العودة   Amrallah > أحسن القصص
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #11  
قديم 01-26-2012, 06:11 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة العاشرة


ترتيب الرسل
عددٌ محدود من الرسل هم من ذكرهم الذكر الحكيم, ولأن القرآن لم يقدم نفسه ككتاب تاريخ, لم يُعنى كثيراً بتقديم ترتيب عام شامل لكل الرسل الذين تحدث عنهم, وإنما اكتفى بذكر الترتيب أحياناً عندما كان يتكلم عن توالي الرسل وخلف بعضهم بعضاً, ومن ثم يمكن لقارئ القرآن أن يعرف من القرآن أول الأنبياء والرسل, وترتيب بعضهم بالنسبة للآخرين, إلا أن بعضاً آخر لا يستطيع المسلم أن يحدد موقعه بالنسبة للترتيب الزماني لهؤلاء الأنبياء.
ومما يؤسى له أن المتعاملين مع قصص القرآن لم يكتفوا بأن يأخذوا من التوراة ما ذكرته بشأن ما سكت عنه القرآن, وإنما تعدوا ذلك إلى اعتماد تواريخ التوراة وترتيب الأنبياء فيها, حتى أصبح التصور التوراتي هو الحاكم على القرآن! ومن ثم وجدنا ترتيباً زمنياً للأحداث والأنبياء, ابتداءً بآدم وانتهاءً بالرسول محمد!! فنجد أن المتناول لقصص الأنبياء غالباً ما يبدأ بذكر آدم ونسله, تبعاً للمخطوط في التوراة, معلقاً عليه, وقد يكتفي بعضهم بالعرض بدون تعليق, وقد يتقدم آخرون خطوة إلى الأمام فينقدون المحتوى, فنجد مثلاً أن الإمام ابن كثير يشكك في التواريخ المذكورة للأحداث وفي أعمار هذه الشخصيات, رافضاً أن تكون وحياً, فيقول: "وفى كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر، كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك. والظاهر أنها مقحمة فيها، ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير. " ا.هـ
وقد ينتكس آخرون فيقدمون الإسرائيليات المدسوسة في التراث الإسلامي, والتي ما جاء بها القرآن ولا قالت بها التوراة!!
فإذا نظرنا في الأدبيات الإسلامية بشأن قصص الأنبياء نجدها تقول أن أول الأنبياء هو آدم عليه السلام, ثم بعده ابنه شيت ثم إدريس وهو أخنوخ المذكور في التوراة, ثم نوح عليه السلام!! ونتوقف أمام هذا الترتيب متسائلين من أين جاءوا به؟!! فلا التوراة قالت أن آدم كان نبياً ولا القرآن, ولم يذكر القرآن "شيت" هذا, ولا قالت التوراة أنه كان نبياً! وإنما قالت أن الدعوة إلى الله ابتدأت في ابنه "أنوش" –الغير معروف في الأدبيات الإسلامية- وفي هذا يقول حسني يوسف الأطير:
"يقرر سفر التكوين أن الدعوة الإلهية ابتدأت في نسل شيت, في جيل ولده "أنوش", أي في الجيل الثاني بعد آدم, (...)
"ولشيت أيضا ولد ابن, فدعا اسمه "أنوش" حينئذ ابتدئ أن يُدعى باسم الرب " 4: 25-26, ثم يمضي تسلسل الدعاة الإلهيين حسب التسلسل التوراتي (...) واضح إذن أن التسلسل في الدعوة الإلهية منذ "أنوش" أول الدعاة حتى نوح والطوفان قد مضى هكذ: 1- أنوش 2- قينان 3- مهللئيل 4- يارد 5- أخنوخ 6- متوشالح 7- لامك 8- نوح
ولو أننا أضفنا إلى هذا السلسلة كلاً من هابيل وشيت, السابقين على أول الدعاة أنوش, لبلغ العدد بعد آدم إلى نوح عشرة أجيال, ومن هنا جاء الحديث المنحول على رسول الإسلام بأنه ذكر أن ما بين آدم إلى نوح عشرة أجيال. " ا.هـ
ثم يستمر هؤلاء على نهجهم البديع في مخالفة القرآن والتوراة بالقول بأن أخنوخ المذكور في التوراة هو إدريس عليه السلام, وأتساءل: ما دليل هؤلاء على هذا؟ فلا القرآن قال أن إدريس هو أخنوخ, ولا نُسب ذلك إلى الرسول, ولا التوراة ذكرت أي نبي باسم إدريس؟!! ولمجرد أن هذه المقولة الإسرائيلية رويت على لسان ابن عباس تسللت إلى الفكر الإسلامي ووجدت من يدافع عنها باستماتة!! وحتى لو صحت النسبة إليه فهي مما أخذه ابن عباس عن مسلمة أهل الكتاب, وليس عن نظر في الكتاب ... العزيز!
ولقد قيل بهذا الظن لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز في حق إدريس: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم : 56-57]", ولأن التوراة قالت في سفر التكوين في حق أخنوخ: " 24:5 وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد, لأن الله أخذه"! والعجيب أن هذا القول لا مستند له حتى عند النسابين, فهم يرون أنهما ليسا شخصاً واحداً, وأن إدريس ليس جد نوح, وفي هذا يقول حسني الأطير: "ويعود ابن خلدون إلى ذكر تلك المطابقة عند ابن إسحاق بين إدريس وأخنوخ, منبّها إلى تشكيك أكثر علماء الأنساب في تلك المطابقة بينهما وأنها لا تجوز: ونقل ابن إسحاق أن أخنوخ الواقع اسمه في هذا النسب (يعني نسب نوح) هو إدريس النبي صلوات الله عليه, وهو بخلاف ما عليه أكثر النسابين, فإن إدريس عندهم ليس بجد لنوح, ولا في عمود نسبه.
