العودة   Amrallah > نظرات في كتاب الله العزيز
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 04-03-2013, 10:08 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي الجبت والطاغوت



الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه وتعالى عما يشركون وسلام على عباده المرسلين ثم أما بعد:
فقد سأل الأخ أبو يوسف عن مفهوم الجبت والطاغوت, فأقول:
الناظر في القرآن يجد أن الجبت ذُكر مرة واحدة مقترنا بالطاغوت, وجاء ذلك في قوله: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [النساء : 51]
"
وفي غير هذه الآية ذُكر "الطاغوت" في سبع آيات منفردا؟ فما هو الجبت وما هو الطاغوت؟!
الناظر في اللسان العربي يجد أن كلمة "الجبت" لا تكاد تُستخدم, حتى أنه قيل أنها ليست عربية فقيل أنها تعني السحر او الساحر او الشيطان بلغة اهل الحبشة , ثم دخلت اللغة العربية واستعملت بهذا المعنى, ويقال : انها في الاصل جبس ثم أبدلت س الى ت !!

حتى أن ابن فارس قال في المقاييس: "الجيم والباء والتاء كلمةٌ واحدة. الجِبْت: السّاحر، ويقال الكاهن"
وابن منظور يقول في اللسان: " كلُّ ما عُبِدَ مِن دون اللَّه، وقيل: هي كلمة تَقَعُ على الصَّنَم والكاهن والساحر، ونَحْوِ ذلك وفي الحديث: الطِّيَرةُ والعِيافَةُ والطَّرْقُ من الجبت"
ويختلف الحال قليلا مع الطاغوت, فهي صيغة مبالغة من "طغو" وتشير إلى تمكن وزيادة الطغيان, إلا أنها وإن كانت بينة الأصل إلا أن عامة العلماء عندما أسقطوها على الواقع لم يقدموا اختلافاً بينها وبين الجبت, فنجد مثلاً الإمام الطبري يقول في كتابه: جامع البيان في تأويل القرآن:
"والصواب من القول عندي في الطاغوت : أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ، إما بقهر منه لما عبده ، وإما بطاعة ممن عبده ، إنسانا كان ذلك المعبود ، أوشيطانا أو وثنا ، أو صنما ، أو كائنا ما كان من شيء" اهـ
ولا يقتصر هذا القول على الإمام الطبري وإنما أصبح هو القول المستخلص من أقوال السلف والمشتهر بين عوام المسلمين السنيين, بينما هما أبو بكر وعمر عند الشيعة!!!

