العودة   Amrallah > صيد الشبكة!
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 03-27-2010, 05:45 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي مقالات: حامد ربيع!


بسم الله الرحمن الرحيم
كثير منا لا يعرف هذا الرجل وربما لم يسمع به قبل الآن! إلا أنه رحمه الله يعد من عبقريات الفكر الإسلامي!
وحتى نعرف القارئ به نقدم أولا موجزا سريعا لسيرته, ثم نعرض بعد ذلك عددا من مقالاته النافعة:

سيرته الذاتية


الكاتب: مصطفى عاشور , المصدر: ببليو إسلام

النشأة العلمية
ولد حامد عبد الله ربيع بالقاهرة في ذي القعدة 1343هـ/إبريل 1925م، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1364هـ/1945م، ثم التحق بسلك النيابة، لكنه لم يستمر فيه طويلا؛ حيث كان مغرمًا بالعلم، ويحكي عن نفسه أنه التقى في شبابه الباكر بالشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وأن الشيخ رأى علامات النبوغ والنجابة ترتسم على وجهه فقال له: "اذهب يا بني وأكمل ثقافتك وانهل من مصادر العلم فنحن في حاجة إلى أمثالك".
التحق بالعمل الأكاديمي في جامعة الإسكندرية التي ابتعثته إلى الخارج للدراسة، فذهب إلى إيطاليا في جمادى الآخرة 1367هـ/إبريل 1948م وظل معتكفا في دير سان فرانسيسكو عشر سنوات، حيث عايش الرهبان، وتأثر بهم في الانقطاع الكامل والمجرد للعلم وتكريس الحياة لهدف معين، وكفلت له السنوات العشر التي قضاها في ذلك الدير وفي هذا المناخ الذي تجللته روحانيات مجردة أن يتقن اللغة اللاتينية، وأن يقترب بدرجة كبيرة من الحضارة الغربية المسيحية، وأن يعقد مقارنات بين حضارته وحضارة الآخر، وأن يميز نقاط الضعف والقوة في كلتا الحضارتين، وأدرك حقيقة مهمة العالم الكفاحية المتمثلة في إرشاد أمته وترقيتها من حالات التخلف إلى الرقي والحضارة والتمدن.
ولم ينبهر الرجل بالحضارة الغربية انبهارا يمنعه من أن يكتشف جوهر الإسلام وحضارته، وأن يضع يده على الإطار القيمي المحدد للحركة السياسية في الحضارة الإسلامية فكرًا وممارسة، حيث لم ينكفئ على ذاته ويرفض أي انفتاح على الآخر، كما أنه لم يستلب ثقافيا وحضاريا كما حدث للكثيرين ممن ذهبوا للخارج في تلك الفترة للدراسة. قوّت معايشة حامد ربيع الطويلة للحضارة الغربية حنينه لحضارته الإسلامية في عصر إشراقها وقوتها.
حامد ربيع..ريادة علمية
حصل حامد ربيع في مسيرته العلمية الطويلة على خمس رسائل دكتوراه اثنتين من باريس، وثلاث من روما، وست دبلومات في تخصصات مختلفة، حيث حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع التاريخي مع التخصص في مجتمعات البحر المتوسط، من جامعة روما في صفر 1370هـ/نوفمبر 1950م، ونال الدرجة نفسها في فلسفة القانون مع التخصص في النظرية الاجتماعية بعد عدة أشهر في ربيع الآخر 1370هـ/يناير 1951م. وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم النقابية مع التخصص في اقتصاديات العمل في شوال 1373هـ/يونيو 1954م، كما حصل على درجة الأستاذية في القانون الروماني في رجب 1375هـ/فبراير 1956م، ثم نال درجة دكتوراه الدولة في العلوم القانونية من جامعة باريس في جمادى الآخرة 1379هـ/ديسمبر 1959م، ثم درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة باريس أيضا في 1383هـ/1963م، ودرجة "الأجريجاسيون" من الجامعات الفرنسية.
ونظرا لهذا الكم الكبير من رسائل الدكتوراه التي حصل عليها حامد ربيع، فقد كانت الجامعات المصرية والعربية والعالمية تطمح في أن يقوم بالتدريس فيها؛ ولذا قام بالتدريس في عدة جامعات منها: جامعة القاهرة حيث كان أستاذ كرسي النظرية السياسية بها، وكذلك جامعة باريس، وجامعات دمشق والجزائر وبغداد والكويت والإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة ميتشيجان الأمريكية.
وقد قام بإنشاء مركز الدراسات الإنمائية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وأشرف على إنشاء المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية، ثم انتقل إلى العمل بمركز البحوث العربية ببغداد، حيث أقام بالعراق ما يقرب من ثماني سنوات، قبل أن يعود إلى القاهرة.
الدراسات الإسرائيلية والصهيونية
يعد حامد ربيع من رواد الدراسات الإسرائيلية والصهيونية، ومن أوائل من أدخلوا دراسة الصهيونية في الجامعات المصرية، حيث كان مهتما بدراسة إسرائيل وجذور ارتباطها بالفكر الصهيوني، والعلاقة بين الديمقراطية البرلمانية داخل إسرائيل وعنصرية الدولة من حيث التمييز بين العرب واليهود، وبين اليهود الشرقيين والغربيين، والقدرة التي تتميز بها إسرائيل في تصدير مشكلاتها الداخلية إلى محيطها الإقليمي، كذلك المزج الإسرائيلي بين الاشتراكية والرأسمالية، والمزج بين القومية والدينية، وبين العلمانية واليهودية.
ورأى أن الكيان الصهيوني يمثل خطرا على الأمن القومي العربي، وأن الصراع بين العرب وإسرائيل هو صراع وجود وليس صراع حدود، ومن ثَم فلا مكان للحديث عن التعايش بين العرب وإسرائيل، ويرجع وجهة نظره إلى عدة مبادئ اعتبر أنها حاكمة لإدراك النخبة الإسرائيلية بغض النظر عن اتجاهاتها السياسية، أهمها أن السلام يعني من وجهة نظرهم توفير الحد الأدنى من الأمن للدولة العبرية، بما في ذلك حقها في استباق التطورات التي يمكن أن تشكل تهديدا على سلامتها.
كما استطاع حامد ربيع بما توفر لديه من غزير العلم وصائب الرؤية أن يصل إلى حقيقة وأهداف المشاريع الغربية في المنطقة العربية في مداها الإستراتيجي، بل وبعض خطواتها التكتيكية، حيث نظر الرجل إلى الأهداف الغربية في المنطقة نظرة متكاملة، وكذلك نظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي، وأدرك معها أن الخلاص من براثن هذه المشروعات لا يتم إلا بتقوية الذات وعدم الخضوع للهيمنة وأن تكون الدولة العربية دولة كفاحية تمتلك مشروعا وطنيا تتوافق عليه القوى السياسية والاجتماعية طواعية لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية.
الوجود السياسي.. وموقع الإسلام
كان حامد ربيع يؤكد أن الحضارة لا تنشأ من العدم، وكان الذي يشغله موقع الفكر الإسلامي من التراكمات الحضارية في العالم، حيث إن الخبرة الحضارية الإسلامية لم تكن مغلقة على نفسها، ولكنها ملكت قدرا من الانفتاح على الآخرين سواء في الشرق أو الغرب وتعاملت مع كافة الحضارات في العالم، ولم تقف أمامها موقف السلبية وإنما أوجدت قنوات من الاتصال معها، ومنطق الوجود يفرض أنه لا تعامل بدون تأثير وتأثر.
وقد عرض حامد ربيع في مقدمة تحقيقه لكتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك" لعدد من النماذج من الحضارات المختلفة من حيث دلالتها السياسية:
ويذكر حامد ربيع في مقدمة تحقيقه ودراسته لكتاب "سلوك الممالك"، التي تعد من أطول المقدمات في تحقيق الكتب ويشبهها البعض بمقدمة ابن خلدون، من أنه عقب عودته بعد رحلته العلمية الكبيرة في الخارج واجه عقبات كئودًا من أجل إدخال الفكر الإسلامي إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي "يتألق فيها الفكر الكنسي الكهنوتي" -على حد تعبيره-، حيث انتقد البعض الذي يرفض العودة إلى جذورنا في الانتماء بقوله: "إن جهالة القرن العشرين التي يتصدرها ويحمل لواءها مدّعو الثقافة العلمية تأبى علينا أن نعود إلى تقاليدنا وتراثنا"، ثم يقول: "ولكنني أشعلها حربا بلا هوادة. سوف أحمل هذا الصليب وأسير به نحو قمة الجبل، لأنني واثق أن أمتنا لن تقف على قدميها إن لم تعد إلى تعاليم آبائنا تنهل منها رحيق القيم وقصة البطولة وعظمة الإنسانية المسلمة"، ثم يقول: "فهل يستطيع أولئك الذين على عاتقهم هذا الواجب أن يخرجوا سيوفهم وأن ينضموا إلى جيش التحرير الفكري؟".
هموم ومؤلفات
كانت مشاغل حامد ربيع ومسئولياته كثيرة للغاية، ولكن ذلك لم يعقه عن التأليف والتصنيف، وتعددت مساهماته الفكرية والثقافية، وشملت مؤلفاته قائمة كبيرة من العناوين في مجالات: الدراسات العربية، والدراسات الإسرائيلية، والدعاية والحرب النفسية، ومن مؤلفاته: "الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي"، و"نحو ثورة القرن الواحد والعشرين: الإسلام والقوى الدولية"، و"التجديد الفكري للتراث الإسلامي وعملية إحياء الوعي القومي"، و"نظرية الأمن القومي العربي: والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط"، و"إطار الحركة السياسية في المجتمع الإسرائيلي"، و"مصر تدخل عصر النفايات النووية"، و"اتفاقية كامب ديفيد: قصة حوار بين الثعلب والذئب"، و"التعاون العربي والسياسة البترولية المعاصرة"، كما قام بتحقيق كتاب "سلوك المالك في تدبير الممالك" لابن أبي الربيع، ووصف هذا الكتاب بأنه: "وثيقة ليست فلسفية سياسية وليست علما، ولكنها تحليل للإدراك السياسي الجماعي الذي قاد الحضارة الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري".
وقد كتب سلسلة من المقالات في مجلة الموقف العربي تحت عنوان "أمتي والعالم"، و"سوف أظل عربيا"، و"العرب في قلب العاصفة"، وتم تجميع هذه المقالات في عدد من الكتب، منها: "مصر والحرب القادمة"، و"الاستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر"، و"الرجولية السلوكية في تقاليدنا العربية: سوف أظل عربيا"، و"كيف تفكر إسرائيل؟"، و"إدارة الصراع العربي الإسرائيلي".
الوفاة الغامضة
توفي حامد ربيع في القاهرة في 8 من صفر 1410هـ الموافق 10 من سبتمبر 1989م وهو يهم بكتابة مقاله الحادي عشر في سلسلة مقالاته "مصر والحرب القادمة"، حيث جاءت وفاته في ظروف غامضة، وقد تحدث البعض عن وجود شبهة في وفاته، نظرا للظروف الغامضة التي لابست الوفاة، ولكن لا يوجد أي دليل ينفي أو يثبت ملابسات وفاة هذا المفكر والعالم الكبير، فهي من الأسرار التي دفنت بوفاة صاحبها.

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-27-2010, 05:48 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


اختلال القوى القيادية في الأمة


"بُنَي لابد وأنك تشعر – وقد تفتحت مداركك وأضحيت قادرًا على التمييز بين الخير والشر، وعلى تقييم الصالح وفصله عن الطالح – بشيء من الازدراء والاحتقار، لذلك الجيل الذي يحيط بك، ويقودك ويوجهك ويفرض عليك الطاعة والاحترام، أرى في كثير من الأحيان لمحات السخرية الصامتة على مخيلة طلبتي، أبنائي وبناتي، وهم يعلقون على سلوك آبائهم وأساتذتهم، ومن هم في حكم أولئك".