وواضح من تعليق ابن خلدون على هذا النحو أن القضية اجتهادية, أي مجرد ظن أو وجهة نظر, من جهة القائلين بتلك المطابقة بين إدريس وأخنوخ, وأنها لا أساس لها من أصول نقلية صحيحة. " ا.هـ
ولم يُلتفت إلى هذا كله واعتُبر هذا التشابه أكثر من كافٍ للقول بأن كلا الشخصين واحد, ثم بدأت الأساطير تُحاك حول إدريس, فأصبح هرمس الهرامس, وهو أول من خاط ومن علم بالقلم ... وأصبح الرائد في علوم كثيرة!! والعجيب أنه يقال أنه سُمي إدريس لكثرة الدراسة, ولست أدري كيف يكون كثير الدراسة وهو أول من خط بالقلم, فمن كتب هذه الكتب السابقة, وكيف تُنسب الريادة إليه مع وجود سابقين؟!! وليس الإشكال الأكبر في التناقض الداخلي للمضمون ولا في مخالفة النسابين, وإنما في مخالفة النصوص القرآنية الصريحة, التي قالت أن نوح كان أول الأنبياء –حتى لا يقال أنه أول الرسل وليس الأنبياء!-, مثل قوله سبحانه:
"إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ .. [النساء : 163]"
وقوله: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ... [الحديد : 27]", فالله يقول للنبي أن الوحي إليه كما كان لنوح والنبيين من بعده, ويقول أنه جعل النبوة في ذرية نوح وإبراهيم, ومن ثم فلو كان هناك سابق لنوح لما كان القول صحيحاً, ثم إن الناظر في القرآن يجد أنه عندما يذكر السابقين الموغلين في القدم في آية واحدة يبدأهم بنوح, ثم يختلف الترتيب بعد ذلك, فنجده يقول: "أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ .. [التوبة : 70]", "وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج : 42]", "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ .. [غافر: 5]"
يضاف إلى هذا أن رد قوم نوح عليه يؤكد عدم وجود أنبياء سابقين من البشر: "فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون : 24]"
فهم يتعجبون أن يرسل الله بشراً, ولم يحك القرآن هذا القول عن غيرهم, ولو كان هناك شيت وأنوش أو غيرهم لما كان هناك أي وجه للعجب, ولذكرهم بحال السابقين مع أنبياءهم, ولكن سيدنا نوح لم يقل لأنه ليس ثمة سابق له!!
إذا فالقرآن لم يغفل التعريف بأول الأنبياء –وخاتمهم-, وإنما كررها مراراً أنه نوح, كما بيّن من جاء بعده, فعرّف بأنه هود عليه السلام والذي قال لقومه: ".. وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)", وكذلك بالنبي الذي جاء بعده وهو صالح عليه السلام, والذي قال لقومه: " وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ .. [الأعراف : 74]"
وكذلك قال القرآن أن إبراهيم جاء بعد صالح, ولكنه لم يعرض لمسألة الخلافة هذه, ولم يشر الخليل في دعوته إليه, ومن ثم ففي هذا إشارة إلى بعده الزماني والمكاني عنهم! وكان لوط عليه السلام في زمان إبراهيم وتابع له, ثم إن الخليل إبراهيم قد أنجب إسماعيل وإسحاق, وإسحاق أنجب يعقوب, ويعقوب أنجب يوسف, ثم قال الرب العليم على لسان شعيب: "وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ [هود : 89]"
فقوم لوط غير بعيدين عنه زماناً, ومن ثم يمكننا القول أنه كان في زمن يوسف أو بعده, إلا أنه كان قريباً مكاناً من المنطقة التي وُجد فيها هؤلاء الأنبياء!!
وبالطبع فهناك غير هؤلاء الرسل السابقين, إلا أن الله لم يذكرهم في كتابه: "ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ .. [المؤمنون : 44]"
فتوالت رسل الله تترى, ثم انتهت هذه المرحلة وجاءت بعدهم مرحلة جديدة ابتُدأت بموسى عليه السلام: "ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا .. [الأعراف : 103]", "ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا .. [يونس : 75]", "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى .. [القصص: 43]"
ثم قُفي من بعد موسى بالرسل: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ..[البقرة : 87]"
ومن ثم فمن المفترض أن يكون باقي الأنبياء المذكورين في الكتاب –وإدريس منهم- بعد سيدنا موسى عليه السلام!
وعلى العكس من أنبياء المرحلة الأولى, الذين نجد لهم ترتيباً واضحاً في القرآن, فإن القرآن لم يهتم بإبراز ترتيب الأنبياء بعد موسى عليه السلام, وإنما كان يذكر النبي أو فعلاً له, بدون تحديد ترتيبه بالنسبة للأنبياء الآخرين بعد موسى! ولهذا وجدنا من يقول أن عيسى ظهر في زمان قريب من موسى, لأنه لا يوجد أي دليلٍ في القرآن على أنه كان بعيداً عن موسى كثيراً!!

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 01-26-2012, 06:13 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الحادية عشر

الدين ... والمعجزات
من العناصر المحورية في قصص القرآن, عنصر "الآيات" التي جاء بها الرسل, والتي كانت المعالجة الخاطئة لها سبباً لانتشار الخرافة وقبولها بشكل كبير بين المسلمين, كما أدت إلى ظهور العديد من المطاعن التي يطعن بها غير المسلمين في القرآن ويصفونه بالخرافة.
وتعد "المعجزات" من خير الأمثلة على خطورة الابتعاد عن المصطلحات المذكورة في القرآن, واستعمال مصطلحات بديلة من لدن المتناولين, تؤدي إلى إنشاء تصورات ما أنزل الله بها من سلطان, وإسقاطها على القرآن العظيم!!
فإذا نظرنا في كتاب الله وجدنا أن كلمة "معجزة" لم تُذكر فيه قط, بينما ذكر الرب كلمة "معجز" اثنتي عشرة مرة في أثناء كلامه عن عدم مقدرة المخالفين التفلّت من سلطانه, مثل: "إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ [الأنعام : 134]", "فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ ... [التوبة : 2]", "وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء ... [العنكبوت : 22]", وجاءت كلمة "مُعاجز" ثلاثة مرات في معرض الحديث عن الذين يحاولون تخطيء آيات الله, مثل: "وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [الحج : 51]"
ونلاحظ في هذه الآية وأخواتها أن الله توعد الذين يسعون في آياته معاجزين, فهل يمكن أن ينزل الله الرحيم معجزة؟!
إن الله الرحيم لم ينزل الكتب ويرسل الرسل ليعجز الناس وإنما ليهديهم, ولم يقل في كتابه أنه أرسل بالمعجزات, وإنما قال أنه أرسل الآيات وبيّن الآيات وصرّف الآيات وفصّل الآيات. وشتان بين الاثنين, فالآية أصلاً بمعنى الدليل والعلامة الجلية, وذلك كما في قوله: "قَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ... [البقرة : 248]", "َقالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ... [آل عمران : 41]"
ولغلبة استعمال "الآية" مع آيات القرآن, أُهمل ونسي استعمالها مع آيات الله الأصلية في خلقه, وهي آيات الله الكونية, وآيات الله التأييدية التي أرسلها مع الرسل, والتي غلب الإشارة إليها بلفظة "المعجزات"! على الرغم من أن الآية استعملت ابتداءً للدلائل في خلق الله التي يراها الإنسان, ثم استعملت فيما بعد كدال على جُمل القرآن, وذلك لأن جُمل القرآن في الإشارة للرحمن آيات بينات مثل خلقه الذي يشير دوما إليه ويدل عليه! ومما يؤسف له أن القارئ للقرآن عندما يقرأ كلمة "الآيات" فإنه غالبا ما ينصرف ذهنه إلى آيات القرآن فقط, وذلك لانتشار استعمالها معها! وبهذا غاب عن عقولنا التصور القرآني المقدم للدين, وسيطر التصور الخرافي المقدم من القائلين بالمعجزات!!
