرس وبرنابا وتوماس ويهوذا وغيرهم فأين شهادة هؤلاء التي سلموها لأولئك؟ إن لغة الحوار بين عيسى وحوارييه كانت العبرانية الآرامية بينما اللغة التي دون بها إنجيل لوقا هي اليونانية المفقودة، مما يعني أن هناك حاجز لساني هام جدا يحجز بين القصة (الأصلية) والقصة (المترجمة).

[3] (رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ)
نفهم مما تقدم ما يلي:

- سلم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) عقائد ويقينيات للذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

- أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

- بعد أن أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) رأى لوقا أن يكتب هو أيضا وقد تتبع كل شيئ من الأول بتدقيق إلى (ثَاوُفِيلُسُ). إن قول لوقا عن نفسه (إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق) لا يدل على أنه كان شاهد عين على العقيدة لإنه سبق وأن أوضح (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) أي أنه لم يكن من هؤلاء، ولكنه يدل على تتبعه سيرة المسيح منذ بدايتها بتدقيق أي تتبع الآثار المروية والأسانيد التي وقف عليها بتدقيق. إن لفظ (تدقيق) لا يعني بضرورة الحال أن عمله ذلك معصوما ولكنه يعني أنه استفرغ وسعه في تدقيق أساطير الأولين كما سلمت إليه ولا يوجد مانع عقلي أن يكون تدقيقه ذاك قد فاته كثير أو قليل من الحقائق.

الخلاصة
لم يكن لوقا الإنجيلي شاهد عين على سيرة المسيح لإنه لم يكن من أفراد عائلته ولا من حوارييه المقربين، وإنما كان تابعا نمت إلي مسامعه قصة العقيدة النصرانية كما نقلها الأولون، فأخذ يتتبع تلك القصة من بدايتها إلى نهايتها ودون جهده ذاك في كتاب اعتمدته الكنيسة لاحقا كأحد أربعة أناجيل رسمية ضاربة عرض الحائط بعشرات من الأناجيل المخالفة للتعاليم البولسية (نسبة إلى قديسهم بولس) عرض الحائط. وحتى لا نظلم لوقا هذا نقر صراحة بأن الرجل لم يزعم أنه كان شاهد عين ولكنه أوضح أنه مجرد شاهد سمع، كما أنه بين أن كثيرين قد سبقوه في هذا المجال، ولم يزعم لنفسه أن قصته تلك تمت بمباركة "الروح القدس" ولكنه أبان بوضوح شديد بأن مجهوده ذاك هو جهد بشري خالص بذل فيه غاية وسعه في التتبع والتدقيق. إن الرجل لم يزعم لنفسه عصمة ولا تأييدا قدسيا فما بال الكنيسة قد أمست ملكية أكثر من الملك فادعت له ما لم يدعيه لنفسه؟

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-07-2010, 09:22 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


[7] في نقد مفهوم الروح القدس في المسيحية

تَشكَّل مرتكزُ العقيدة المسيحية رسميا من خلال المجمع المسكوني (الكوني / الدولي / العالمي / الكوكبي) الأول بمدينة نيقية Nicea ـ بتركيا ـ عام 325 م وقد عقد ذلك المجمع الدولي بناء على دعوة من الإمبراطور قنسطنطين الكبير بسبب إنتشار أفكار آريوس Arius ـ كاهن بالإسكندرية ـ والتي تنكر ألوهية المسيح وتقرر بأنه كان مجرد إنسان مخلوق. إنعقد ذلك المجمع والذي حضره ( 318 ) أسقفا ممثلين لجميع كنائس ذلك العصر برئاسة البابا السكندري الأنبا الكسندروس Alexander. قرر المجمع حرمان آريوس وتحريم تعاليمه وصياغة “قانون الإيمان” بصورته الأساسية والتي تتلى في جميع الكنائس حتى اليوم.

نص قانون الإيمان النيقاوي ترجمة عن اليونانية القديمة
[نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب،إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كل الأشياء وُجِدَت، تلك التي في السماء وتلك التي في الأرض.الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزلَ وتجسَّد، تأنَّس، تألَّم وقام في اليوم الثالث [و] صعدَ إلى السماوات، آتٍ ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما أولئكَ الذين يقولون: “كان هناك وقتٌ فيهِ {الكلمة} لم يكن”، و:”قبل أن يكون مولوداً لم يكن” وبأنّهُ وُجِدَ ممّا هو غير موجود أو يقولون عن كيان ابن الله أنهُ من شخص أو جوهرٍ آخر أو {أنه} مخلوق [ـ !] أو أنهُ متحولٌ أو متغَيِّرٌ، {أولئكَ} الكنيسة الجامعة تحرمهم.]