نعم صراع الأجيال حقيقة أزلية، ولكن ذلك الصراع لم يمنع الاحترام والتقدير وخلف الصراع توجد رابطة الاستمرارية الثابتة، التي تتعدى الخلاف المؤقت والنسبي لتخلق قصة الإنسان والوجود.
رغم ذلك فعليك يا بني وأنت تحكم عليهم أن تذكر أولاً مدى ما لاقَوْا وما عانوا، وكيف خرجوا من تلك المحنة التي عاشتْها أمَّتنا، وحملوا هم وحدهم وزرها، وآثارها، ولا تتصوَّرْ يا بُنَيَّ أنَّها محنة جيل واحد، لقد حمل ذلك الجيل الذي تنظر إليه مستنكرًا المآسي المترسبة خلال عشرة قرون على الأقلِّ، لا تتصوَّر أنَّني أدافع عن هذا الجيل الذي أنتمي أنا أيضًا إليه، أنا أعلَمُ – وسوف تقرأُ ذلك في صفحاتِ هذه التأمُّلات – أن هذا الجيل هو حلقة في سلسلة طويلة من الأجيال التي تنكَّرتْ لتعاليم آبائِها الأوائل، والتي خانَتِ الوظيفة الحضاريَّة الخلاقة، التي عَهِدَتْ بِها العِناية الإلهية لأبناء هذه المنطقة، أجيال تركت الآخرين يشكلون منطقها وعقلها على المستوى الفردي والجماعي، فأضحت لقمة سائغة في يد قوى معادية لا يمكن إلا أن تقِفَ من رسالتنا التَّاريخيَّة موقف الرفض والعداوة.


كم عانيت يا بني إذ أنظر إلى أولئك الذين من حولي؛ فتجمع نظرتي بين الحب والإشفاق من جانب، والاحتقار والازدراء من جانبٍ آخَرَ، كما تضافرت في الذات عوامل التمزق، وهل هناك أشد على النفس من أن تحتقر شخصًا وتحبه في آن واحد؟ من أن تزدري إنسانًا وتعطف عليه؟ تسعى إليه بدافع من العاطفة، فإن تركت المنطق بحكم لغته التي لا تعرف سوى الوضعية بجفافها، لم تستطع إلا أن تشعر بالنفور والابتعاد، إنها مأساة جيل كامل، لا يستطيع أن يفهم حقيقتها إلا من عاناها وعاشا جَنَبَاتِها.


لا شكَّ يا بُنَيَّ في أنَّك تنظر من حولك وتسأل نفسك: أين أنا؟ هل أعيش وسط غابة قد امتلأتْ بالوحوش؟ أم إنَّنِي أنتمي إلى حديقةٍ للحيوانات تَجري في أنْحائِها كيانات ليستْ فَقَطْ غير عاقلة ولكن مفترسة؟ أم إنَّنِي أُشاهِدُ مسرحيَّة تتذَبْذَبُ فُصُولُها، بين الهزل المضْحِك والجِدِّ المُبكي؟ ولكنَّك يا بُنَيَّ تعيش كل ذلك في آنٍ واحد بين طبقات حاكمة قد نسيت إلا أنانيتها، و"ديدان" استطاعتْ أن تتسلَّق لتَصِلَ إلى أقصى القِمَّة، ولكنَّها لم تعد تذكر طبيعتها منذ أن تربعت في كراسي السلطة، وظَنَّتْ أنَّها قدِ اكتَسَبَتْ خصائصَ القيادة، وذوي قدرات فكرية انقَلَبُوا إلى مَجموعةٍ من الصفاقة، الذين تعوَّدوا الكذب بلا حياء، وقد فقدوا كل وعي بتقاليد الممارسة المهنية، دعني أهمس في أُذُنِك أنَّ الطبقات الحاكمة – رغم ذلك – ليستْ إلا تعبيرًا عن فسادِ الجسد ورخاوة الإرادة وتعفُّن الضمير، وكلُّ شعبٍ لا يَحكُمُه إلا مَنْ يستحِقُّه، ويعكس جميعَ خصائصِه من ضعفٍ وقُوَّة، علينا أن نعترف أن تَخَلُّفَ المنطِق القياديِّ ليس إلا النتيجة الطبيعيَّة لقصور القوى الفكرية، والمثقفة عن أداء وظيفتها، وإذا كان الحاكم يتقن فن الكذب فليس إلا نتيجة عدم قدرة المجتمع على أن يواجه ذاته بصدق وصراحة، وإذا كانت أمتنا ليست قادرة على أن تفهم حقيقة الموقف الذي تجتازه، فمرد ذلك أن الضمير والوعي الجماعي لم يعد صالحًا لأن يخلق ويفرض ذلك الإطار من القيم والمثاليات، الذي هو وحده الصالح لأن يساند ويحكم التدبر والتعامل السياسي.


ترى هل نستطيع أن نفهم كيف أنَّ هناك لحظات في تاريخ المجتمعات يتعين فيها على المفكر والفيلسوف أن يخاطب رجل الشارع، يثير فيه عناصره النفسية الدفينة، ويدفع من خلال قرع الضمير الجماعي ذلك الرجل العادي ليحيله إلى قُوَّة خلاقة تنطلق في عملية إيمان بالذات لتصير فيضانًا يتحكَّم في مصائر الحركة؟ أليس هذا ما فعله سقراط، وانتهى بأن يقدم ذاته على مذبح الإيمان والتضحية؟ وهل تَختلِفُ القِصَّة في تاريخ المجتمع الإسلامي، ومن خلال أكثر من نموذج واحد؟ لنتذكَّر ابن تيمية على سبيل المثال! وهذا عالَمنا المعاصر يقدم لنا الصفحات الواحدة منها تلو الأخرى! وأين "فيشت" من قصة الثورة في القيم والأخلاقيات على الأوضاع القيادية المتعفنة؟


أزمة قيم:
إن خصائص الكثير من الطبقات القيادية التي تسيطر على مصير الأمة العربية، والتي يتعين علينا أن نتأمل معها تتمركز – وبغض النظر عن نسبية هذا الخصائص واختلافها قوة وضعفًا، في مختلف أجزاء تلك الأمة – حول متغيرات أربعة:


المتغير الأول: يدور حول طبيعة المنطق القيادي، فهو منطق متخلف، إنه يمثل تقاليد عفا عليها الزمن، ومن ثم لم يستطع أن يستوعب حقيقة التطورات التي تعيشها الأمة، وقد انفصل عن الطبقات المحكومة ليعيش في أبراج عاجية، تسودها الأنانية والتجمد وعدم وضوح الرؤية.


وقد ترتب على ذلك المتغير الثاني: وهو يدور حول حقيقة نراها في كل مناسبة، ونشاهدها بحزن وألم دون أن نستطيع منها فكاكا، كيف أن هذا النوع من القيادات غير قادر على فهم حقيقة الموقف الذي تعيشه أمتنا، فهي من جانب تبالغ في إعطاء الأشياء التافهة أهمية لا تملكها، وهي من جانب آخر تمر أمامها الحقائق والوقائع الخطيرة الحاسمة فلا تشعر بها، ولا بخطورتها، وإن تنبهت لذلك فكل ما تفعله لا يعدو الصراخ والعويل.
إنها بعبارة أخرى، لا تملك القدرة لا على أن تعطي كل موقف وزنه الحقيقي، ولا على أن تتعامل مع الموقف من منطلق الفاعلية والقدرة الواعية، والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى تخلف تلك القيادات، بل وكذلك إلى نقص ثقافتها السياسية بالمعنى القومي والاستراتيجي.


أما المتغير الثالث: والذي يمثل الخطورة الحقيقة فهو الكذب، الذي تعودت هذه القيادات على ممارسته بعناد وصلابة، حتى انتهت بأن تصدق هي ذاتها تلك الأكاذيب، يساعدها على ذلك خوف من فقدان السلطة، أضحى تقليدًا، واستعداد من المواطن للتملُّق وقد تحوَّل إلى سلوكٍ ثابت؛ بِحَيْثُ صار شرطًا أساسيًّا لِلحصول على المنفعة التي بِدَوْرها أضْحَتْ هي وحده مِحْوَر التَّعامُل بَيْنَ الحاكم والمَحكوم، إنَّ الوُصُوليَّة قد وجدت في كل مجتمع بشري، وعرفها كلُّ نِظامٍ سياسي، ولكنَّ القائِدَ الحصيف، هو الذي يعرف أنَّ لكل شَيْءٍ موضعه، البعض يعتقد أنَّ الكَذِبَ هو تعبيرٌ عن الدهاء والقدرة على التلاعب بالموقف، ويتصوَّرُ أنَّ هذه هي المكيافيلية المثاليَّة، ولكنَّ هناك فارقًا بين الخديعةِ في مُعاملة العدوِّ، والكذب في التَّعامل مع الموقف، الأوَّل يعني أخْذَ الخصْمِ على غِرَّة، أمَّا الثَّاني فهو تعبير عن عدم الإدراك الذاتي لحقيقة الموقف.


وهذا يقودنا إلى المتغير الرابع: الذي هو النتيجة اللازمة والمنطقة لعنصر الكذب، حيث نرى هذه القيادات العربية في معظمها لا تفهم.. ولا تعرف.. ولا تقبل فن المناقشة، وهي لم تعد ترى في المناقشة وسيلة للوصول إلى ا لكمال، وإنما هي أسلوب من أساليب التعبير عن عدم الاحترام، إن عدم تقبل المبارزة المنطقة ليس إلا النتيجة الطبيعية لعدم الثقة في الذات، وهي لا تقتصر على القيادات التقليدية، بل لقد لمسنا نفس هذه الظاهرة في أكثر من تطبيق واحد، بصدد العالم المتخصِّص بالذات وقد أتيحت له فرصة الانتقال إلى العمل السياسي، فإذا به وقد فقد جميع صفات الممارسة العلمية، التي أساسها الانفتاح الفكري وتقبل مقارعة الحجة بالحجة، كأساس لتنقية المنطق من الشوائب، ويضخم من هذه الظاهرة نتيجة أخرى منطقية للعامل النفسي المتستر خلف هذه الحقيقة، أي عدم الثقة بالذات، فالقيادات هذه وهي ترفض المناقشة، فإنها إذا فرضت عليها المبارزة المنطقية تنتقل ببساطة وسهولة إلى الإسفاف والبذاءة.


اختلال القوى القيادية:
بني: لا أريد أن تتصوَّر أنني أسعى إلى تخفيف مسؤولية قياداتنا، ولكن علينا أن نتذكر أن التاريخ عرف هذه النماذج في أكثر من موقف واحد، اختلال القوى القيادية ظاهرة متكررة لأنَّها حقيقة المأساة التي عاشها ويعيشها الإنسان، ولكنَّ أصالة الشعوب تَبْرُز عندما تعرف القوى الفكرية كيف تُعِيد تصحيح المسار إزاء الخلل الذي يُسَيْطِرُ على القيادة السياسية، وإذا كانت هذه هي قِصَّة الوجود الإنسانِيِّ فلْنَقِفْ إزاء نَموذَجَيْنِ كل مِنْهُما يحمل مذاقه الخاص:
الأول: يقودنا إلى المجتمع اليوناني قبل الميلاد.
الثاني: ينقلنا إلى المجتمع الألماني في أعقاب الثورة الفرنسية.


كل من حلل التاريخ اليوناني لاحظ بوضوح مدى تخلف الطبقة القيادية في مواجهة وظيفتها المقدَّسة، بينما أفلاطون وأرسطو وسقراط كلٌّ منهم بأسلوبه يندد ويهدد ويذكر، هذه قيادات أثينا وإسبارطة تعيش في عبادة الأصنام، وقد جعلت ممارسة الجنس في أقبح صوره وسيلتها للوصول والتقرُّب إلى الآلهة، وحتى عندما جاء "بركليس" ليسطر صفحة رائعة في تاريخ الشعوب، لم تكن قِصَّتُه سوى لحظةٍ استثنائية في تاريخ مُجتمعٍ لم يستطع أن يعد قيادته الحاكمة.