فتصور الدين عند أصحاب المعجزات هو أنه رسالة يوحي بها الله إلى واحدٍ من عباده, وهذه الرسالة في حد ذاتها ليس فيها دليلٌ كاف على أنها من عند الله, ومن ثم فإن الله العظيم يجري على يد هذا النبي أمر خارق "معجزة" لكي يتأكد المعارضون من أنه مرسلٌ من عند الله, ومن ثم فيجب عليهم الإيمان به!
ويظهر هذا في تعريفهم للمعجزة والذي يقولون فيه أنها: "الأمر الخارق للعادة، السالم من المعارضة يظهره الله تعالى على يد النبي، تصديقاً له في دعوى النبوة"
وهذا التعريف يترتب عليه إشكالية كبرى –بخلاف وصف رسالات الله بعدم الكفاية- وهي أن القوم الذين لم يأت نبيهم ب "معجزة" لا حرج عليهم في عدم الإيمان, لأنه لم يقم الدليل القاطع على أنه مرسلٌ من عند الله!
أما نحن, المستندين إلى القرآن, فنقول أن كل الأنبياء سواسية, سواءٌ من صاحبت رسالته آيات حسية ومن لم تصاحبه, لأنهم جميعا جاءوا بالآيات, والتي هي الدين والرسالة لكل الناس, والتي هي محور الإيمان والكفر وليس الآية الحسية المصاحبة!!
ويظهر الفارق بين الرأيين في أننا نقول بأن رسالات الله قائمة على أن الله بث آياته في كونه وأراها الناس, إلا أنهم قد يغفلون عنها ولا ينتبهون إليها أو لا يتبعونها, ومن ثم يأتي الوحي لعرض وتقديم آيات الله المنظورة على هيئة نصوص مسموعة ومقروءة, تُتلى على الناس لتذكرهم بها! كما تعرفهم بكيفية عمل يد الله في كونه, ليتفكروا فيها وليتعقلوا بأن تكون أفعالهم قائمة على الخضوع لآيات الله في كونه وعدم الإعراض عنها, وكذلك ليتيقنوا من صدق الوحي وإلوهية مصدره من خلال التطابق بين المنظور والمقروء, ولهذا استحقت جُمل الوحي أن تكون آيات كذلك! لما فيها من الدلائل والعلامات: "إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية :3- 6]"
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ [يونس : 71]"
"يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف : 26]"
".. قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة : 118]", "... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة : 266]", ".. قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران : 118]", "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام : 46]"
"وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام : 55]"
فإن اتبع الإنسان آيات الله صلُح حاله لتوافقه مع الكون حوله ولتبعيته لربه, وإن أعرض عنها وأصر على المضي في طريقه المصادم لآيات الله أهلك نفسه: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأحقاف : 26]"
وهذا الإهلاك ناتج من أفعال الإنسان, لمصادمته آيات الله: "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 52]", فالله أخذهم بذنوبهم, فهم سبب هلاك أنفسهم أصلاً!
وقد يتفق القارئ معنا في أن رسالات الله قائمة على الآيات, إلا أن سيقول الله قد أرسل معها في بعض الأحيان "آيات حسية", والتي هي "المعجزات"!
نقول: نعم, نحن نقر بوقوع هذه الآيات ولكن الفارق بيننا وبينهم هو في الغاية, فنحن نقول أن الله لم ينشأ "معجزات" ليقدم للناس دليلاً على صدق رسوله من خلال عجزهم عن الإتيان بمثلها, وإنما أنشأ الآيات الحسية لتقدم رسالة مبطنة تشير إلى أمر ما متعلق بالقوم المرسَل إليهم, أو تكون الآية تدخل استثنائي لينجي الله عباده المؤمنين!
ولو تتبع القارئ سيرة الأنبياء لوجد أن "الآية الحسية" استثناء مسبب, بينما الأصل أن تكون هناك الآيات فقط, فلو نظرنا في سيرة آدم –الذي لم يقل القرآن ولا حتى التوراة بنبوته- وجدنا أنه لم يكن له دعوة ولا آية, فإذا انتقلنا إلى نوح وجدنا أنه لم يأت بآية, ووجدنا أن قومه لم يطالبوا بآية وإنما طالبوا بإرسال الملائكة: "فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون : 24]", وذلك لأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين, فما سمعوا به هو أن الله كان يرسل ملائكة, فلماذا لم يرسل هذه المرة, كما كان يفعل مع السابقين ؟!!
ولم يختلف الحال مع سيدنا هود, فلم يأت قومه بآية حسية: " قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود : 53]" أما صالح فكانت آيته ناقة لم تخرج من الجبل! وأما إبراهيم فلم تكن له آيات حسية, نعم هو أُلقي في النار وخرج منها سليماً, وهذا كان إنجاءً له وليس آية لقومه, لأنه تركهم بعد ذلك! ولم يذكر الله العليم أي آية حسية ليوسف أو لإسحاق أو يعقوب أو يوسف أو لوط, وتسبيح الجبال مع داود والطير, لم يكن ليؤمن به قومه, ومع كان مع سليمان كان بطلب شخصي منه وليس من أجل الدعوة والرسالة! وما حدث مع سيدنا يونس كان إنجاءً له كذلك! ولم يذكر القرآن آية لأيوب أو لليسع أو لذي الكفل.
وأما موسى, والذي بنى العلماء تصورهم للمعجزة ودورها في الرسالة استناداً على ما حدث معه, فيمكننا القول أن آياته كانت اليد والعصا, لأن باقي الآيات كانت معلقة بتعذيب المكذبين, وهذا ما لا يمكن القول أنه "معجزة", ناهيك عن كونها ظواهر طبيعية!! وعلى الرغم من تكذيب فرعون وملئه بموسى, إلا أنهم فهموا أن هذه العذابات آيات من الله عقاباً على فعلهم, والأهم من هذا أنهم فهموا الرسالة المبطنة في اليد والعصا! فلم يروا أنها دليلٌ على صدق دعواه, وإنما رأوا الرسالة واضحة في اليد البيضاء –والتي ليست منيرة- والعصا: " قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف : 109-110]", ففهموا الإشارة بالإخراج, إلا أنهم أرادوا أن يبطلوها بادعائهم أنها سحر, بينما لم نفهم نحن ورأينا أنها مجرد دليل على صدق موسى, ومن ثم فكان من الممكن أن يرسل الله موسى بأي "معجزة" أخرى, لأنها مجرد دليل على صدقه!!