وهكذا يتوقف المسلم حائراً لا يعلم ما المراد تحديداً من هذين الصنفين وهل هما فعلاً اسمان عامان مترادفان كما قال السلف ومن نحا نحوهما من الخلف أم أنهما غير ذلك ولم يفلح السلف في تحديد مدلولهما؟!
نقول: لقد قدم السلف تصورات سليمة للطاغوت ولكنهم لم يقدموها بلغة علمية بلغة التعريف الشامل, ولم يكن موقف اللاحقين إلا أن جمعوا أقوالهم بدلاً من أن يستخرجوا منها تصوراً دقيقاً قائماً على التحديد القرآني.
ولما نظرت في الآيات ظهر لي أن الطاغوت ليس أوثانا ولا كل ما عبد من دون الله, وإنما هم طبقة الكهان الذين يختلقون الإفك وينسبونه إلى الله, وفعلهم هذا نوع من الطغيان لأنهم تعدوا حدودهم ونصبوا أنفسهم آلهة للبشر تُعبد من دون الله! بينما لا يستحق الصنم المصنوع ولا النجم المعبود أن يُسمى ب: الطاغوت.
وأن الجبت هو ذلك الإفك المختلق المنسوب إلى الله, ومن ثم فإن الشرائع المختلقة ليست طواغيت لأنها لا تطغى وإنما هي إفك!
والعجيب أن ابن منظور يذكر في تعريفه للجبت جزءً من حديث يبطل قوله (ويؤكد قولنا) فنجده يقول:
" كلُّ ما عُبِدَ مِن دون اللَّه، وقيل: هي كلمة تَقَعُ على الصَّنَم والكاهن والساحر، ونَحْوِ ذلك وفي الحديث: الطِّيَرةُ والعِيافَةُ والطَّرْقُ من الجبت"
فالمذكور في الحديث هو من أفعال الجاهلية وليس من معبوداتها, وهي تشريعات باطلة اختلقها الكهان.
ونتوقف مع الآيات التي ورد فيها الجبت والطاغوت لنبين للقارئ الكريم كيف استخرجنا هذا التصور من كتاب الله العليم:
الناظر يجد أن أول موطن ذكر فيه الطاغوت في القرآن هو في سورة البقرة حيث ذُكر في آيتين متتاليتين هما قول الرب الحكيم:
"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "
فتتحدث الآيات عن أن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى, ثم تبين أن الله ولي الذين آمنوا أولياؤهم وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم, وكما لاحظنا فالطاغوت جمع وليس فرداً واحداً, وهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات (والأولى في الإضلال والإخراج أن يُنسب إلى عاقل وليس إلى صنم, ولكن ليس هذا بمفرده كاف للقول بهذا المعنى, لذا نواصل النظر في الآيات)
يأتي الذكر الثاني للطاغوت في سورة النساء, والذي سيُذكر فيها في ثلاثة مواطن, مرتبطاً في أولها بالجبت, وهي قوله:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً"
فنجد حديثا عن عدة فرق, فهناك من أوتوا نصيبا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت, والذين كفروا والذين آمنوا, و"هؤلاء", ومن ثم فإن الجبت والطاغوت ليس اليهود ولا النصارى ولا الكافرين ولا المؤمنين فمن هو؟!
كما بيّنا سابقا في تناولنا لسورة النساء (والموجود على الموقع ويمكن الرجوع إليه في قسم: نظرات في كتاب الله العزيز) أن سبب نزول السورة أنه كان هناك نفر اجتمعوا وأخذوا يشرعون للناس تشريعات يصدونهم بها عن سبيل الله, وكان أولئك النفر من أهل الكتاب يؤمنون بهم ويقولون للكافرين أن "هؤلاء" المشرعين من المنافقين أهدى من المؤمنين, وهؤلاء لا تعني أنتم حتما!
وورود الجبت في سورة النساء تحديدا والتي تتحدث عن اختلاق تشريعات, وختم آيتها بقوله: أهدى سبيلا! دليل على أن الحديث هنا عن الطريقة التي عليها هؤلاء, فيكون مرجحاً إضافياً لما قلنا.
ثم يأتي الموطن الثاني للطاغوت في نفس السورة مؤكداً لقولنا: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً"
فهؤلاء يريدون التحاكم إلى تلك الطبقة من الكهان المشرعين على الرغم من زعمهم أنهم آمنوا بالرسول!! (ونلاحظ هنا أنه تعومل مع الطاغوت بالنظر إلى الكلمة نفسها بعتبارها: مذكراً)
ثم يأتي الموطن الثالث متحدثا عن أن المقاتلين في سبيل الطاغوت هم أولياء للشيطان, ومن ثم فلا خوف منهم: " الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً "

والموطن السادس جاء في المائدة حيث قال الرب الملك:
"قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ
فالأشر مثوبة هو من لعنه الله وغضب عليه ومن عبد الطاغوت.
ثم يأتي الموطنان الأخيران متحدثان عن اجتناب الطاغوت, أولهما في سورة النحل مبينا أن كل رسول جاء بأمر قومه بعبادة الله واجتناب عبادة الطاغوت, فلا يسمعوا لأولئك الكهان المشرعين المتقولين على الله:
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
بينما يبشر المجتنبين في آية الزمر:
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ
ونلاحظ عود ضمير التأنيث في هذه الآية على الطاغوت, والتي يمكن قبولها باعتبار الطاغوت جماعة/ طبقة! ناهيك عن أن ضمير المؤنث قد يعود على الجمع.

وكما رأينا فلقد خرجنا بهذا التصور من خلال نظرنا في القرآن, ووجدنا أن أقوال السلف توافق في الغالب ما قلنا به, فنجد أن البخاري روى تعليقا عن جابر:
"كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها في جهينة واحدة، وفي أسلم واحد. وفي كل حي واحد كهان ينزل عليهم الشيطان."
فكما رأينا فالحديث هنا عن الكهان الذين كانوا يزعمون أنه يوحى إليهم بينما ما يأتيهم ما هو إلا من الشيطان! ولهذا وجدنا بعض الروايات نسبت الطاغوت إلى الشيطان نفسه, كما روي عن عمر بن الخطاب.
وذكر ابن حجر في فتح الباري, تفسيرات أخرى للجبت والطاغوت منها:
الجبت الشيطان، والطاغوت الكاهن، و: الجبت الأصنام، والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب، وقيل الجبت الكاهن والطاغوت رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وقيل: الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف" اهـ

وكما رأينا فالقول بأن الطاغوت هو طبقة الكهان جاء على لسان أكثر من واحد من السلف, وهو الذي يتطابق مع مدلول الكلمة من حدوث طغيان عظيم (وهو ما لا يكون من الجمادات), وليس هناك طغيان أكبر من الافتراء على الله وتعبيد الناس بالباطل.
غفر الله لنا الزلل وتقبل منا صالح العمل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-09-2013, 05:11 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


لو عرف المسلمون مدلول الكلمة لاختلف حالهم كثيرا!!

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::