نموذج آخر يعيد القصة، ولكن في دلالتها الإيجابية: المجتمع الجرماني في مواجهة الغزو الفرنسي في بداية القرن التاسع عشر، إن قصة أمراء المجتمع وقيادته، والواحد منهم يتبارى مع الآخر في الانحناء أمام قنصل فرنسا الغازية – "نابليون بونابرت"، لا يزال يرويها الجميع بخزي وعار، ولكن الفكر السياسي الألماني رفض إلا أن يقف مُتكاتفًا متراصًا مؤمنًا بوظيفته التاريخية، يقود ويهدي، ويعلنها حربًا ضاريةً على كلِّ مَن أصابه الخوف أو الوهن، لم يتردد حتى أولئك الذين جعلوا من مبدأ الدفاع عن النظام القائم محور فلسفتهم، أن يحيلوا لغة المديح إلى أداة للتنظيف والتنقية، ولنترك جانبًا "فيشت"، ولنحاول فهم الدلالة الحقيقية لفلسفة "هيجل"، ألم يوصف بأنه فيلسوف الدولة الروسية؟ ومع ذلك أليس هو من خلال قنابله الفكرية الموقوتة الذي قاد إلى بناء الثورة الثقافية الحقيقية، تلك الثورة التي دفع ببراكينها وزلازلها إلى تمزيق الأوضاع القائمة؛ بحيث كان لابد وأن تقود إلى خلق العملاق الألماني الذي لا يزال حتى اليوم يثير الرعب في قيادات واشنطن؟ وهل يمكن أن نفسر المعنى الحقيقي لبطولة "فيشت" وقصة تحديه للغازي الفرنسي؟ هذا الفيلسوف الألماني الذي لم يتردَّد في أن يقف في أكاديمية بروسيا المشهورة ليخاطب الوعي الجماعي، وليذكِّر الطبقة القيادية بواجبها ووظيفتها دون أن يعبأ لا بالجثث المعلقة في شارع برلين، ولا بأحكام الإعدام بالجملة، التي كانت تصدر من بونابرت بِمناسبة ودون مناسبة، ولا بضخامة الجمهور الذي وقف يتحدث إليه وما يعنيه ذلك من إمكانية تسرب تفاصيل حديثه إلى الغازي، بل خلال اثنتي عشرة محاضرة متتالية راح يهاجم الحضارة الفرنسية، ويشرح الاستعمار البونابرتي، ويرفض الوجود اللاتيني، ويدعو جميع القوى الألمانية الأصلية لأن تتكتَّل خلف القيادات التي آن لها أن تكون واعية لتطرح عن كاهلها تلك البربرية الجديدة.


إنَّ قوَّة الشعوبِ ليستْ فقط في أن تعرفَ كيفَ تخلق قياداتها الصالحة الواعية والقادرة على تحمل المسؤولية، بل إنَّ القوَّة الحقيقيَّة للأمم الخلاقة وللشعوب الحية اليقظة هي في أن تملك تلك الفئة المختارة القادرة على أن ترتفع عن مستوى الفرد العادي، لتبرز كإرادة للتحدي، مغامرة بنفسها لتصحيح مسارات الطبقة القيادية، ولو على حساب حياتها.
ولماذا نذهب بعيدًا؟ أليست هذه قصة تاريخنا؟ هذا التاريخ الذي أضحى يقدمه أعداؤنا وخصومنا على أنه أحاديث ألف ليلة وليلة، وأشعار أبي نواس، إنه عامر بالنماذج التي ليس فقط عن إرادة التحدي، بل وعن حقيقة ذلك المجتمع على أنَّه قام على محور واحد: الفئة العلمية المختارة.


إن تاريخنا هو قِصَّة "الأئمة الأربعة" الذين لم يتردد أي منهم في أن يقف من السلطان (الحاكم) موقف الرقابة والمحاسبة، ولو على حساب حياته وحريته.
إن هذا التاريخ هو أيضًا قصة الإمام أحمد بن حنبل الذي تحدى ثلاثة خلفاء، ولم يتردد في أن يقف وحيدًا مهابًا يرفض نظرية فكرية كاملة، وليجعل من الرأي العام – في عالم لم يكن يعرف بعد ما تعنيه هذه الكلمة – قوة تثور على الخليفة العباسي، وتجعله يتراجع وينحني إجلالاً وتقديسًا.


إن ما يعنيني يا بني هو أن تعود إلى آبائك الأوائل، وأن تقرأ صفحة التاريخ لتعلم أنك تنتمي إلى الأمة المختارة، التي يجب أن تقود الإنسانية، وأن توجهها.
أنت نقطة البداية في حضارة عصر النهضة الحقيقي، إن النهضة التي طالما سمعت عنها، والتي تحدث أكثر من مفكر بذكر فصولها، لا تزال في الأفق لم تحدث بعد!!
أنت الذي سوف تَخْلُق هذه النهضة، وليس أمامك إلا أن تعود إلى آبائك الأوائل تسألهم وتسترشد منهم عن حقيقة وظيفة الأمة التي تنتمي إليها، والتي اختارتها القوة العليا لأن تقود الدعوة للعودة إلى حظيرة القِيَم المثاليَّة، لا تنظر إلى ما حولك، إن الفارس الحقيقي لا يلقي ببصره إلى ما هو أسفل أقدامه، وإنَّما يتَّجه ببصره إلى الأمام، إلى المستقبل.
أنت فارس التاريخ، ومنك وبفضلك سوف ينبت ويترعرع تطبيق جديد لحضارة آبائك الأوائل، حضارة سوف تتسع لتفرض على كل وجود معاصر أن ينحني إكبارًا لها.
إن هذا صوت التاريخ.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-27-2010, 05:49 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


أمتي أمة القيم
نعم سوف أظل عربيًّا، وليس ذلك مرده إيمان أعمى بانتماء فُرِضَ عليَّ بحكم الميلاد، بل إنه نتيجة قناعة متعددة الأبعاد، هي الخلاصة النهائية لمتابعة تاريخ الإنسانية، ذلك التاريخ الذي ننتمي إليه، إنه النتيجة التي لابد أن يصل إليها كل مَن يستقرئ الأحداث التي ارْتَبَطَ بِها الوجود الإنساني، فتكون من حصيلتها التراث الحضاري، الذي يتمركز في وسطه ذلك التُّراث الذي قدمه آبائي، وهو النتيجة المنطقيَّة لذلك الاختيار الذي فرضَتْهُ العناية الإلهية على أرض آبائي وأجدادي في مواجهة تلك الإنسانيَّة وذلك الوجود الإنساني.


هل تريد يا بُنَيَّ أن تعي معي قِصَّة التاريخ؟ يرويها لك أحدُ الثقات، وقد تجردت نظرته، أي من محور واحد: الصدق والأمانة مع الذات.
إذن فاستمع معي إلى صوت الماضي!!


وجدت أُمَّتِي منذ بداية الإنسانيَّة في تلك البقعة التي تتقابل فيها القارات الثلاث، أي في قلب العالم، ولم يكن من قبيل الصُّدَف أن يخرج من هذه البقعة صوت الدعوة إلى الهداية، الدين هو صوت الحق، وهو وحده الذي يرفع الإنسان من مرتبة الوحشية إلى قدسية الملائكة، وهكذا في أرض الصحراء، تحدد مصير الإنسانية، ومن هذه الصحراء القاحلة التي لا يعرف أن يعايشها سوى البدوي كانت الدعوات المتتالية، فخرج صوت الإيمان والتضحية قويًّا بنقائه، ثابتًّا بوضوحه، عميقًا ببساطته.


هذه الإنسانيَّة الجديدة، وهذه الأرض التي أنتمي إليها، هي أرض الأديان، وهي أيضًا أرض العروبة، إنها ليست فقط أرض الإسلام، بل منها منبت ديانة التوراة وإليها تعود ديانة المحبة، أي الديانة المسيحية، إن المسيحية ديانة عربية.
لذلك، سوف أظل عربيًّا.


وإذا كان العربي قد نسي قدسية تعاليم أجداده، وقعد عن حمل رسالتهم التي حملتها لهم السماء، فإن ذلك ليس خطيئة فرد واحد، وإنما هي خطيئة أمة بأكملها غالطت نفسها ونسيت حقيقتها، وسارت في طريق يبعد عن ذاتها الحقيقية، فالإنسان مجموعة من الأخطاء، والخطأ وسيلة التعليم والارتقاء.


ونحن العرب ارتكبنا من الأخطاء الكثير، وهذا حاضرنا، أليس هو سلسلة متتالية من المآسي التي ليس مردها – في جانب كبير منها – سوى الوقوع في الخطأ والإصرار عليه؟
ولكن ككل حضارةٍ خلاَّقة قادت وسَعَتْ إلى رفع راية العقل البشري، فكذلك كان لابد وأن تتعثَّر حضارتُنا العربيَّة لتقع وتسقط في أكثرَ من مناسبة واحدة، وكان لابدَّ وأن تتعلَّم لتستعيدَ سيرتَها، ولتندفِعَ رافعةً راية الحق، مدعمة قصَّة الوجود الإنساني.


لا يستطيع أيُّ باحثٍ أن يَفْهَمَ حقيقةَ الوظيفة التاريخيَّة، التي عهدت بها العناية الإلهية لأمتنا العربية، إلا إذا ألقى نظرة كلية شاملة على حقيقة التطور العام، الذي صبغ الإنسانية وموضع تلك الأمة من ذلك التطور، لو تركنا جانبًا الجزئيات والتفاصيل لاستطعنا أن نؤكد كيف أن قصة الإنسان في سعيه نحو الخلود تمركزت ونبعت من قوى ثلاث: الصين في أقصى الشرق، والإنسان الأوروبي في أقصى الغرب، وقد توسطتها الحضارة العربية على قوس ممتد ومتصل من البحر الأصفر على مشارف المحيط الهندي إلى أرض الغال في أقصى الشمال الغربي، وبينهما البحر الصحراوي حيث تسود قوة البداوة وصلابة الاتصال المباشر بالطبيعية في أسمى صورها.


تمركزت جميع عناصر التقدم للوجود الإنساني، والتطور الحضاري نحو الكمال والارتقاء جميع القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عرفتها الإنسانية، لم تكن سوى مراكز ثلاثة تبلورت حولها نماذج ثلاثة مختلفة ومتباينة للفرد وللحضارة وللقيم المثالية، المجتمع الصيني أولاً حيث الكيان السياسي يمثل الأمة القومية المنغلقة على نفسها التي تأبى إلا الارتفاع بالاكتفاء الذاتي، وحيث استطاعت الأمة الصينية – وعلى متسع زمني يصل إلى أكثر من أربعين قرنًا – أن تظل متماسكة؛ لأنها لم تنشأ وتتطور استنادًا إلى حق الفتح، ولكنها نبعت من مفهوم الرقي والسمو الحضاري والأخلاقي في مواجهة تلك الأمة الصينية وعلى الطرف الآخر من القوس الممتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، نجد المجتمع الأوروبي، جماعة تحدثت دائمًا عن وحدتها، ومع ذلك لم تستطع في أي مرحلة من مراحل تاريخها عقب الدولة الرومانية أن تحقق تلك الوحدة السياسية.


وِحْدَتُها الحقيقية كانت في مواجهة أعدائها، وفي فلسفة تعاملها مع المجتمعات الأخرى المحيطة بها، حيثُ سادَتْها مبادئ ثلاثة: القوة والبطش من جانب، والخديعة والكذب من جانب آخر، ثم الاستعلاء والتعصب من جانب ثالث، حتى عندما غزتها الدعوة الدينية السماوية التي جاءت من أرضنا – أرض الأديان – من الصحاري العربية عبر البحر المتوسط، لم تستطع أن ترفع من مستوى أخلاقيَّاتها، بل لقد أعادت صياغة تلك الأديان على ضوء أنانيتها الحركية وتعصُّبها العنصري، بل إنَّها لم تتردَّد في فترات معيَّنة أن تلفظ تراثها الديني وتعلن الرفض المطلق، والطرد الكلي الكامل لمنزلة الإله من الوجود، والتَّعامُل المَدَنِي الأوروبي – منذُ أيَّامه الأولى – إباحي متعصب استفزازي، يأبى إلا أن يستخدم جميع عناصر البطش الحيواني، وقد صبغها بصورة من المثالية المصطنعة، لن نستطيع أن نفهم أوروبي اليوم، وغربي الغد، إن لم نعد إلى أجداده الرومان، بِقَسْوتِهم وعنفهم، فضلاً عن ذلك التحلل الأخلاقي الذي صبغ التاريخ الأوروبي، قصة صارخة لكل ما يقدمه انحدار الإنسان إلى مرتبة الحيوان من خصائص وصفات، وهذه صفحة أخرى تتوالَى فصولُها أمام أعيُنِنا في الأرض العربية باسم الصهيونية السياسية، ليست إلا تعبيرًا عن هذه الحقيقة.