وبغض النظر عن هذا كله, فإن ذهاب موسى إلى فرعون وإتيانه بالآيات هذه كان من أجل أن يرسل معه بني إسرائيل! وليس من أجل الإيمان برسالته, لأنه لم تكن ثمة رسالة بعد قد أنزلت حتى يؤمن بها فرعون أو يكفر!! ومن ثم فإن الاستدلال بآيات موسى على دور "المعجزة" في تصديق الرسالة غير مناسب تماماً, لأنها كانت كلها - بما في ذلك انفلاق البحر لإنجاء بني إسرائيل- قبل نزول الرسالة!!
فإذا انتقلنا إلى سيدنا عيسى وجدنا أن آية تحدثه في المهد كانت له ولأمه, لتبرأها من تهمة الزنا, أما باقي الآيات مثل خلق الطير وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى فكانت بإذن الله, وذكر الله الغاية منها: "وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران : 49]"
فلم يعتبر سيدنا عيسى هذه الآيات دليلاً على صدقه, وإنما قال أنها آية لهم, -علامة ودليل- إن كانوا مؤمنين, فهذه الآيات كانت لأولئك الذين شكوا في قدرة الله العلي وفي البعث, فكان التأكيد أن كل ما يفعله بإذن الله, لتقول لهم أن الله قادر على كل شيء, وأن هناك إحياء للموتى ليحاسبوا على ما فعلوا!
إذا وكما رأينا فلم يقل الله مرة واحدة أن الآيات معجزات أو أنها جاءت لتصديق رسله, وإنما قال أنها آيات جاءت لتكون آيات, تكون فيها العبرة والعظة لمن رآها ولمن لم يرها!! لأنها دلائل وعلامات!! وسنزيد هذه المسألة توضيحا في أثناء حديثنا عن كل نبي بمفرده.
وقد يظن البعض أن القول بالمعجزة أمر هين, فالمراد أن الله تعالى أرسل رسله بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله! أما نحن فلا نرضى إلا بما قال الله, ونرفض القول بالمعجزة لأسباب عدة, منها:
أولا: التعتيم على الهدف الأسمى للرسول وللرسالة وهي الهداية.
ثانيا: الإيحاء بوجود شبهة المقاربة بين الله تعالى وخلقه حتى يحدث التحدي. ثالثا: الظن أن البشر كانوا قبل الرسالة قادرين, فلما أتت أصبحوا عاجزين, فالإعجاز لا يكون إلا لمن كان قادرا, والبشر قبل وبعد وأثناء الرسالة وإلى قيام الساعة لن يأتوا أبدا بمثل ما أتت به رسل الله تعالى.
رابعا: فقدان عنصر التحدي في كثير من الآيات التي أتى بها الرسل, فكثيرا ما أعطى الرسل آيات لأقوامهم وكانوا مؤمنين, فأين التحدي المزعوم؟!
إذا فعندما نطالب باستعمال "الآية" الدال الذي استعمله الله عز وجل, فإننا ندعو إلى استعمال الدال المنطبق على مدلوله تمام التطابق, المحقق لأهداف الآيات.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 01-26-2012, 06:15 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثانية عشر

تبريرات للآيات الحسية

بيّن الله الحكيم لماذا أرسل الآيات, ولما قال الآخرون بالمعجزات, أسقطوا أنفسهم في مآزق عدة, حاولوا الخروج منها, مثل: لماذا أنزل الله المعجزات أصلا؟! فوجدنا من يقول أن الله تعالى أرسل الرسل بالآيات الحسية في مرحلة "طفولة الفكر البشري"! فلما نضج العقل البشري, حُبست الآيات الحسية واكتفي بالآيات والأدلة العقلية الواردة في القرآن!
وهذا من عجيب القول, فهل يعني هذا أن القرآن غير كاف لمخاطبة الإنسان البدائي الذي يعيش في مجاهل أفريقيا, وإنما لا بد من مرافقته بآية أو آيات حسية حتى يؤمن! وأعجب منه القول بطفولة الفكر البشري! والتي أسقطها السادة المفكرون! على الإنسان البدائي, فالإنسان في كل زمان ومكان هو الإنسان, بدائيا كان أو حتى من أبناء القرن الثلاثين! ولا فرق.
إن العقل البشري لم يمر بمرحلة طفولة إلا في مرحلة الخلق الأول, حيث كانت الملائكة وسيدنا آدم يعلمون البشر ما يحتاجون, ويعرفونهم أوليّات العالم, وبعد ذلك توارث البشر هذه العلوم وتناقلوها, ومهما تخلفوا تظل هذه البديهيات لديهم, ولو نزعت منهم لعاشوا عيشة الحيوان فعلا! وهذا ما لا نجده في أشد قبائل العالم تخلفا وانعزالا ! لأن آلاف السنين الماضية كفيلة بإكسابهم ما اكتسبه الأجداد العرب من الملائكة في سنين قلائل!
والناظر في القرآن يجد أن هذا القول مخالف تماما لسير الرسالات! فالناظر يجد أن الرسالات بدأت بلا آيات حسية وختمت بلا آيات حسية كذلك, فسيدنا نوح وكذلك هود لم يأتيا بآيات حسية إلى أقوامهما وإنما خاطبوهم بالأدلة العقلية فقط! "قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود : 53]" وكذلك فعل الرسول محمد, فما خاطب قومه إلا بكتاب ربه المشتمل على الأدلة والبراهين القاطعة! بينما أتت الآيات الحسية مع باقي الرسل بين أول الرسالات وآخرها, وهذا دليل جازم على أن الآيات ليس لها أي علاقة بتطور العقل البشري المزعوم.
فالآيات كانت تأتي لغاية معينة يريدها الله الحكيم, وليست ارتباطا بتطور عقلي أو بمطالبة أقوام الرسل! كما ادّعت بعض الروايات التي قالت, أن الأقوام كانوا يطلبون من رسلهم آية بعينها, فيأتونهم بها!! فهذا تقوّل على الله العليم, الذي كان يختار من الآيات ما يناسب الأقوام!
وهناك من قال أنها إظهار لعجز القوم عن الإتيان بمثل القوم فيما اشتهروا به, فالشائع والمشتهر أن الله يرسل الرسل بالآيات الحسية في المجال الذي برع فيه القوم, فيبزونهم, فيعرفون أنهم مرسلون من عند الله الخلاق! وأتساءل: من أين للمدعين هذا القول؟! إن هذا القول مما تلوكه ألسنة الخطباء وأقلام الكاتبين بدون تدقيق أو تمحيص, فيدعون أن الله أرسل سيدنا موسى باليد والعصا لاشتهار أهل مصر بالسحر! وأرسل عيسى بالطب لاشتهار اليهود به, وأرسل الرسول بالقرآن لاشتهار العرب بالبلاغة والفصاحة!