نلاحظ أن حرف الباء “بـ” في عبارة “نؤمن بـ” يتعلق بثلاثة متعلقات هي “بإلهٍ …” و”بربٍ …” و “بالروح القدس”. نلاحظ أن النص المطروح إستخدم لفظ “آب” كبدل نحوي من لفظ “إله” في حين أنه استخدم لفظ “يسوع” كبدل نحوي من لفظ “رب” بينما لم يستخدم “الروح القدس” كبدل لا للإله ولا للرب ولكنه تركه كمتعلق ثالث للإيمان دونما تكييف لطبيعته. نفس الشيئ نجده في الترجمة عن اللغة اللاتينية مع بعض الإختلافات في الألفاظ.

نص قانون الإيمان النيقاوي ترجمة عن اللاتينية
[نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، صانع كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربنا الواحد يسوع المسيح، ابن الله، مولود الآب الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مصنوع {مخلوق}، له جوهر واحد مع الآب (باليونانية يُقال لهُ "هوموأوسيون") الذي بواسطتهِ كل الأشياء صُنِعَتْ، ما في السماء وما في الأرض. الذي من أجل خلاصنا نزلَ، تجسَّد وتأنَّستألَّم وقام في اليوم الثالث [و] صعدَ إلى السماوات، آتٍ ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما أولئكَ الذين يقولون: »كان هناك {وقتُ} فيه {الكلمة} لم يكن» و:»قبل أن يولَد لم يكن» و«بأنّهُ صُنِعَ ممّا هو غير موجود» أو يقولون عن الله أنهُ من جوهرٍ أوكيانٍ آخر أو (أنه) متحولٌ أو متغَيِّرٌ، أولئك الكنيسة الجامعة تحرمهم]

نلاحظ أن الترجمة اليونانية ـ وهي أقدم الترجمات ولكنها ليست النسخة الأصلية ـ تستخدم تعبير “بربٍ واحدٍ …” بينما تستخدم الترجمة اللاتينية تعبير “بربنا الواحد …” وغير ذلك من الإختلافات. فيما يتعلق بموضوع بحثنا ـ الروح القدس ـ يظل تعلقه بلا تكييف من ألوهية ولا ربوبية. الترجمتان توضحان أن “الإيمان” المسيحي له ثلاثة متعلقات: (1) إله هو الآب (2) رب هو يسوع (3) الروح القدس. عدم تكييف “طبيعة” الروح القدس أدى إلى ظهور جدل لاهوتي استغرق أكثر من نصف قرن. نادى أسقف القسطنطينية ـ إسطنبول حاليا ـ واسمه مكدونيوس بأن الروح القدس “مخلوق” كالملائكة. دعا الإمبراطور تاودوسيوس الكبير إلى إنعقاد المجمع المسكوني الثاني والذي عقد بالعاصمة البيزنطية القسطنطينية Konstantinopel سنة 381 م وحضره ( 150 ) أسقفا ممثلين لجميع كنائس ذلك العصر برئاسة البابا السكندري الأنبا تيموثاوس. قرر المجمع حرمان الأسقف مكدونيوس وتحريم تعاليمه وصياغة “تكييف” لاهوتي خاص بالروح القدس.

نص قانون الإيمان القسطنطيني ترجمة عن اليونانية القديمة
[نؤمن بإلهٍ واحد، آبٍ قادر على كل شيء، خالق السماء والأرض، كل الأشياء المرئيّة واللامرئيّة. وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولودُ من الآب قبل كل الدهور، نورٌ من نور، إلهٌ حق من إلهٍ حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي بواسطتهِ كانت كل الأشياء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزلَ من السماوات وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنَّس، صلِبَ من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي تألَّم وقبر وقام في اليوم الثالث بحسب الكتب وصعدَ إلى السماوات وهو جالسٌ عن يمين الآب، آتٍ ثانية في المجد ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناءَ لمُلكهِ. وبالروح القدس الرب المحيي، المُنبثِق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة ورسولية؛ نعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وننتظر قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين].

نص قانون الإيمان القسطنطيني ترجمة عن اللاتينية
[... وبالروح القدس الرب المحيي، المُنبثِق من الآب والابن، الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد، الناطق بالأنبياء....]

التكييف الرسمي للروح القدس إنطلاقا من سنة 381 م هو:

(1) الرب المحيي

(2) المُنبثِق من الآب

(3) الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ لهُ ومُمجَّد

(4) الناطق بالأنبياء

لنلاحظ أن “تكييف” طبيعة الروح القدس لم يرد في الأناجيل الأربعة لمتى ومرقص ولوقا ويوحنا ولكن ورد بتقرير 150 أسقف في عام 381 م أي بعد أربعة قرون بعد المسيح.