بين الأول والثاني وجد الإنسان العربي: نبله معتدل، وإيمانه متأصل، وصلاحيته للمثاليات تلقائية، وهكذا اختارت العناية الإلهية تلك الأرض لتقدم الدعوة الربانية، وتزرع القيم والمثاليات السلوكية.


لقد تساءل أكثر من عالم واحد: ما هي خصائص الحضارة الخلاقة؟ ما هي تلك المتغيرات الثابتة التي يجب أن نبحث حول توفُّرِها واحترامها علامات الارتفاع والارتقاء للطبيعة الحضارية، أي لذلك المستوى الذي يَصِحُّ أن يُوصَفَ بالتَّمَيُّز، والذي يعطي وحده تلك الحضارة حق القيادة والتوجيه، وبحيث تستطيع مثل تلك الحضارة أن تنظر إلى الحضارات الأخرى من ذلك العلو الشاهق، الذي هو وحده محور العظمة الإنسانية؟ وثَمَّة مَحاوِرُ خَمسة يَجِبُ من حصيلتها رؤية ذلك النسيج الذي هو منطق التفوق الحضاري:


أولاً: نظام القِيم والمثاليات، الذي هو محور الوجود والممارسة.
ثانيًا: عالمية الوظيفة الحضارية.
ثالثًا: القدرة والمقدرة على تطويع الذات الجماعية.
رابعًا: الاستمرارية التي تعلن عن الصلابة والثبات.
خامسًا: إدارة الصراع.


أمتي وحدها استطاعت أن ترتفع بهذه العناصر الخمسة إلى مرتبة التكامل، ولكنها لم تقتصر على ذلك، ففي إحدى مراحل تاريخها كانت قادرة على أن تخلق من تلك العناصر إطارا متجانسًا للتعامل التاريخي، لم تستطع أن تقدمه أي حضارة أخرى.
لذلك سوف أظل عربيًّا! ولكن كيف حدث ذلك؟ مهلاً يا بني فالحديث طويل.


"أمتي العربية أوَّلاً هي أمة القيم"
نظام القيم الذي رسبته تقاليدنا السياسية، لا يزال في حاجة إلى كشف وتنظيف من تلك الرواسب التي علقت به، إن قصة تاريخنا الحقيقية هي قصة دفاعنا عن القيم والمثاليات، وتارة نجحنا، وتارة فشلنا، ولكن المحور الحقيقي لجميع صفحات الصراعات الحقيقية غلفتها قيم المثالية، ومثالية القيم، هذا التاريخ الذي أضحى يقدمه أعداؤنا وخصومنا على أنه أحاديث ألف ليلة وليلة، عامر بالنماذج التي تعلن ليس فقط عن إرادة التحدي، بل وعن الاستعداد للمغامرة بالذات في سبيل القيم العليا، التي سادت ذلك المجتمع وتقاليده، ألم نذكر من قبل قصة "أحمد بن حنبل؟" وهل هو الوحيد؟ وأين "ابن تيمية" أيضًا في عصور التدهور والانحطاط؟ فلنقتصر مؤقتا على أن نعود إلى قصة قيم التعامل الخارجي، لنكشف رحيق القيم التي أرستها تعاليم أمتنا وقصة الشهامة العربية.
السياسة الدولية لم تعترف بأي نوع من أنواع القيم، قامت على شريعة الغاب؛ حيث يقف الجنس البشري وقد تحول إلى مجموعة من الحيوانات الكاسرة، القوي يبتلع الضعيف، والقادر يطوع غير القادر لصالحه، وصاحب السيطرة يوظف الآخر لخدمته، لا موضع لأي لغة أخرى في ميدان التعامل بين الشعوب، قد تتعدد نماذج الوجود الإنساني، وقد تختلف تطبيقات التعامل الحضاري، وقد تتنوع أساليب الممارسة السياسية، ولكن عندما نقف نتأمل حقيقة وجوهر التعامل بين الدول والشعوب فلا موضع إلا للغة واحدة: منطق الغابة، ولغة البطش والأنانية، هكذا كان الإنسان في تاريخه القديم، ورغم جميع نداءات المثالية التي ظلت تتحدث في الداخل بلغة، وعندما تنتقل إلى الخارج تستخدم لغة أخرى، الأسطورة المعروفة باسم "حصان طروادة" ليستْ إلا نموذجًا يتكرر في جميع صفحات التاريخ القديم.


قيصر عندما دخل مصر زعم في خطبته المشهورة بأنَّه إنما أراد أن يعيد إلى المجتمع الفرعوني حرياته المفقودة، خديعة.. الواحدة تلو الأخرى، وكذب وتعامل من منطلق النسيان لجميع القيم والمثاليات.


قصة "روما" ليست سوى تأليه للقوَّة الغاشمة والعنف دون حدود، ودون قواعد في التعامل مع غير الروماني، إن من لا يحمل الجنسية الرومانية لمجرد أنه كذلك يحل قتله دون أي حساب أو مساءلة، العصور الوسطى لم تخرج عن هذه القاعدة، كان مؤلف "الأمير" لمكيافيللي هو الكتاب المقدس، الذي يحمله تحت إبطه كل أمير أوروبي، وكم تساءل أكثر من مفكر أوروبي خلال القرن الخامس عشر: حتى الحيوانات تخضع في صراعها لحد أدنى من قواعد التعامل، فهلا استطاع الإنسان أن يرتفع عن تلك البربرية التي تسيطر على جميع مسالك الصراع التصْفَوي بين الشعوب الأوروبية؟


ولماذا نذهب بعيدًا؟ تعالوا معي نقرأ تاريخ باباوات روما، حاملي مشعل القيم الكاثوليكية، وكم هي تقدم قصصًا عامرة بأقذر الممارسات، إن قصة "سيزار بورجيا" كافية لتقشعر من هولها الأبدان، فإذا وصلنا إلى حضارة عصر النهضة إذ بلغة القوة تتحول إلى منطق العنصرية: إن حق الشعب المختار أن يحكم ويوجه ويقود ويستأثر بالشعوب الأخرى، والشعب المختار هو الشعب الأبيض، وليس لأحد حق في الألوهية السياسية سوى ذلك الرجل الذي يحمل ملامح العنصر الآري، مأساة المجتمع الأوروبي هي قصة العنصرية التي لا تزال تتوالى فصولها أمام أعيننا، وهل تستطيع الحضارة الغربية أن ترفع عن ضميرها أربع مآس لم يعرف لها مثيلاً التاريخ الإنساني: استئصال الهنود الحمر في القارة الجديدة، ثم استئصال الأهل الأصليين في أستراليا، واستئصال اليهود في القارة الأوربية، ثم استئصال الفلسطينيين من أرض آبائهم؟


في مواجهة هذا المنطلق العنصري المتخلف تقف أمتي شامخة متميزة.
لماذا؟
سؤال يَجِبُ أن نُجيبَ عليْهِ حتَّى لا نُوصَفَ بالتحيُّز والاختلاق.


نظام القيم السياسية يدور حول أربعة أبواب: قِيَم التعامل الجماعي بين الشعوب، ثم قيم التعامل مع الفرد الأجنبي في داخل المجتمع السياسي، ويأتِي عقب ذلك فصل خاصٌّ بقيم التعامل الداخلي، أي تلك المثاليات التي تحكم علاقة الفرد المواطن بالسلطة، أي الحاكم بالمحكوم، ثم أخيرًا الفلسفة العامة للوجود الإنساني، أي نظرة المجتمع وعلاقته بالعالم الذي يحيط به وإليه ينتمي.
الباب الأول: يدور حول خصائص القيم التي تتحكم في علاقة المجتمع بالمجتمعات الأخرى، سواء تلك التي تتعامل معه تعاملاً سليمًا، أم لا تتعامل معه كذلك، سواء في حالة الوفاق أو في حالة الحرب.
الباب الثاني: ويرتبط بالأجنبي عندما يقدر له التواجد في المجتمع القومي، هل يفقد آدميته، أم له حد أدنى من الحقوق، أم له حق المساواة مع المواطن، ولو في نطاق معين من الامتيازات والحصانات؟
الباب الثالث: وهو الذي يدور حول العلاقات المعتادة واليومية بين الحاكم والمحكوم.


ثم يأتي الباب الأخير: لينقلنا إلى نطاق الفلسفة العامة للوظيفة الحضارية.
لن نستطيع أن نفهم العظمة الحقيقية لحضارتنا العربية، ولسموها على جميع الحضارات الأخرى، إلا إذا تناولنا جميع هذه الأبواب، كل على حدة، فلنتذكر الكرم العربي، والشهامة العربية، والفروسية العربية، وقصص صلاح الدين خلال الحرب الصليبية على سبيل المثال.


ولكن لنقف مؤقتا إزاء أروع صفحات تلك القيم، وهي قيم التعامل الدولي في جميع مراحل الوجود الإنساني، وحتى هذه اللحظة ليس في التاريخ الإنسان سوى المجتمع العربي التقليدي.
لقد آمنت أمَّتِي بقواعدَ ثابتة، جعلت منها دستور الممارسة السياسية مع الشعوب الأخرى، وأطلقتها كقواعد للممارسات الدولية، ولم تقبل لها استثناء، ولو على حساب نفسها.
هذه القواعد يمكن تلخيصها بشرعية القتال دفاعًا عن مبادئها، مع احترام آدمية الإنسان في السلم والحرب، وفي كل الظروف، وعدم السماح للنزعة العنصرية بأن تحكم علاقة العربي بغيره، وحتى في ساحة القتال، فلا يجوز أن يكون الصدام المسلَّح مبررًا لإهدار آدمية الآخرين، نفس القواعد التي تطبق على الإنسان العربي يتمتع بها غيره، ويتحمَّل آثارها غيره، ولا يجوز – والحالة هذه – الاعتداء على المرأة أو الصبي أو العجوز.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-27-2010, 05:59 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


أمتي والوظيفة الحضارية


كلما ازددت توغلاً في فهم حقيقة التراث الإنساني ووظيفة الحضارات التاريخية الكبرى، ازدادت قناعتي بأن هذا الانتماء العربي هو وحده المدعو لأن يؤدي الوظيفة الكبرى في متاهات القرن الواحد والعشرين، نحن نعلم أن ماضي أمتنا قد أصابته الجروح، وأن تاريخنا قد لقي الإهمال وأصابه التشويه، وقد آن لأبناء تلك الأمة أن ينظفوا ذلك التاريخ، وأن يخرجوه نقيا ناصعًا يهدي ويقود إلى الأمام.


أمتي أمة القيم.
وهي لذلك قد وضع على عاتقها وظيفة تاريخية، عليها أن تؤديها في نطاق الصراع الذي تعيشه الأسرة الدولية المعاصرة، لإنقاذ الإنسانية المعذبة من تَمَزُّقاتِها الضَّيِّقة التي فرضتها الأحداث على مجتمعنا، الذي نعيشه في الربع الأخير من القرن العشرين، علينا أن نبدأ فنزيل مجموعةً من المفاهيم الخاطئة التي لم يعد هناك موضع لتقبلها، والتي آن الأوان لكي نوضح حقيقة ما تحتويه من تشويه للخبرة التاريخية.