وأعجب ثم أعجب وأتساءل: بما اشتهر أهل ثمود حتى أرسل الله عز وجل لهم ناقة, هل كانوا يخلقون نوقاً؟! ومن قال أن أهل مصر اشتهروا بالسحر؟ ثم من قال أن هناك حقيقة للسحر؟ إن السحر ما هو إلا تخييل وتوهم وقد يصل إلى مرحلة التأثير النفسي, وأكثر من ذلك لا وجود له. نعم, كان هناك سحرة في عهد فرعون, ولكنهم موجودون في كل الأزمنة وفي كل الأماكن والدول, فبما اختلفوا في زمن سيدنا موسى؟ فهل أرسل الله تعالى سيدنا موسى ليتحدى! ويعجز سحرة فرعون فقط؟ أم أنه أرسل إلى بني إسرائيل وإلى فرعون وأهل مصر؟!
ولست أدري متى اشتهر اليهود بالطب حتى يبعث إليهم عيسى بإحياء الموتى, وإبراء الأكمه والأبرص؟! ما اشتهر اليهود إلا بالتعاملات المالية بأبرع الطرق وأخبثها! فلم لم يرسل لهم محاسباً أو تاجرا بأعلى الإمكانيات؟! وكانت الطامة الكبرى مع الرسول الأعظم والتي أضاعت آية القرآن البينة, عندما قالوا أن الله تعالى أرسل الرسول بالقرآن للعرب البلغاء, فهل يعني هذا أن الأوروبي أو الأمريكي الذي لا يتقن العربية, بله عن أن يعرفها, ليس مخاطبا بالقرآن, وإذا قرأ القرآن مترجما مثلا ولم يؤمن فلا حرج عليه؟!
والآفة الكبرى أن التصورات الفاسدة يرتبط بعضها ببعض, ويُبنى عليها هيكل من الوهم, يحتاج إلى من يأتيه من الأساس, فهذا التصور الفاسد نابع عن قولهم أن الله تحدى البشر أن يأتوا بمثل معجزاته, ولست أدري أين أمر الله خلقه عندما أرسل لهم آية حسية أن يأتوا بمثلها؟!! إن سبب اشتهار هذا القول هو خلطهم بين مطالبة الله خلقه غير المؤمنين –في كل زمان ومكان- أن يأتوا بسورة أو سور مثل القرآن, فجعلوا هذا تحدياً من الله العظيم لخلقه, ثم أسقطوه على "المعجزات", التي لم يقل الله للبشر مرة إتوا بمثلها أو لن تأتوا بمثلها!! ناهيك عن أن الآيات المذكورة ليست من باب التحدي وإنما إعلام للبشر أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا, فعندما يطلب الله من البشر ذلك يتبعها مباشرة بالكلام على عدم فعلهم, فمثلا نجد الرب العليم يقول:
"وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة : 24,23]"
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود : 14,13]
أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس : 38-39]"
إن القول بتحدي الله خلقه فيه إساءة إلى الله! فهل يتحدى الله العاجز؟ أو هل يوجد من يتحدى من لا قدرة له؟ إن التحدي يتحقق عندما يكون هناك شبهة مقاربة بين المتحدي والمتحدَى, فهل هناك تلك الشبهة بين الله وبين خلقه أو بين كلامه وكلام خلقه؟! بداهة لا شبهة ولا قرب, فشتان البعد!
إذا فالله الحكيم يرسل بالآيات, حسية كانت أو معنوية, ولكنه لا يرسل بالمعجزات أو الإعجاز. وعندما أنزل الله تعالى القرآن أنزله كله آية, آية في كل شيء, بما فيه من التشريع والنبوءات العلمية وبديع النظم هو آية على أنه من عند الله القدير. فهل عندما يكتشف الناس حقيقة علمية لها أصل في القرآن, يعجز الناس, أم أنها تكون "آية, دليل, علامة" على أنها وأنه من عند الله؟!

ليست تجربة فاشلة
عندما جاء الرسول الأعظم مطالباً قومه بالإيمان بالله وإتّباعه, كرّر أهل مكة مطالب السابقين مثل مجيء الله والملائكة والآيات الحسية, ولا يزال الملاحدة والمشركون يكررونها حتى الآن كشرط لإيمانهم: "وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة : 118]", ورفض الله تعالى طلبهم, لأن الإيمان لا يبنى على الآية الحسية, وإنما على الكتاب نفسه, ومن لم يؤمن بالقرآن لن يؤمن بأي آية: "تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية : 6]"
إلا أن بعض غير المؤمنين عندما يُرد عليهم بهذا الرد يقولون إن القرآن قال: "وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً [الإسراء : 59]"
فإذا كان تكذيب الأولين بهذه الآيات الحسية هي السبب في منع الله أن يرسلها لمن بعدهم، فما هو ذنب اللاحقين حتى لا يروا آيات؟! أم أنها كانت تجربة من الله, فلمّا رأى أنها قد فشلت ولم تفلح مع عباده, لم يعد يرسل بالآيات؟!!
نقول: معاذ الله أن يكون هذا الفعل عن قلة علم, ولكن المشكلة هي قلة الفهم, فلقد أُلبست هذه الآية على كثير من المتناولين لها, فظنوا أن الحديث فيها عن الامتناع عن الآيات الحسية لعدم جدواها مع السابقين! ومن ثم ظنوا الظن السقيم أنها كانت تجربة فاشلة!! والصحيح أنها ورادة في سياق الحديث عن الإهلاك, فيكون معناها هو: الامتناع عن الإرسال بالآيات لعدم الإهلاك! لأنه إذا جاءت الآيات ولم يؤمن القوم فإنه لزام أن يهلكهم الله عز وجل! وهذه الآية مثال خطير لفهم الآية منزوعة من السياق! لأنه سيؤدي إلى ظهور أفهام لا يحتملها النص! ونضع الآية الكريمة في سياقها في السورة حتى يتضح التصور العام للقارئ:
"قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً [الإسراء : 56-60]"
فالآيات تقول أن أي معبود غير الله لا يملك كشف الضر ولا العذاب عن الناس, وأن الله سبحانه فقط هو من يفعل هذا. ثم تذكر الآية سنة من سنن الله مع البشر وهي سنة الإهلاك ! فتقول أن أي قرية لا بد أن تُهلك قبل يوم القيامة أو تُعذب عذابا شديدا, ثم تبين الآية للمخاطبين بالقرآن أن الله لم يكتب عليهم الإهلاك في أثناء البعثة لذلك لم يرسل لهم بالآيات, ولو أرسل لكذبوا فيحق عليهم الإهلاك! ولأن الله العزيز لم يرسل بالآيات إلا ليخوف الأقوام المرسل إليهم من الإهلاك! وليكونوا عبرة لمن بعدهم! ثم تخاطب الآيات الرسول فتذكره بأنه قيل له أن الله أحاط بالناس (قريش أو المعاندين للدين عامة) وأن التخويف لا يزيدهم إلا طغيانا كبيرا! ولو نظرنا نظرة أوسع في السورة وجدناها تكرر هذا المعنى في أول السورة, فتقول: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً [الإسراء : 17]"
قد يقول قائل: هل علم الله أن الأقوام لن يؤمنوا على الرغم من إرسال الآيات؟ وإذا كانت الإجابة بنعم, فلماذا أرسل الله بالآيات إذا مع أقوام حتى يهلكهم ولم يرسل بها مع أقوام أخر؟!