الروح القدس في الترجمات
كان المسيح عليه السلام من أحفاد العبرانيين أي من بني إسرائيل وبنو إسرائيل ـ في ذلك الوقت ـ يتكلمون اللغة العبرية القديمة Althebraeisch وكان رجال الدين منهم يتكلمون باللغة الآرامية Aramaeisch والتي تعتبر اللغة الأصلية للتعاليم التي بثها المسيح في بني إسرائيل. إن المخطوطات الأصلية والوثائق مفقودة أو معدومة أو محجوزة ـ الله تعالى أعلم ـ ومن ثم يكون اللجوء في هذه الحالة إلى أقدم المخطوطات المنسوخة والتي كتبت ـ في موضوعنا ـ باللغة اليونانية القديمة Altgriechisch. إذا رجعنا لتلك اللغة وجدنا أن لفظ “الروح القدس” ترجم عن كلمة يونانية واحدة هي Πνευμα” وتقرأ ـ بالحروف اللاتينية ـ هكذا “Pneuma”. كلمة “Πνευμα” اليونانية القديمة معناها: النفس أو الروح أو الغاز أو الهواء. تم ترجمة كلمة Πνευμα” اليونانية القديمة إلى كلمة “Spiritum Sanctum” ونلاحظ أنهما كلمتان وليستا كلمة واحدة. من أين جاءت كلمة “Sanctum”؟ قد يكون لسبب متعلق بفيلولوجية اللغة اليونانية القديمة. إذا تركنا اللغات القديمة وانتقلنا إلى اللغات الحية المعاصرة نجد أن محرري نسخة الملك جيمس ـ وهي النسخة البروتستنتية ـ ونسخة الروم الكاثوليك أعطوا أفضلية لكلمة Ghost الإنجليزية والتي تعني “الطيف” بدلا من كلمة “Spirit” الإنجليزية وأصلها اللاتيني هو “Spiritum” والتي تعني “الروح” عندما يترجمون كلمة “Πνευμα” ومن ثم يكون الروح القدس هو Holy Ghost وبالألمانية هو Heiliger Geist . منقحو النسخة القياسية .R. S. V استبدلوا الآن لفظ “Ghost” بلفظ “Spirit” بينما بقي على حاله القديم في اللغة الألمانية مثلا. الحديث الآن يدور عن Holy Spirit وليس عن Holy Ghost كترجمة لكلمة يونانية قديمة واحدة هي “Πνευμα”.

مرتكز الإعتقاد المسيحي

الله ـ في المعتقد الرسمي المسيحي ـ هو واحد في “جوهره” مثلث في “أقانيمه”. مثلث الأقانيم ـ في المعتقد الرسمي المسيحي ـ هو الآب والإبن والروح القدس. وقبل أن نواصل الحديث جدير بنا أن نقف وقفة سريعة عند مصطلحي “جوهر” و “أقانيم”.