أُولى هذه الحقائق التي يتعيَّن علينا أن نعترف بها، هي أن كل من أرخ للتراث الإنساني لم يكن إلا غربيًا، أو انطلق من المفاهيم الغربية، والمفاهيم السائدة في تحليل تاريخنا نبعت من النظرية الأوروبية، حيث سادتها في خلفياتها الحقيقية فكرة ثابتة تدور حول جعل تاريخ وكتابة التاريخ أداة من أدوات الدعاية السياسية، فإذا أضفنا إلى ذلك تلك النعرة القومية الغربية لكان علينا أن نفهم لماذا يجب أن نعيد النظر في كتابة التاريخ السياسي، حيث لم يكتب بعد تاريخ الإنسانية بقلم عربي، ليس فقط من حيث اللغة، بل ومن حيث الفلسفة وتفسير الأحداث، وهكذا ترسبت في مفاهيمنا أخطاء عديدة، البعض منها بحسن نية، ولكن الكثير منها لا يمكن تبريره إلا من منطلق لا ينبع من الاعتبارات العلمية، وهكذا أضحت الإنسانية المتقدمة هي فقط تلك الناعبة من التقاليد الأوروبية، والتقدُّم السياسي هو أسلوب الحياة الديمقراطية في نموذجه الغربي القائم على فكرة التصويت، وطقوس الإعلان عن الرأي بحيث لا يتجزَّأ أي منها عن الأخرى.


هذه المفاهيم الخاطئة آن الأوان أن نزيلها ونستبعدها من الإطار الفكري للتعامل مع الوجود الإنساني، إن التقدم السياسي مستقل استقلالاً كليًّا وشاملاً من حيثُ علاقتُه بالتقدم الاقتصادي، ألم يكن المجتمع اليوناني أكثر أنواع النماذج السياسية تعبيرًا عن الديمقراطية التقليدية، ومع ذلك هل نستطيع أن نُقارِنَ ذلك المجتمع اقتصاديًّا بِما يُمَثِّلُه المجتمع الروماني في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد؟ ألم يكن جميع الأنبياء أُمِّيِّين لا يعرفون القراءة أو الكتابة؟ ومع ذلك من يستطيع أن يزعم بأنَّ هؤلاء الأنبياء - وهم الذين قادوا الإنسانية - لا يمثلون أية قدرة ثقافية؟ لماذا أسلوب الحياة الديمقراطية في نموذجه الغربي هو وحده علامة التقدم السياسي؟ ولماذا نذهب بعيدًا؟ ألم تكن الثورة الفرنسيَّة ردَّ فعل لفشل الحضارة الغربية؟ وألم تكن الثورة الشيوعية بدورها رد فعل لفشل الثورة الفرنسية؟؟ وهل يمكن أن نفهم كلا الثورتين سوى أنهما إعلان عن إجهاض لحقيقة المكتسَبات التي قدمها الإنسان الأوروبي خلال سبعة عشر قرنًا منذ الدعوة المسيحية، عندما جاءت الثورتان كلتاهما بأسلوب لتطرد الكنيسة من الوجود المدني؟


تعال معي بني نفسِّر التاريخ في جوهره الحقيقي، الإنسانية عرفت ثورات ثلاث:
الأولى: تنبع من التصوُّر الروماني للممارسة السياسية كما صاغها شيشرون في كتابه "القوانين" ثورة صامتة هادئة خافتة لم يشعر بها أحد.
الثانية: الدعوة الإسلامية بمبادئها ومنجزاتها، ضربة عنيفة أعادت بناء نظام القيم، ووضعت دستور الإنسانية المتمدينة.
الثالثة: الثورة الفرنسية والتي لا نزال نعيش في نتائجها.


كل من هذه الثورات الثلاث تقدم خطوة حاسمة في تقدم الإنسانية، وكل منها ترسم صورة متميزة ومستقلة لقدرة العقل البشري على أن ترتفع ليس فقط إلى مستوى الإعجاز، بل وإلى التسليم بحقوق الإنسان، ولو في شطر منه في نطاق التعامل الاجتماعي والسياسي.


لقد آن للمؤرخ العربي أن يرفض، أو على الأقل أن يعيد تقييم ما تداولته الأقلام الغربية، حيث درجت تلك الأقلام على أن تجعل التَّطوُّر الحضاري للإنسانية المتقدمة ينبع من حلقات متتابعة من الحضارة اليونانية، فإذا بِمفاهيم أفلاطون ومدركات أرسطو تتفاعل مع الخبرة الرومانية، فلتبس ثوب القيم الكاثوليكية التي بدورها تنساب في شرايين الجسد الأوروبي، لتدفعه تدريجيًّا نحو حضارة عصر العقل والنور، فتأتي حضارة عصر النهضة لترفع قدرة العقل البشري على التحكم في مصيره، وتضفي على الإنسان الأوروبي صفات ثلاث لم يقدر للإنسانية من قبل أن تعرفها: العقل، والتقدم التكنولوجي، والقدرة على المغامرة؟


وهكذا من خلال التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة تنبع تلك الحضارة التي نعيشها، والتي يتقلب في ضيائها كل وجود إنساني معاصر.
ورغم ذلك فإن عودة إلى متابعة التاريخ تكشف لنا كيف أن الإنسانية في حقيقتها لم تعرف سوى ثورات فكرية ثلاث، وكيف أن من بين هذه الثورات الثلاث تقف الإسلامية عملاقة بقوتها، قاطعة بما قدمته للإنسان المتمدين، فلنتابع تلك القصة في معالمها العامة ولنبدأ بالسؤال: ماذا قدم الإنسان المفكر قبل صياغة شيشرون لمبادئ القانون الطبيعي في كتابه القوانين؟


فَلْنَتْرُك جانبًا تلك المدركاتِ السائدةَ ولنُعْمِلِ العقل في فهم حقيقة الماضي، إنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ أفلاطون وأرسطو لم يَكُنْ سِوى مُحاولةٍ للقُدْرَةِ الفِكْرِيَّة على أن تكتَشِفَ حقيقة العالم دون هدايةٍ وإرْشاد من جانب الإرادة العليا، هذه المحاولة اليونانية نَجَحَتْ جزئيًّا وفشلتْ جزئيًّا، وكان نَجاحُها في أنَّها أَبْرزَتْ قوَّة الفكر الخلاق، وكان فشلها في أنَّها لم تستطع أن ترتفع للإمساك بتلابيب التَّطوُّر، فتخلق المجتمع القومي والأمة السياسية القادرة على أن تجمع الشعوب في وظيفةٍ حضاريَّة واضحة، وهكذا نَجِدُ أفلاطون، وكذلك أرسطو، بينما يتحدث كل منهما في نطاقه عن العدالة من جانب وعن حكم القانون من جانب، فإنَّ كِلَيْهِما يعترف بأنَّ نظامَ الرِّقِّ هو وضع طبيعي، وبأن هناك أفرادًا ولدوا ليكونوا عبيدًا، وآخرين ولدا ليتمتعوا بالحُرِّيَّة.


ومِنْ ثَمَّ فإنَّ قدرة الإنسان لم تستطع بعد أن ترتفع بفِكْرِها المُجَرَّد، وتصوُّراتِها الذاتية لترى كيف أن هناك قسطًا من الحقيقة الإلهية في كل وجود فردي.
جاء "شيشرون" ليلمس ذلك بإعجاز حقيقي، فإذا به يقول كلمته المشهورة من أن "الطبيعة خلقت الجميع متساوين، وأنها أعطت كل فرد مجموعة من الحقوق الطبيعية التي يجب أن تعلو على إرادة المشرع"، فكر "شيشرون" بهذا المعنى هو في حقيقته ثورة فكرية متكاملة، ولكن ذهبت تلك الثورة دون صدى، ولم تَسْتَطِعْ أن تستجيب لها النُّظم القانونيَّة، بل وانتهى شيشرون في مُحاولته اليائسة للدفاع عن قدسية النظم الجمهوريَّة بأن قتل وشرب من دمه بالقرب من نابولي؛ بل ولا يزال فقه السياسة في التقاليد الأوروبيَّة يغطي على تلك الثورة بغطاء من النسيان والتجهيل.


لقد كان على الإنسانية أن تنتظر أكثر من ستة قرون عقب مقتل شيشرون؛ لتواجه أول ثورة فكرية حقيقية فجرتها الدعوة الإسلامية، لتجعل منها منطلقًا حقيقيًّا لبناء حضارة الإنسان الجديدة، ما هي خصائص تلك الثورة الفكرية؟ لا نزال في بداية محاولتنا للإجابة على السؤال: أين أمتي من العالم؟ وهل نستطيع أن نجيب على مثل ذلك الاستفهام قبل أن نزيل تلك المجموعة من المفاهيم الخاطئة، والمترسبة في الوعي والمدركات التاريخية؟


لا يستطيع مؤرِّخٌ مُحايد أن ينسى كيف أنَّ الدعوة الإسلامية تضمَّنَتْ عناصِرَ خَمسة لم يسبق للإنسان أن عرف معناها وإن اكتشف جوهرها:
أولاً: الإرادة العليا يجب أن تكون موضعَ احترام أيضًا في الحياة المدنية.
ثانيًا: الرِّقُّ حالة غير طبيعية يَجِبُ أن تواجَهَ بوضع حدٍّ لها تدريجيًّا.
ثالثًا: المجتمع السياسي هو قوة متراصة متضامنة.

رابعًا: الكرامة الفردية تُمَثِّل مفهومًا مستقلاًّ عن الأصل العنصري؛ بل وعن الانتماء الديني.
خامسًا: الجهاد هو محور الوجود الإنساني.


إنَّ جوهر الحضارة الإسلامية هو دعوة العقل لإعمال الفكر، وهو دعوة الإنسان لأن ينطلق بقدراته الذاتية لأن يكتشف العالم الذي يحيطه، وعلى أن يكتل طاقته وطاقة أقرانه نحو هدف من المثالية والسمو الأخلاقي، حيث تختفي الأنانية، وبحيث يسيطر على الإنسان مفهوم الجهاد في سبيل نشر الدعوة، الإرادة العليا تأتي فتقود الإنسان، ولكن في نطاق معين بحيث لا تفعل سوى أن تضع مجموعة من المبادئ العامَّة تسمح للفرد بأن يكتشف ذاته؛ إنَّها لا تترك الفرد دون هداية، ولكنَّها لا تفرض على المواطن إطارًا نظاميًّا معيَّنًا، يكبله بقيود هو قادر على أن يتفاداها ويتجنَّبها، والإرادة لا تفعل سوى أن تضع خطوطًا عامَّة مهما قويت قدرة العقل والمنطق على أن تكتشفها فهي تقف منها ضعيفة خائرة.


كذلك فالمجتمع السياسي هو الأمة، والأمة السياسية تعني حقائق ثلاثًا: حضارة، وجماعة، وقيادة.
كليات الوجود السياسي قبل الدعوة الإسلامية لم تكن سوى فرد وجماعة، والعلاقة بينهما لم تكن سوى علاقة تناقض وتعارض.


كذلك عقب التعاليم المسيحية، فإن القديس "سانت أوجستين" لم يكن يستطيع أن يرى في التعامل بين مدينة الإله ومدينة البشر سوى صدام عنيف، ينتهي تارة لحساب الشيطان، وتارة أخرى لحساب الفضيلة، حيث إن ما يكتسبه أحدهما لا بد وأن يكون على حساب الآخر، النظرة السياسية الإسلامية تجعل التعدد للكليات هو محور تصورها، الفرد، الجماعة، الحضارة، القيادة، وإذا كان الفرد هو سيد الجميع، فلا وجود له إن لم يندمج في إطار الجماعة أو الأمة من جانب، وإن لم يترابط من خلال الحضارة، أي قيم الممارسة، أي إطار المبادئ المنزلة من جانب آخر.
وتجمع العلاقة بين جميع هذه العناصر مفهوم القيادة، الخلافة ليست حقوقًا ولكنها التزامات تعبر عن مثاليات الجماعة - أي القيم الدينية - وتخلق الترابط بين الحياة المدنية والحياة الأخرى التي يعد نفسه لها المواطن.