نقول: بداهة علم الله ذلك, وتكرر هذا المعنى في آيات كثيرة في سور القرآن, بل وأتت سورة لتؤكد هذا المعنى وهو أن الآية لا تفلح مع المعاند وأنها إذا جاءت ولم يؤمن يُهلك, وهي سورة القمر. إلا أن المسألة ليست أن الله يريد أن يهلك أولئك فيرسل لهم الآيات ولا يريد أن يهلك هؤلاء فلا يرسل حتى يطيل عمرهم! وإنما الأمر متعلق بالدور الإلهي في المسيرة الإنسانية! فالبشرية مرت وتمر بنفس المراحل التي يمر بها كل إنسان, من طفولة وصبا وبلوغ ونضج ورجولة وشيخوخة وهرم ... وفناء!
ففي مرحلة الطفولة البشرية أرسل الله عز وجل الملائكة لتعلم البشر, وبعد ذلك ظل البشر فترة بدون أي رسل لعدم حاجتهم إليهم, ثم ابتدأ إرسال الرسل إلى الناس, وكان الله عز وجل يتعهد رسله والمؤمنين بهم بالحماية ويقوم بإهلاك المعاندين لهم! واستمر الله عز وجل في تعهد البشرية بإرسال الرسل والكتب, يردونهم إلى جادة الصواب, إلى أن وصلت البشرية إلى مرحلة من النضج أعطاها الله فيها كلمته الأخيرة إليهم, وطلب إليهم أن يتصرفوا تبعا لها, ولم يعد هناك أي حاجة أن ترسل رسل أخر أو رسالات أخرى! لذلك كان على البشر أن يدافعوا عن أنفسهم انطلاقا من المبادئ التي أعطاها الله الحكيم لهم في كتابه, لذلك لم يكن ليهلك هؤلاء لمجرد تكذيبهم, وإنما سيكون هلاكهم بإكثارهم الفساد في الأرض, فيحق عليهم قانون الهلاك العام الذي ينزل بجميع الأمم والبشر!
ويمكن تشبيه الأمر بأب كان يتولى ابنه الصغير بالرعاية والحماية, فيحميه من الآخرين, ويعلمه في نفس الوقت ما يحتاجه, وبمرور الزمان تختلف درجة الحماية والرعاية التي يتلقاها الابن من أبيه, إلى أن يصل إلى مرحلةٍ لا بد أن يعتمد فيها على نفسه, فهنا يقول له الأب: لقد أصبحت الآن كبيرا, ولقد علمتك ما تحتاج وحميتك إلى أن وصلت إلى ما أنت عليه, فشق طريقك استنادا إلى ما علمتك, فلا تنتظر أن أحميك من الآخرين الآن, وإنما من المفترض أن تحمي نفسك بنفسك! وهكذا هو الدور الإلهي يُعد الإنسان لكي يعتمد على نفسه, لذا فمن المنطقي اختلاف طريقة الرعاية والحماية! لذا لا عجب أن ترسل الآيات لتكون مثالا واقعيا لمن يطلب آية, كبرهان للإيمان, فلقد طلبها الأقدمون ولم يؤمنوا وكذلك لن تؤمن أيها المحاج!
إذن فليس الأمر تجربة فاشلة أو نقص في علم الله –حاشا لله- وإنما الأمر اختلاف في العناية والرعاية بالإنسان تبعا لحاله, حتى يصل إلى المرحلة التي يعتمد فيها على نفسه. والله أعلى وأعلم!

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 01-26-2012, 06:17 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثالثة عشر


تصورات باطلة!
على الرغم من أن قصص القرآن يُنظر إليه –لا شعورياً- نظرة تختلف عن باقي القرآن, قد تصل أحياناً إلى درجة الاستهانة, بسبب الظن أن تفاصيله قد عُرفت وخلاصته قد وُعيت وبسبب المعالجة الخرافية والتناول السطحي "الأدبي" المقدَم له! إلا أن هذا المستهان به هذا هو الذي كان –ولا يزال- له الدور الأكبر في تكوين تصور الإنسان عن الدين وعن ربه وعن الحياة بشكل عام, فهو الذي يقدم النماذج الواقعية على النظرية, فالدين طالما أنه مجموعة من المبادئ المجردة ومن القواعد, قد يُحكم بطوباويتها, وأنها غير صالحة للتطبيق, أو يحكم عليها باستحالة النجاح, إلا أن الوضع يختلف كثيراً مع وجود الأمثلة من الأزمان السابقة, التي تقول أن النظرية صالحة للتطبيق, كما تعطي النموذج المثالي الواقعي, الذي ينبغي الاقتداء به, وتحذر من تكرار أفعال الفساد, حتى لا تهلك الأمم مثلما هلك السابقون.
ولأن لقصص القرآن هذا الدور العظيم في تكوين تصور الإنسان للحياة ولفعل الله فيها, فإنه من الأهمية بمكان التعامل مع القصص بالحرص الكافي –مثل كل القرآن- للتأكد من مطابقة ما يقال حول الآية لها, حتى لا يُنسب إلى الله ما لم يُنزل به سلطانا! ومن ثم فإن أي انحراف عن النص القرآني يؤدي إلى وجود بعض التناقضات التي لا أساس لها في القرآن, وإنما بسبب الأفهام التي أضافت إلى الكتاب ما ليس منه, وفهمته على غير ما قال! ناهيك عن هيمنة وانتشار تصورات خرافية أو غير سليمة, تُنسب إلى القرآن أولاً وإلى الرب تباعا! ومن ثم يظن الناس أن الرب هكذا يتصرف, وأن على الإنسان أن يفعل كذا ليكون إنساناً صالحاً, يبتغي بفعله وجه ربه!! وبفهم واحد خاطئ تتكون عند الإنسان "عقيدة" مضللة عن ربه وعن دوره في الحياة!!
ونذكر للقارئ الكريم أربعة أمثلة لتصورات غير صحيحة, والتي ظهرت وانتشرت بين عوام المسلمين, نتيجة للنظر القاصر في كتاب الله العزيز!