مصطلح “جوهر”
هذه الكلمة ـ جوهر ـ يكثر استخدامها بين الفلاسفة والمتكلمين في مبحث الجواهر والأكوان والأعراض. الجوهر عند الفلاسفة هو أصغر ما يشغل حيزا ويقوم بذاته أي بتعبير عصرنا “الجزيء” أو “الذرة” فكما يتكون الجسم من “ذرات” فهو يتألف من “جواهر” إذ الجسم عند الفلاسفة هو ما يتألف من جوهرين فأكثر. إذا تركنا الفلسفة وانتقلنا إلى إيثيمولوجية اللسان العربي نجد أن أقرب الكلمات للفظ “جوهر” هو الفعل الماضي الثلاثي “جهر” بمعنى “ظهر”. الجوهر بهذا يكون معناه “الظاهر” أي الشيئ الظاهر. إذا تركنا اللسان وإنتقلنا إلى اللاهوت Theologie نجد أن علماء اللاهوت يرادفون كلمة “جوهر” بكلمة “طبيعة”. على هذا الأساس يكون معنى قولهم “الله واحد في جوهره” أي أنه ذو طبيعة واحدة. جدير بالذكر ونحن نتكلم عن “الطبيعة” الإلهية هنا أن تلك المسألة كانت سببا في إنقسام الكنيسة المسيحية قديما وحديثا إلى قسمين إزاء قضية “طبيعة” المسيح: بينما تتبع الكنيسة الأرثوذوكسية الأم في الإسكندرية وما حذا حذوها من الأرمن والسريان ما سبق وقرره الأنبا أثناسيوس والأنبا كرلس من بعده بأن للمسيح “طبيعة” واحدة بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت، تقرر الكنيسة اللاتينية ـ قبل وبعد الإنشقاق ـ بأن للمسيح “طبيعتين”. بل أن أصحاب الرأي الأول إنقسموا قديما لقسمين حسب تكييف تلك الطبيعة الواحدة فبينما يرى أثناسيوس وأتباعه ـ وهم الأغلبية ـ أن تلك الطبيعة الواحدة بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت كانت بدون إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير، رأى رئيس دير قنسطنطيني واسمه “أوطاخي” أنه حدث إمتزاج وإختلاط. بسبب هذا الإختلاف عقد الأسقف فلابيانوس أسقف القنسطنطينية مجمعا محليا لحرمان أوطاخي. تقدم أوطاخي بعد ذلك بإلتماس فانعقد بذلك مجمع إفسس المسكوني الثاني Ephesus عام 449 م برئاسة الأنبا ديسقوروس بابا الإسكندرية وقرر براءة أوطاخي بعد “رجوعه” عن مذهب “الإمتزاج” وقرر كذلك حرمان الأسقف فلابيانوس لقوله بمذهب “الطبيعتين”. ونظرا لعدم إعتراف الكنيسة اليونانية وكنيسة روما بهذا المجمع إنعقد مجمع آخر في مدينة خلقدونيا Chalkedon عام 451 م بناء على طلب من بابا روما وقرر هذا المجمع إلغاء قرارات المجمع السابق ومن ثم تبرئة الأسقف فلابيانوس وحرمان أوطاخي وعزل الأنبا ديسقوروس بابا الإسكندرية ونفيه. حدث إنقسام لاهوتي بشأن “جوهر” الإله الواحد بعد “إتحاد” اللاهوت والناسوت : فمن قائل بالطبيعتين إلى القائل بالطبيعة الواحدة وهؤلاء بدورهم ينقسمون قسمين: قسم يقول بعدم الإمتزاج وقسم بقول بالإمتزاج.

مصطلح “أقانيم”
كلمة “أقانيم” كلمة يونانية قديمة “υποστασες -” وبالأحرف اللاتينية “hypostases” ومفردها هو أقنوم “υποστασις-” وبالأحرف اللاتينية “hypostasis”. كلمة أقنوم اليونانية تتكون من مقطعين هما ” υπο-” ويعني “تحت” و “στασις” ويعني “وقف” فيكون المعنى التركيبي للكلمة هو “وقوف تحت” بمعنى وقوف شيئ ما تحت شيئ آخر. هل الأقانيم صفات لله؟ ينفي الأنبا أثناسيوس الرسولي السكندري Athenasios ذلك ويقرر (أن للآب أقنوما متميزا وللإبن أقنوما متميزا وللروح القدس أقنوما متميزا) وفق الإيمان المسيحي السرياني الذي ترجم كلمة “hypostasis” ـ في مفهومها السرياني - لمعنى “الذات المتميزة الغير منفصله” وهو المعنى الذي يخرج عن المعنى الإيثيمولوجي للكلمة بمفهومها اليوناني القديم. ولتخيل “فلسفة” الإله الواحد الجوهر المثلث الأقانيم أضرب لكم التشبيه التالي وهو شعلة “لهب” لها ثلاثة “ألسنة” فكل لسان من الثلاثة له نفس الجوهر وهو “النار” ولكن كل لسان منها فهو ذلك قائم ومتميز عن الآخر. هذا مثال أو تشبيه أقدمه للقراء لتبسيط تلك الفلسفة. تشبيه آخر يذكره المسيحيون هو الشمس فهي شمس ونار وضوء ثلاثة “أقانيم” متمايزة ولكنها من جوهر واحد. بهذا المفهوم يصبح “الروح القدس” في المسيحية أقنوما وليس جوهرا، أقنوم أي ذات متميزة عن ذات الآب وعن ذات الإبن وإن كانت تشارك الآقنومين الآخرين جوهرا واحدا.