هذه الثورة الفكرية هي التي مكنت المجتمع العربي - رغم فطرته وبدائيته - أن يصبح قدرة خلاقة قادرة على أن تزلزل جميع الإمبراطوريات المحيطة به؛ بل وإذا بأهل تلك الإمبراطوريات يقبلون طواعية على الدخول في تعاليم الدعوة الجديدة، لتحقيق أكبر معجزة في تاريخ الإنسانية، هنا من هذه الأرض انطلق النبت الجديد، وأينعت الحضارة الجديدة حيث تعانقت قيم الإسلام مع وظيفة أمتي الحضارية، وظيفة العروبة السياسية ومع الفارس العربي انطلق الإشعاع الحضاري، ليس فقط بِمعنى القدرة على تقديم الذات؛ ولكن بمعنى الفيضان في المنطقة، وإذا بالإخصاب يقدم ثمرته التي فرضت وجودها على الإنسان في أكثر من موقف واحد.


نبعت الثورة الفكرية الإسلامية - والتي حملتها الحركة العربية قرابة اثني عشر قرنًا من التطور - مجموعة من التقلبات لم تكن إلا تعبيرًا عن فشل الإنسانية في فهمها لحقيقة الوظيفة الحضارية، ثم تبعت ذلك الثورة الفرنسية، ويعترف عمالقة الفكر الأوروبي بأن هذه الثورة الفرنسية قدمت باليمين وأخذت باليسار، إنها باسم حضارة عصر النهضة، وتقديس العقل والحرية خلقت مجموعة جديدة من الأصنام، فأعادت عبادة الدولة، وأطلقت مفاهيم الانتماء إلى الحضارة اليونانية، وانتهت بأن تعمِّق فلسفة التعصُّب العنصري باسم "الحرية، والإخاء، والمساواة"، فالحرية حق أوروبي، والمساواة في داخل المجتمع القومي، وما عدا ذلك لا موضع له في قيم الممارسة السياسية، وإذا كانت العلاقة السياسية الجديدة قد أضحت واحدة ومطلقة ومباشرة، وكلية وشاملة، فهي تنتهي ليس فقطْ بإلْغاءِ القيم والمثاليات الأخلاقية، بل والعودة لجعل النماذج الفكرية لأفلاطون وأرسطو هي دستور الحياة الفكرية، إنها تلغي جميع تطورات ومكتسبات الإنسان قرابة عشرين قرنًا، إنها تعلن فشل الحضارة الكاثوليكية في هداية الإنسان الأوروبي، لا نريد أن نحدد في هذا المجال الدين الذي قدمته تلك الثورة الفكرية الإسلامية، الذي ساهم في هداية المجتمع الأوروبي لاكتشاف ذاته، وكيف أنه - حتى في ذلك القسط المحدود من الإبداع الفكري الخلاق الذي تضمنته الثورة الفرنسية - لم يستطع أن يتوصل العقل الأوروبي إليه إلا من خلال تعاليم الحضارة الإسلامية.


الإنسانية الغربية لم يقدر لها الانطلاق والتخلص من طقوس العصور الهمجية الأولى، إلا فقط عندما قدر للتراث الكنسي أن يتعامل مع التراث الإسلامي، فموجة الزحف الفكري الإسلامي هي التي أحدثت التفاعلات الجديدة مع القديس "توماس الأكويني" فإذا بمسارات فكرية مختلفة، وإذا بتعديل في كل ما له صلة بالإطار الفكري للتعامل.
المفاهيم الإسلامية تطرقت من خلال مسالك متعددة، بعضها مباشرة، وبعضها غير مباشرة، القديس "توماس الأكويني" تعلم على يد ألبرتوس الكبير، الذي درس في صقلية، ونقل إلى الفيلسوف الإيطالي فلسفة كل من ابن سينا وابن رشد.


جامعة باريس عندما أنشئت ظلت أكثر من قرن تدرس الفلسفة اليونانية، من خلال النصوص المنقولة عن فلاسفة الإسلام، وظلت تدرس كتب ابن سينا وابن رشد، حتى أصاب البابا الكاثوليكي نوع من الهلع، فأصدر قراره بمنع تدريس الفلاسفة المسلمين في جامعة باريس، وقد كانت نتيجة ذلك هجرة جماعية: أساتذة وطلبة جامعة باريس انتقلوا إلى جامعة تولوز على حدود إسبانيا، حتى يستطيع هؤلاء العلماء أن يظلوا على تعاملهم مع تلك النصوص الإسلامية دون أن تستطيع السلطة البابوية أن تنالهم.


إنَّ حضارة أمتي هي التي علمت العالم الأوروبي معنى الوظيفة الحضارية، ولكن هذا العالم الأوروبي لم يعرف كيف يستقبل تعاليم أمتي، إن مأساة المجتمع الأوروبي الحقيقية هي أنه في تعامله مع تراث آبائي قبل قسطًا دون الآخر، فحضارة آبائي هي مزيج متجانس من العقل والتدين، العقل أي القدرة الفكرية الخلاقة، والتدين أي التعاليم المنزلة من الإرادة العليا، العقل ينطلق من التعاليم الدينية: طقوسًا وترتيلات؛ لأنها لا تتفق مع المنطق الإنساني المجرد، ولكنها فرضت على ذلك المنطق مجموعة من القواعد، جعلت منها علامة للإيمان.


العقل الأوروبي في جهالته وفي جموده إزاء تعاليم بالية متحجرة ما كان يمكن إلا أن ينحني إجلالاً لذلك التراث العربي، أعجب بالعقل العربي فجرده من إطاره الديني، وطور إمكانية قبول ذلك القسط العقلي بدون قيمه ومثالياته، فكانت تلك النتيجة التي فجرتها الثورة الفرنسية لتذكرنا بقصة الغراب الذي حاول أن يقلد الطاووس، فلا هو ظل على طبيعته، ولا هو اكتسب صفات جديدة.


ما الَّذي نَستطيعُ أن نَفْهَمَه من هذه الملاحظات العامة؟

الثورة الوحيدة التي عرفَتْها الإنسانيَّة كدفعة حقيقية نحو الارتقاء الفكري، هي الدعوة الإسلامية، فهل آن لنا أن نفهم كيف أن قصة التاريخ يجب أن نعيد كتابتها من منطلقات جديدة؟
هُناك صفحاتٌ غامضة في قصة العظمة الإنسانية، يجب أن يعاد تسجيلها، وليس أقل هذه الصفات أهمية ما قدمته الحضارة الإسلامية لبناء مفهوم الدولة العالمية في العصور الوسطى.
إنَّ البابوية الكاثوليكية - وعلى يد مُمَثِّلها الفكري وفيلسوفها السياسي "دانتي" - ما كانت تستطيع أن تؤصل وظيفتها التي قادت الإنسانيَّة الغربية - رغم اضطراب الخطى والخروج عن التقاليد - لولا البناء الإسلامي.


كذلك يجب أن نعيد تحديد وصياغة مراحل ذلك التطور لنستطيع أن نزن بميزان صحيح حقيقة العلاقات التاريخية بين العروبة والإسلام؟ ماذا فعلت العروبة للإسلام؟ وماذا قدم الإسلام للعروبة؟ لا يمكن تصور أيهما دون الآخر، ولكن هناك فوارق وحدود، فأين نضع تلك الضوابط وكيف؟ جميعها أسئلة يجب أن نواجهها ونحن في مرحلة مراجعة قاسية مع الذات، لنصل إلى تلك الشفافية التي وحدها سوف تسمح للأجيال القادمة أن تسطر أروع صفحات البطولة الفكرية.


ولكن مهلاً يا بني، فالفكر في حاجة في بنائه إلى التؤدة والتأني والمعاناة، وليس فقط الإيمان والثقة، ومع ذلك سوف أظل أصرخ، سوف أظل عربيًّا.
"فهل فهمت لماذا؟"
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-27-2010, 06:03 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


السّلاح النَّوويّ وتطوُّر العقيدة القِتاليَّة الإسرائيلية
من استراتيجية الردع عام 1973.. إلى استراتيجية الانتحار في حرب لبنان 1982 .. إلى استراتيجية الهجوم ‏

تحت هذا العنوان كتب المؤلّف – رحمه الله -: "مشكلة التحليل الاستراتيجي من أعقد الموضوعات التي يتعيَّن علينا التَّعرّض لها، ورغم أن الثقافة الاستراتيجية - كعلم متخصص له تقاليده وقواعده - من أحدث العلوم، الذي لا يزال يبحث عن رجاله، إلا أنه كفكر وممارسة وجد منذ أقدم العصور، فالاستراتيجية في أوسع معانيها: هي فن التعامل مع المشاكل. والتعامل مع المشاكل يفترض مسبقًا التفكير والتصور والتأمل، أو بعبارة أدق الإدراك المسبق، ولعله ليس من قبيل المصادفة، أن نلاحظ أن أعظم القادة الاستراتيجيين ينتمون إلى الماضي، وعلى وجه التحديد إلى العصور القديمة، فالحضارة الرومانية قدمت لنا سادة العالم في التصور الاستراتيجي، لقد عاشت الحضارة الأنجلوسكسونية على مفاهيم قياصرة روما؛ بل ولم يكن سر نجاح الدولة العثمانية إلا هضمها لمفاهيم القياصرة، وأولئك الذين يَحْكُمون في واشنطن رغم كل ادعاءاتهم هم طلبة مطيعون لتلك المفاهيم، لم يستطيعوا الفكاك منها. وقبل قياصرة روما عرفنا الإسكندر الأكبر في اليونان، وكليوباترة في مصر، وكِلاهما ينتمي إلى الثقافة الهللينية.
وفي أرض الفراعنة خرج أكثر من عملاق واحد، نستطيع أن نذكر (تحتمس) و(رمسيس)، وكلاهما يعترف له الفكر المعاصر بالقدرات الفكرية الخلاَّقة؛ بل إن (أيزنهاور) عندما حاول أن يعرف كيف يجب التعامل مع منطقة الشرق الأوسط، لم يجد مساعدوه سوى رمسيس الثاني يسألونه: كيف يجب أن تتم الصياغة الاستراتيجية للسلوك الدولي، في هذه المنطقة؟ رغم ذلك فإن علم الاستراتيجية لا يزال ينقصه الكثير من عناصر التقدم والكمال، على أن أخطر ما يجب أن نلاحظه، أن الفكر الاستراتيجي[1] في العالم العربي بصفة خاصة على قسط ضخم من التخلّف، يكفي أن نتذكَّر أنَّ هذه المادَّة لا وجود لها في أيّ تعليم جامعي، حتَّى في الكُلّيَّات المُتَخَصِّصَة، لماذا؟ سؤال آخر جدير بنا أن نتصدَّى له، ولكن ليس هذا موضعه، فَلْنَتَذَكَّر فقط أنَّ من يتعامل لدينا مع المشاكل الاستراتيجية، يعكس حالة التردي والهوة الفكرية التي وصلنا إليها، في أغلب الأحيان نجد أنفسنا أمام شخص فاشل في تخصُّصِه، فوجد في هذا العلم بابًا واسعًا يستطيع أن يدخل من خلاله، ليس هدفنا فتح الجروح، ولكنَّنا نريد فقط أن نضع النقط أسفل الحروف، ونحن بصدد تحليل بعض المشاكل الاستراتيجيَّة التي تسيطر على الفكر الإسرائيلي، ولْنتذكَّر أيْضًا مؤقتًا أنه في جميع المعارك التي خضناها عام 1956 ثم عام 1967 وأخيرًا عام 1973 لم يَكُنْ لَدَيْنا فكر استراتيجي، أو على الأقل كان فكرنا الاستراتيجي ليس على مستوى التعامل الحركي، وأنَّ هذا أحد أسباب الهزيمة. دقة الفكر الاستراتيجي وقدرته على تخطي مشاكله، أحدُ عناصر القوة في الجانب الإسرائيلي.
ومِنْ ثَمَّ يَجِبُ أن نُلاحِظَ منذ البداية، أن التحليل الاستراتيجي له مستوياته، وكل من هذه المستويات يملك وظيفة، ولا يَجُوزُ أن نَتَصَوَّر أن أحد المستويات يغني عن المستوى الآخر في إطاره العام، وبكثير من التبسُّط، هناك ثلاثة مستويات كل منها عُلِم خصائصها:


الأول وهو المستوى القومي، أو ما عبّر عنه بالاستراتيجية العليا، هذه تعني تحديد الأهداف القومية؛ أي الأهداف العليا، ثم ترتيب هذه الأهداف بطريقة تصاعدية، تسمح بتحديد الأهمّ فالأقلّ أهمّيَّة، وأخيرًا تصوّر محدَّد، ليس فقط للبَدَائِل لِكُلّ من هذه الأهداف؛ بل وكذلك لحدودها بمعنى الحد الأقصى الذي لا يجوز تجاوزه، والحد الأدنى الذي يجب أن تقف عنده التنازلات، كذلك يدخل في هذه الدائرة عملية صياغة الأهداف كخُطَّة صالِحة للتنفيذ، سواء من حيث مضمونُها أو من حيث مداخلُها، وكذلك أدواتها، هذه الدائرة تتضمَّن أيضًا ما يُسمى بالأمن القومي، الذي هو أحد عناصر الاستراتيجيَّة القومية، هذا المستوى الأول.