أولها: خلافة الإنسان.
القارئ لأدبيات الإسلاميين يجد أن كثيراً منها يقول أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض! وبعضها يقول أنه ليس خليفة الله ولكنه خليفة الجن أو الملائكة! وأخرى تقول أن آدم أو الإنسان العاقل عامة هو خليفة البشر غير العاقل (أو الجنس) الذي كان قبله! فهل قال القرآن بأي من هذه الآراء؟!
لم يقل الله تعالى في كتابه بأيٍ منها, وإنما قال أن الناس خلفاء الأرض! إلا أنه يمكن القول أن الرأي الأخير فيه نصيب من الصحة والحياد عنها ! فإذا كان المقصود بذلك أنه ظهر بعدهم فهو صحيح, فظهور الإنسان العاقل تأخر عن غير المميِز, أما إذا كان المقصود أنه خليفته فغير صحيح! لأن عملية جعل الإنسان خليفة بدأت مع الجيل الأول الغير مميز, والذي لم يكن قبله من يسبقه –إلا الأرض- حتى يكون خليفة له!
ويدل على هذا قول الرب العليم: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء .. [البقرة : 30]", فنجد أن الله تعالى قد استخدم صيغة اسم الفاعل "جاعل" والذي يفيد البدء والاستمرار, فكان الاعتراض أو التعجب من الملائكة على كون من يُجعل هو مخلوق مفسد يسفك الدماء! فعملية جعل الإنسان خليفة بدأت مع الجيل الأول واستغرقت عدداً من الأجيال حتى حققت ما يمكن نعته بأنه الجيل الأول من الخلفاء! وهذه العملية لم تنقطع وهي مستمرة إلى قيام الساعة!
لذا يمكن القول أن الإنسان ليس خليفة أحد, لأنه لم يكن هناك قبله من أو ما يقوم مقامه! وإنما هو خليفة بمعنى أنه يقوم بدور المتحكم والمتسلط ليعمرها , كما قال الرب: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ .. [الأعراف : 10]", والخلافة هي عملية جعل مستمرة تحدث مع كل جيل من أجيال البشرية ومع كل إنسان! -لا أنها حدثت مع جيل بعينه وانتهت-, بشرط أن يكون على قدر من التمكن! وبقدر تمكنه في الأرض تكون خلافته!
فإذا نظرنا في كتاب الله تعالى نجد أن عملية الاستخلاف مرتبطة دائما بالجَعْل: "أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ .. [الأعراف : 69]", فنلاحظ هنا أن عاد جُعلوا خلفاء من بعد قوم نوح! ولم يُجعلوا خلفاء لهم! أي أنهم جعلوا متسلطين على الأرض ومتحكمين فيها! وكذلك الحال مع قوم صالح: "وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ ...[الأعراف : 74]", فمعهم أيضا حدثت عملية جعل ليكونوا خلفاء, من بعد عاد -وليس خلفاء لهم!- أي ليستعمروها كما قص المولى قول صالح: " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. [هود : 61]", ونلاحظ أن الله تعالى لم يستعمل "الخلف" في القرآن مع البشر! فلم يقل أبدا: "فخلفهم خلف! أو: جعلكم خلفاء قوم كذا, أو: جعلكم خلفاءهم!", وإنما يقول: "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم : 59]", أو يقول: "وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ"
وإنما استعمل الخلف مع الأرض: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل : 62]", "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ .. [الأنعام : 165]"
فنحن خلفاء وخلائف الأرض, كما أننا خلائف فيها: "ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس : 14] "فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا .. [يونس : 73]", "هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ... [فاطر : 39]", فنحن خلائف الأرض وفيها أي نخرج منها نتحكم فيها ونسيطر عليها! وبهذا نفهم قول الله تعالى لسيدنا داود: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ... [ص : 26]", فالله تعالى يذكره بأنه مكن له في الأرض تمكينا شديدا حتى أنه صار ملكا حاكما, فتحقق فيه معنى الخلافة أكثر من غيره من الأفراد المحيطين به, فهم كلهم وإن كانوا خلفاء! إلا أنه هو أعلاهم مرتبة في الخلافة! إذاً فالإنسان خلق من الأرض ليتحكم فيها ويعمرها: " ... هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ...[هود : 61]", لا أنه جاء خليفة لمخلوقات لم يقل ربنا أنه مكنهم فيها, ولا له سبحانه ... فهو لا يخلفه أحد!!

ثانيها: سن الأنبياء عند البعثة.
الرأي المشتهر في كثير من أدبيات الإسلاميين هو أن الله يبعث الأنبياء عند سن الأربعين, فما هو مستندهم في هذا؟! يعجب المرء أنه لم يكن لهم في هذا مستند من كتاب الله ولا من أحاديث الرسول, وإنما هي أفهام واجتهادات بشأن آيات, أُسقطت على موضوع آخر لا علاقة لها به! ومن قراءتنا لما قاله ابن كثير نعرف من أين أتى هذا الرأي, فنجده يقول: "فدلَّ على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد، وهو حد الأربعين الذي يوحى الله فيه إلى عباده النبيين،عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين. وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد: فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي: هو الحلم. وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن: أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ". ا.هـ
فلأن الله ذكر الأربعين سنة بعد بلوغ الأشد –ولم يجعلها تفصيلاً له- جعلوا الأربعين هو الأشد وهو الحد الذي يلزم الرجل بلوغه حتى يصل درجة من النضج, تؤهله لأن يبعثه الله تعالى رسولا! وليس للأشد سنٌ معين يكون به الإنسان قد بلغ أشده, وإنما يختلف من إنسان لآخر, ولقد كان سيدنا موسى شاباً فتياً عندما وصل مدين, ومن ثم أٌعجبت به ابنة الشيخ, ثم بُعث بعدها بعشر سنوات,-الفترة التي بقاها في مدين-. ولأن الرسول محمد –كما يُروى- قد بُعث في سن الأربعين, قالوا أن الرسل تُبعث في سن الأربعين.
وهو استنتاج مخالف لصريح القرآن, والذي لم يسكت عن هذه المسألة, وإنما ذكر ما يخالفها, فقال أن يحيى أوتي الكتاب صبياً: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً [مريم : 12]", وكذلك عيسى جُعل نبياً وهو صبي –وليس رضيعاً!-: "فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً [مريم : 30,29]", كما أن الخليل إبراهيم بدأ دعوته إلى الله وهو فتى: " قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء : 60]", فكيف يقال بعد هذا كله أن الله يبعث أنبيائه على سن معين وهو الأربعين؟!!

ثالثها: الإهلاك البطيء!