الخلاصة
الروح القدس في المعتقد المسيحي هو “أقنوم” من الأقانيم الثلاثة المتحدة الجوهر. وإذا كان “الإله” واحدا في جوهره إلا أنه مثلث في أقانيمه. الروح القدس هو أحد هذه الأقانيم الثلاثة. المعتقد الذي يردده المسيحيون في كنائسهم لا يعود إلى أصول “يسوعية” ولا “إنجيلية” أي ليس من تعاليم يسوع ولا من تعاليم الأناجيل الأربعة القانونية وإنما هو إيمان رسمي يستند على “قرار” مجمع نيقية المسكوني ـ المؤتمر الدولي الأول للكنائس ـ والذي عقد في 325 م.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-07-2010, 09:25 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


[8] في نقد معتقد النصارى الزاعم أن "الله واحد في جوهره مثلث الأقانيم"

الجوهر - في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين - هو المتحيِّز القائم بنفسه، وعلى هذا فإن قولهم "الله واحد في جوهره" يدلُ على التحيُّز والجسمية، هذه واحدة. إذا تخطينا هذا المقطع إلى المقطع الذي يليه، وهو "مثلث الأقانيم" فلابد لنا هنا من وقفة. أما لفظ "مثلث" فيدل على ثلاثة ولا يدل على أقل ولا أكثر من ذلك، بل على ثلاثة على وجه التحديد والحصر. وأما لفظ "أقانيم" فهو لفظ غامض ويحتاج إلى بسط العبارة:

لفظ أقنوم - مفرد أقانيم - لفظ غير عربي بل هو محاولة لتعريب لفظ hypostasis اليوناني دون إستناد إلى أي قاعدة لسانية عربية. إن كلمة hypostasis تتكون من شقين، هما: hypo وتعني "تحت"، و stasis وتعني "الأرض"، فيكون تركيب المقطعين معناه "تحت الأرض" أي "الرّاسب". هذا وقد استخدم الفيلسوف اليوناني أرسطو ذلك التركيب للإشارة إلى "البذور" المطمورة تحت الأرض والبذور المترسبة تحت أي شيئ بصفة عامة. ذلك هو معنى لفظ hypostasis في اللسان اليوناني والإصطلاح الأرسطي.

أما في الإصطلاح اللاهوتي الذي أرساه أثناسيوس الرسولي يدل ذلك اللفظ على ما يقوم في "جوهر" الله دون توضيح لمعنى ذلك الإسم الموصول "ما":

- هل هي جواهر أخرى قائمة في الجوهر الأصلي؟

- هل هي أعراض؟

- هل هي صفات؟

لا يوضح النصارى مفهوم hypostasis اللاهوتي بطريقة واضحة ولكنهم بدلاً من ذلك يضربون أحد ثلاثة أمثلة للتدليل على المعنى:

1. ثالوث النار والحرارة والضوء

2. ثالوث الشمس والحرارة والضوء (متطابق مع مثال الشمس)

3. ثالوث الزوايا في مثلث ذهبي متساوي الأضلاع.

تدل هذه الأمثلة - عقلاً - على أن المقصود بالأقانيم هي الأعراض، وإن كان النصارى لا يقبلون ذلك. هم يضربون مثالاً ويجعلونه تقريباً لفكرتهم بينما المثال نفسه ينقض فكرتهم من الأساس: فالنار مثلاً جوهر من الجواهر أما الحرارة الكامنة في النار، وكذلك الضوء، فعرض، والعَرَضُ - في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين - هو ما لا يقوم بنفسه ولكن يقوم بغيره، فالحرارة ليست جوهراً وإنما هي عرضٌ كامن في جوهر. هذا عن مثال الحرارة، وما قيل فيه يقال في مثال الشمس. أما المثلث الذهبي فالذهب بمفرده هو جوهر، أما الزوايا فهي أعراض ناتجة عن إلتقاء الأضلاع، ولو انفصلت الأضلاع لزالت الأعراض أي الزوايا.

من هنا نعلم أن الحرارة في مثال النار والزوايا في مثال الذهب لا تدل على جواهر ولا صفات إنما تدل على أعراض حادثة لا تقوم بنفسها، فهل الأقانيم في الإصطلاح اللاهوتي عند أثناسيوس كذلك؟ إن قالوا "نعم" رجعوا عن اعتقادهم، وإن قالوا "لا" سقط إستدلالهم وطالبناهم بالإحتكام إما إلى قواعد اللسان اليوناني الذي يخالف مصطلحهم اللاهوتي وإما إلا قواعد العقل التي تنقض مصطلحهم اللاهوتي.

نخلص من ذلك أن هناك مأخذان أساسيان على عبارة (الله واحد في جوهره مثلث الأقانيم) التي تلوكها أفواه النصارى:

[1] الشق الأول "الله واحد في جوهره" يدل على التحيز وهذا يليق بالأجسام والحوادث وليس بالله المنزه عن الجسمية والحوادث.

[2] الشق الثاني "الله مثلث الأقانيم" يدلُ - على ضوء أمثلتهم التي يضربونها - على العَرَض والحدوث وكلاهما لا يليق بالله المنزه عن ذلك تنزيهاً كبيراً

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::