يعقبه المستوى الثاني: والذي يدور حول قطاعات الدولة، في كل قطاع من قطاعات الدولة هناك استراتيجية مستقلة ومتميزة، تندرج في إطار الاستراتيجية العليا؛ ولكنها تستقل عنها دون أن تتعارض معها، وبهذا المعنى لدينا استراتيجية عسكرية وأخرى اقتصادية وهكذا. الاستراتيجية العسكرية تصير بهذا المعنى تحويل وصياغة عسكرية للاستراتيجية القومية.
المستوى الثالث وهو ما يُسمَّى بالاستراتيجية الميدانيَّة؛ ونقصد بذلك تحويل الاستراتيجية الخاصة بقطاع معين إلى خطة للتعامل وقد تحدد القطاع والمكان والموقف، ومن ثَمَّ فإنَّ الاستراتيجيَّة العسكريَّة يَجِبُ بِدَوْرِها أن تتحوَّل إلى استراتيجيَّة مَيْدانية تبعًا للسلاح المستخدم والمكان، أو موقع المعركة المتوقَّعة. هذا الذي حدَّدْنَاهُ، هو تبسيط مُطلقٌ؛ ولكنَّ الفِكْرَة الأساسيَّة واضحةٌ، والتي تعنِي أنَّ التَّعامُل العسكريَّ يفترض تعدّدًا وتناسُقًا.


هناك استراتيجيَّة قومية يتدخل فيها العنصر العسكري، ثم هناك استراتيجية عسكرية، يجب أن تكون من حيثُ طبيعَتُها تحويلاً للاستراتيجيَّة القوميَّة، إلى إدراكٍ عَسْكَرِيٍّ ثُمَّ هُناكَ استراتيجيَّة ميدانيَّة تَدُورُ حَوْلَ نَقْلِ تِلْكَ الاستراتيجيَّة العَسْكَرِيَّة إلى مَيْدَان التنفيذ الفِعْلي سواء بمعنى استخدام سلاح معين، أو مُوَاجَهَة العدُوّ في مَوْقِعٍ مُعَيَّن. الاستراتيجيَّة الميدانية بهذه المعنى تفترض بدورها مستويات ثلاثة: استراتيجية كل سلاح على حدة، ثم استراتيجية كل ميدان من ميادين المعركة، تصير بدورها نوعية أخرى، وفي داخل ذلك فإن كل موقف يفرض بدوره مستوى ثالثًا سواء كان الموقف مرتبطًا بميدان المعركة، أو بلحظة التعامل، أو بظَرْف التعامل.
الذي يعنينا أن نذكر به أيضًا، أن هذا العدد لا يعني الاستقلال والانفصام. فن إدارة الحرب، يقوم على أساس كيفيَّة التفاعل والتداخل بالتأثير والتأثُّر بين جميع المستويات للاستراتيجية، بحيث لا يحدث تناقُضٌ، ولا يؤدّي التعدُّد إلى خَلْق الشعور بالفرقة أو الاستقلالية.


فهم الاستراتيجية الإسرائيلية يفترض الفَهْمَ الواضِحَ لِما قدَّمناه وهو يعني أنَّنا نستطيع أن نكتشف تلك الاستراتيجيَّة وجوهرها الحقيقي، يجب أن نسلك منهاجية أساسها التنقُّل من الجزء إلى الكل، بتدرج معين، وبحساسية وعلمية واضحة. ولذلك فإننا لنستطيع أن نصوغ تصورنا للاستراتيجية العليا والكلية للدولة اليهودية، سوف نتبع المنهاجية التالية:
أ - تحليل استراتيجية كل سلاح من الأسلحة التي تعرضنا لذكرها سابقًا.
ب - ومن ثم ومن خلال تجميع تلك الاستراتيجيات الخمس، نستطيع أن نكتشف خصائص الاستراتيجية العسكرية لتل أبيب.
ج - وهذا سوف يسمح لنا بتحديد خصائص الاستراتيجية القومية للدولة الإسرائيلية.
د - وعلى هذا الضوء نستطيع أن نكتشف أيضًا خصائص استراتيجيات أخرى فرعية، وبصفة خاصَّة استراتيجية التعامُل الاقتصادي مع المنطقة من جانب، واستراتيجية التعامُل مع مصر من جانب آخر.


نبدأ باستراتيجية التعامل النووي
مراحل تطوّر الإدراك العسكري الإسرائيلي
سبق وذكرنا أكثر من مرة، أنَّ السِّلاح النَّوَوِيَّ هو أحد العناصر الأساسية في العقيدة القتالية الإسرائيلية، ليس هذا موضع تحليل المشاكل العديدة التي يُثِيرُها الخيارُ النَّوَوِي، إلا أنَّ مجموعة من الحقائق يجب أن نقدم بها، ونحدد دلالتها في الاستراتيجية الإسرائيلية المُعاصرة، نحن لا نزال وكما سبق وحدَّدنا، نتعامل مع الاستراتيجية المُرتبطة باستخدام هذا السلاح، وليس الاستراتيجية الكلية القتالية.
أولاً - أولى هذه الحقائق أن الإدراك الإسرائيلي بصدد السلاح النووي تطوَّر تطوّرًا خطيرًا، ونستطيع بصفة عامة أن نميّز بين مراحِلَ ثلاثٍ:
أ - المرحلة الأولى: منذ وجود إسرائيل حتَّى عام 1973: حيث كان السلاح النووي سلاحًا رادعًا، القَصْد منه تخطّي عناصر الضعف التي يُعاني منها الجسد الإسرائيلي، وإرهاب العالم العربي، بحيثُ يَصِيرُ هذا السّلاح إحدى أدوات الحرب النفسية الاستراتيجية، ومن ثَم يمكن أن توصف بأنها استراتيجيَّة الردع.


ب – المرحلة الثانية: وهي منذُ حرب أكتوبر حتَّى حرب لبنان أي عام 1982: أضْحَت الاستراتيجيَّة الإسرائيليَّة أساسُها الخَوْفُ، والسّلاح النووي هو سلاح محور استخدامه أنه السلاح الأخير، حيث لا يعنيني سوى القضاء على الخصم، ولو من خلال الانتحار الذاتي، إنَّها عقدة الماسادا، وهكذا نستطيع أن نسمي هذه الاستراتيجية بأنها استراتيجية الانتحار.
ج - المرحلة الثالثة: وقَدْ بَرَزَتْ فيها القنبلة التكتيكية، لتصير هذه القنبلة أداة لاستراتيجيَّة هُجومية، تسمح بتحقيق الهيمنة الأرضية والاستئصال البشري للقدرة المعادية.
الكثير مِمَّن تعرَّض للاستراتيجيَّة الإسرائيليَّة النوويَّة، لا يزال غيرَ واعٍ بحقيقة التطور الأخير، وهو لا يزال يناقش موضوع السياسة النووية الإسرائيلية على ضوء المُعطيات السابقة على امْتِلاك القنبلة النووية التكتيكية.


ثانيًا - رغم كل ما سوف نُقدمه من تفاصيل ومصادرها موثقة؛ كما سوف يرى القارئ، فإن معلوماتنا المتوافرة والمتداولة بخصوص السلاح النووي الإسرائيلي على وجه الخصوص محدودة الأهميَّة، وكما سوف نَرَى فِيما بَعْدُ. رَغْمَ ذلك فالثَّابت أنَّ إسرائيلَ تَمْلِك القنبلة النووية ومُنْذُ فترة غير قصيرة، وهي قد توجَّهت إلى ذلك بصفة خاصة عقب فشل العدوان الثلاثي، وبمعونة القيادة الفرنسية لتستطيعَ إسرائيل أن تحمي نفسها.
تقاريرُ أكثَرِ الخُبَراءِ حِيادًا عقِبَ الكثير من التقاريرِ الدقيقة، بعضها مصدره نفس وكالة المخابرات الأمريكية، وبصفة خاصَّة عقب الأنباء التي سربها (فانونو)، والتي أخضعت لتحليل دقيق من أعظم علماء الذرة، وبصفة خاصة الصور التي قدمها الفني الإسرائيلي المذكور، فإن إسرائيل تملك اليوم ما يزيد على (مِائَتَيْ رأس نووي)؛ بل والبعض يصل به الأمر إلى القول بأن إسرائيل حاليًّا تملك القدرة على إنتاج قنابل نيوترونية. على كلٍّ فإسرائيل اليوم هي الدولة السادسة في العالم؛ كدولة نووية بكل ما يعنيه ذلك من نتائج. فسياسة إسرائيل النووية، حتى وقت قريب كانت تقوم على أسس خمسة:


أولاً - من جانب أول الغموض حول امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية، فهي تارة تترك أخبارًا تتسرَّب عن امتلاكها لتلك القنبلة، سرعان ما تكذبها المصادر الرسمية، حتى إن اعترافات العامل الفني السابق ذكره، البعض بل والكثير من المعلقين من يعتبرها من قبيل الإخراج المسرحي، والسبب في ذلك واضح، فالسياسة الإسرائيلية تستخدم هذا السلاح وما يثار حوله وسيلة لخلق البلبلة والاضطراب في الجانب العربي، ثم هي تستخدمه أداة للابتزاز، وقد حدث ذلك في علاقة تل أبيب بواشنطن، أثناء حرب أكتوبر للحُصُولِ على السلاح الذي يسمح لإسرائيل بمواجهة التفوُّق المصري على جبهة القناة.


ثانيًا - وهي كانتْ وظلَّتْ حتَّى وقت قريب تعتبر السلاح النووي في صورته التقليدية سلاحًا للردع وليس للممارسة، ولعلَّ ما يؤكّد ذلك سلوك السلطات المسؤولة في تل أبيب أثناء حرب أكتوبر كما ذكرنا. لقد هدَّدَتْ به وباستخدامه، وبذلك استطاعت وبسرعة أن تحصل على سلاح متقدّم من واشنطن، ولا يوجد ما يمنع أن يكون تسريب هذا النبأ من جانب كيسنجر أثناء حرب أكتوبر وسيلةً يبرر بها السلاح الكثيف الذي عمل هو شخصيًّا على وصوله، وبسرعة إلى إسرائيل عقب الهجوم الأول الناجح من الجانب المصري.
ثالثًا - وهي مصمّمة على أن تظل هي - أي إسرائيل - صاحبة الاحتكار الوحيد لهذا السلاح، في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فهي في نفس اللحظة التي تساعد فيها، وتقدم معونتها الفنية لبعض دول العالم الثالث؛ كتايوان فهي مصمّمة على ألا تسمح لأي دولة عربية بأن تملك تقدُّمًا فَنّيًّا في هذا المجال؛ تدمير المفاعل النووي العراقي بالقرب من بغداد يدخل في هذا النطاق، واحتمالات تدمير أيّ محاولة لإعادة بناء ذلك المفاعل في المستقبل يجب أن يؤخذ بكثير من الجدية.


رابعًا - نقل المادَّة المتفجّرة النَّوَوِيَّة، والَّتِي نستطيع أن نَصِفَها بالسلاح النووي، في الفكر التقليدي الإسرائيلي يجب أن يتم باستخدام الطائرة هي وحدها التي تسمح بالوصول إلى الهدف وإصابته بدقة، ومن هنا الترابط الوثيق بين السلاح الجوي والسلاح النووي.
خامسًا - استخدام السلاح النووي من جانب إسرائيل في صورته التقليدية، يفترض توافر ثلاثة شروط؛ أن تكون هناك حرب قد هزمت فيها إسرائيل، ثم أن تكون الهزيمة وصلت إلى حدّ لم يَعُدْ مِنَ المُمْكِنِ بِخُصوصه تجنُّبُ اسْتِئْصال الدولة اليهودية، أي استئصال الوجود العبري كدولة، وكنظام سياسي في المنطقة. وأخيرًا أن تكون القوى الدولية العظمى وبصفة خاصَّة موسكو وواشنطن، قد أعلنتْ أوْ أَظْهَرَتْ إرادَةَ التَّخَلّي عن إسرائيل في تلك اللحظة، فإنَّ إسرائيلَ لن تَتَرَدَّدَ في استخْدام السلاح النووي، ولَنْ يَعْنِيها ما يَفْرِضُه ذلك من مخاطِرَ مَرَدُّها انتشار الإشعاعات النووية في نفس الأرض الإسرائيلية، وهي لذلك تُعَبّر عن مفهوم الانتحار الذاتي، كَمِحْوَر لِلتعامل القومي، وهو ليس جديدًا في التاريخ اليهودي، وبصفة خاصة في قصة المجتمع اليهودي، وتعامله مع الإمبراطورية الرومانية.


المتغيرات الجديدة والاستراتيجية الإسرائيلية:
مجموعة من المتغيرات برزت بصفة خاصة في الأعوام الخمسة الأخيرة، كان لابد وأن تفرض إعادة النظر في هذه الاستراتيجية التقليدية في الإدراك الإسرائيلي للسلاح النووي.
أولاً - وُضُوح تَدَهْوُر القُدُرات القِتاليَّة لِلْجُنْدِي الإسرائيلي، ظهر ذلك واضحًا في حرب لُبْنان، لقدِ اختفت الأسطورة التي أحاطت بالجيش الذي لا يقهر، في حرب أكتوبر، رغم ذلك فقد انطلقت الإشاعات من نفس بَعْضِ القِيادات العربية، وعرفت الدعاية الإسرائيلية أن تعيد من تنظيف الصورة المترسبة في الذهن حول هذا الجندي، بفضل قصة الثغرة وحصار الجيش المصري؛ ولكن أحداث لبنان جاءت فأعادت الأمور إلى نِصابها، ظهر الجندي الإسرائيلي على حقيقَتِه جبانًا لا يَخْشَى قدر ما يهاب القتال أو المواجهة في ميدان المعركة، حيث تكون هذه المواجهة شَخْصًا لِشَخْص، وكان لا بدَّ لِلْقِيادة العَسْكَرِيَّة من ثَمَّ أن تُعِيدَ حساباتها.


ثانيًا - برزت بوضوح كذلك حقيقةٌ لم تعد موضع مناقشة؛ السلاح النووي سوف يدخل إن آجلاً أو عاجلاً، إلى منطقة الشرق الأوسط، وسوف تستطيع دول عربية عديدة أن تمتلك هذا السلاح، سواء من خلال تَطْوِير قُدُرَاتِها الذاتيَّة، أمْ بشرائه من دول أخرى إسلامية، أو غير إسلامية، أو بالحصول عليه من السوق الدولي للسلاح من الدول التي يرشحها الخبير الأمريكي المعروف "ليفيفر" لإنتاج القنبلة الذرية وخلال فترة لا تتعدَّى نهاية القرن الحالي إلى جوار مصر، هناك العراق، وليبيا؛ بل البعض يعتقد أنَّ العراق بفضل المساعدات السخية السعودية، والتعاون المصري، والاتفاقيات بين كُلّ من الأرجنتين والبرازيل، سوف تملك هذه القنبلة خلال خمسة أعوام؛ بل وسوف تملك كل ما تَحْتَاجُه لتدمر به أجزاءً عديدة من إسرائيل، فهل سوف تقف تل أبيب منتظرة أن تصاب بالضربة الأولى؟ وما هو أهمّ من ذلك ما هي النتائج المتوقعة لانتشار السلاح؟ هل هو تحييد للسلاح فلا يُسْتَخْدم من أي من الجانبين، أم التصعيد بحيث لا بد وأن يستخدم إن آجلاً أو عاجلاً، ومن جانب أحد الطرفيين؟ ولا يجوز أن ننسى أن طهران بدورها بدأت تعد نفسها لاستخدام هذا السلاح في حروبها القادمة؛ والقيادة الإسرائيلية تعلم أن طهران هي في دائرة الصداقة مع تل أبيب؛ ولكن الصداقة المؤقتة، والموقوتة، وأنَّها مرشَّحة ومنذ الآن أن تندرج في دائرة العداوة أيضًا للدولة اليهودية.


ثالثًا - أمر آخر، لا بُدّ وأن يقلب جميع الموازين بالنسبة للسلاح النووي، كشفت عنه التحقيقات الصحفية، ويَدُور حول امتلاك اسرائيل لقنابل ذرية تكتيكية تستخدم للتدمير في مساحات محدودة.
رابعًا - وفي خلال ذلك فإن العين الدقيقة لاحظت أن الصراع الفكري الذي كان قائمًا بين الصقور والحمائم حول استخدام السلاح النووي من الجانب الإسرائيلي قد اختفى تدريجيًّا، ولم يعد يثيره أحد، هل ذلك مردّه ذلك الاكتشاف بالنسبة للقنبلة النووية التكتيكية؟ وجاء مع ذلك حادث (فانونو) فكان لا بُدّ وأن يطرح التساؤل؟ هل هو تسريب مقصود؟ أم أنه نوع من التسيب في الجهاز المشرف على التعامل مع السلاح النووي؟ وإذا كان تسريبًا مقصودًا فلماذا؟ ما الذي تَبْغِيه إسرائيل من إقناع العالم بأنَّ لَدَيْهَا أكْثَرَ من مِائَتَيْ رأس نووي؟ وإذا كان تعبيرًا عن حالة تسيب فما هي الدلالة التي يمكن أن نستخلصها من مثل هذا الموقف؟
ولكنْ ما المقصود بدِقَّة مِن أنَّ إسرائيل تملك القنبلة النووية التكتيكية لحسابها، بحيث إن القيادة العسكرية اليهودية هي التي تتحكم في كل ما يتصل بها؟


القنبلة النووية التكتيكية الإسرائيلية:
يجب منذ البداية أن نميّز بين مجموعة من الحقائق:
أ - القنبلة التكتيكية: ليست هي السلاح النووي، فالقنبلة التكتيكية هي سلاح نووي؛ ولكنه محدود الفاعلية، بمعنى أن آثاره المدمرة محدودة، بتبعية مساحية معينة، وبحيث أن الآثار المدمرة لا تتجاوز تلك البقعة؛ حدها الأدنى قرابة خمسين كيلو مترًا مربعًا، وحدها الأقصى لا يتجاوز خمسمائة كيلو مترًا مربعًا، فلو تَصوَّرنا مربعًا آخر أحد أضلاعه خمسة وعشرون كيلو مترًا، نستطيع أن نحصر آثارَ القنبلة الذَّرّية سواء المباشرة أو غير المباشر؛ بل وفي الأمد القصير نسبيًّا.


ب - كذلك علينا أن نتذكر الفارق بين القنبلة التكتيكية النووية المخزنة في إسرائيل من جانب الولايات المتحدة، وتلك التي استطاعت أن تتوصَّل إليها إسرائيل، مستقِلَّة عنِ اتّفاقها مع الولايات المتحدة ولحسابِها الخاص، سبق وذكرنا موضع القنبلة النووية التكتيكية في الترسانة المخزنة في إسرائيل، بمقتضى اتفاقيَّة التعاون بين واشنطن وتل أبيب، وهي قنبلة لا نعلم عن خصائصها الكثير؛ ولكن هناك قنبلة أخرى قد تَمَّ إنتاجُها وَتَمَّتْ تَجْرِبَتُها لحساب إسرائيل، وفي اتحاد جنوب إفريقيا، هذه هي التي تعنينا في هذا المقام.
ج - رغم ذلك فيجب أن نعترف بأن معلوماتنا المتوافرة والمتداولة بخصوص السلاح النووي الإسرائيلي على وجه الخصوص، لا تساوي قلامة ظفر، إنها قديمة من جانب، وهي لم تخضع لتحليل جدي حيث يتوفر السياسي المتخصص، والعلمي النابه، ثم العسكري الميداني من جانب آخر، ولنقدّم لذلك نموذجًا، خرجت علينا الصحافة تهلل وتبشر بخصوص ترجمة كتاب "بيتر براي" عن التّرسانة النووية الإسرائيلية (انظر الشعب بتاريخ 25/4/1989). هذا الكتاب طبع بتاريخ 1984، وتنتهي معلوماتُه عِنْدَ عام 1982 في إسرائيل، وفي جنوب إفريقيا توقف عند ذلك العام.


بدء التساؤل عن امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية التكتيكية، كان في أواخر عام 1979 (سبتمبر)، عندما سجلت أجهزة الرصد حدوث برق ضوئي ساطع في عرض البحر بالقرب من الطرف الجنوبي لدولة جنوب إفريقيا، وقد رجح في وقته الخبراء أنَّ سبب هذا البرق الضوئي هو اختبار قنبلة ذرية، ثم كشفت عقب ذلك مصادر المعلومات - عقب هذا الانفجار مباشرة - وصول وفد عالي التخصص من إسرائيل إلى جنوب أفريقيا، وظلت المعلومات تتوافر وتتجمع حتَّى خرجت علينا مجلَّة "دير شبيجل" الألمانية منذ ثلاثة أعوام بمقال كتبه أستاذ سابق في جامعة تل أبيب، يكشف عن حقيقة التعاون بين الدولة اليهودية واتحاد جنوب إفريقيا، الذي كان أحد أبعاده إنتاج هذه القنبلة التكتيكية.

القنبلة النووية التكتيكية التي توصلتْ إليها إسرائيل بالتعاون مع جنوب إفريقيا تتميز بخصائص معينة بحيث يمكن تحديد مواصفاتها بالتالي:
أولاً - قوتها التدميرية: لا تتجاوز 2 كيلو طن، وهو الأمر الذي يَعْنِي أنَّ حُدُودَها المكانية من حَيْثُ التَّدمير لن تَتَجاوَزَ خَمْسِينَ كيلو مترًا مربعًا، أي مساحة لا تَتَجَاوَزُ من حيث اتّساعُها سبعةَ كيلو مترات طولاً في سبعة كيلو مِتْرات عرضًا، فإذا أَضَفْنا إلى تلك المساحة عَشَرَةَ أمثالها من قبيل الاحتراز المبالَغِ فيه لفهمنا إلى أيّ مدًى تستطيع إسرائيل أن تستخدم هذه القنبلة في حربها القادمة، ودون أن تَخْشَى على نفسها، ولفهمنا ولو مؤقتًا لماذا سوف تكون الخطوة الأولى في الحرب القادمة، ضرب الدول الثلاث البعيدة عن حدودها العراق وليبيا واليمن.
ثانيًا - هذه القنبلة يمكن إطلاقها من مدفع هاوبتس من عيار 155 ميلليمترات، أو من مدفع محمول على متن سفينة، أو من صاروخ جو / أرض.
هذا التطور قلب رأسًا على عقب جميع الاحتمالات، ومعه بدأ التفكير الجدي في استراتيجية إسرائيلية جديدة.

ما هي هذه الاستراتيجية؟
وما هو موضع السلاح النووي في هذه الاستراتيجية؟
وما هو موضع القنبلة التكتيكية في السياسة النووية الإسرائيلية؟
وكيف يستطيع العالم العربي تحييد هذا السلاح؟
وأين مصر من ذلك؟ الأسئلة تتداعى ولكل سؤال إجابة.

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::