يُعد إهلاك الأقوام المكذبة من الأركان الأساسية لقصص القرآن, فغالباً ما تكون النهاية أن القوم المكذبين قد أُهلكوا ونجّى الله المؤمنين. والناظر في إهلاك الأقوام يجده إهلاكاً طبيعياً, أي أن عنصر العذاب فيه هو الطبيعة, فيكون الهلاك بالطوفان أو الريح أو الزلزلة ... الخ. ويجب الانتباه إلى أن الطوفان أو الريح ليست هي سبب الهلاك الرئيس, فعناصر الهلاك تكون قد استشرت في القوم من فساد وظلم وطغيان, وتأتي الظواهر الطبيعية الجارفة لتكون بمثابة الضربة القاضية التي تنهي القوم جملة واحدة. فالله لا يهلك الأقوام وإنما الأقوام هم من يهلكون أنفسهم والله يرفدهم من جنس أعمالهم: "وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ [الأعراف : 4]", فكما رأينا فالقرية كانت قد هلكت فجاءها البأس بياتاً أو هم قائلون.
ولن نتوقف لنناقش أو نعلل هذا الإهلاك السريع المباشر, لأنه ملحوظ ومعروض له بوفرة, وإنما نذكر نموذجاً من نماذج الإهلاك البطيء الغير مباشر, ذكره الله الحكيم في كتابه وغُفل عنه بسبب التناول الخاطئ, وذلك النموذج هو نموذج قوم سبأ, والذي ذكره الرب العزيز في قوله: "لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)"
فالله يقول أن سبأ أُمروا بالأكل من رزق الرب والشكر له فأعرضوا فلم يشكروا, ولا يعني الشكر مجرد القول باللسان وإنما شكر النعمة إنفاقها في مظانها وعدم إضاعتها والمحافظة عليها وتنميتها. فلمّا كفروا النعمة أرسل عليهم سيل العرم –وهو سيل شهير في تاريخ العرب– وهكذا تبدل الحال فلم تعد الجنتان آية وإنما أصبحت أطلالا كما نعتتها الآية, وبيّن الله الجليل أن هذا كان جزاءً لكفرهم, وأنه لا يجازي إلا من كان كثير كفر النعمة: "كفور"!
وبعد هذا جعل بينهم وبين القرى التي بورك فيها, -والتي هي مكة وما حولها, وليس الشام- قرى ظاهرة, أي قرى قوية, ذات سيادة وعلو مكانة, وليس كما قال المفسرون أنها قرى قريبة من بعضها بحيث إذا خرج الإنسان من قرية رأى القرية التالية! أو أنها قرى عالية بحيث تُرى!
فالله تعالى يقول أنه نزلت بهم سنة التداول ".. وتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ .. [آل عمران : 140]", فبعد أن كانوا ظاهرين, لم تعد لهم نفس المكانة وأصبحت قرى أخرى هي الظاهرة, ولم يحدث هذا بداهة بين عشية وضحاها وإنما استغرق سنين طوال, وقدّر الله القدير فيها السير! أي أنه أصبح حتما على من يريد السير أن يسير في هذه القرى, أي أنها نشأت على طرق التجارة ! فلم يكن هناك بد للمسافر إلا أن يمر بها! وأمرهم الله أن يسيروا فيها ليالي وأياما آمنين! إلا أنهم لم يعجبوا هذا النمط الحياتي وأرادوا الاستمرار على ما كانوا عليه من الزراعة والإقامة بالأوطان! فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا! فسألوا مباعدة الأسفار فلا يخرجون إلا على فترات متباعدة, وظلموا أنفسهم بالكفر والكبر وعدم الشكر على النعمة البديلة التي أوجدها الله لهم بالتجارة على الرغم من عدم غناهم! فجعلهم الله أحاديث, وأنزل بهم عقابا أشد مما أنزله بسابقيهم, فهؤلاء رأوا عاقبة سابقيهم ولكنهم لم يتعظوا وخالفوا أمر الله بالرغم من ذلك, فمزقهم الله كل ممزق وجعلهم أحاديث, وفي ذلك آيات لكل صبار شكور!
وكما رأينا فلقد أشارت الآيات إلى أن الدول الكافرة بنعم الله تُهلك, ورأينا أنه من بين أشكال الكفر بنعمة الله التمسك بالقديم البالي الذي لم يعد ناجعاً, ورفض الجديد النافع, ومن ثم تحكم الأمة التي لا تواكب آليات التقدم على نفسها بالهلاك, ولا يحدث هذا الإهلاك بين عشية وضحاها وإنما يستغرق عشرات أو مئات السنين, فإما أن تُغير ما بها أو ينزل بها ما جلبته لنفسها!

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 01-26-2012, 06:20 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الرابعة عشر

التفضيل على العالمين
بعلمه وحكمته اصطفى الله الرسل, وبهما كذلك فضل بعض الأمم على بعض, ووصل هذا التفضيل إلى الحكم بأن جنس مفضل على العالمين, فنجد أن الله الحكيم قد أعلن في أكثر من آية أنه فضل بني إسرائيل على العالمين: "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة : 47]", فهل يعني هذا أن الله فضلهم على كل خلقه في جميع الأزمنة؟!
نقول: لأن كلمة "العالمين" من الكلمات الجديدة التي أنشأها الله تعالى إنشاء, فلم تأت في أي نص جاهلي قبل الإسلام, شعرا كان أو نثرا, اختُلف في معناها, وعرض الإمام الطبري الاختلاف في فهم الكلمة فقال: "والعالَمون جمع عالَم، والعالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالَمٌ، وأهل كل قَرْن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالَم، وكل أهل زمان منهم عالمُ ذلك الزمان. والجنُّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالمُ زمانه. ولذلك جُمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ، لكون عالم كلّ زمان من ذلك عالم ذلك الزمان. " ا.هـ
ثم بدأ بعد ذلك في إيراد الروايات المتعلقة بمعنى اللفظة, فقالت بعضها أنها بمعنى الخلق كله, وقالت أخرى أنها بمعنى الإنس والجن, وقالت غيرها أن كل صنف عالم. إلا أن القول بأنها ما عدا الله اشتهر أكثر من غيره, وذلك لأن بعضهم عد هذا القول من تفسير القرآن بالقرآن, وذلك لما جاء في سورة الشعراء, لمّا سأل فرعون: "قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء : 23]", رد موسى: "قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ [الشعراء : 24]" فيكون هذا تفصيلا لذاك! إلا أنه تبعاً لقولهم هذا, يكون فرعون غير فاهم هو الآخر لمعنى كلمة: عالمين, فاحتاج إلى شرح المعنى من موسى! ولو كان هذا هو المراد لكان من الأولى أن يقول له: وما العالمون؟! ولكنه يسأل عن هذا الرب الذي يدعوه موسى إلى عبادته, فزاده موسى تعريفا بكمالاته, فقال له هو كذا وكذا! أي أنه يعطيه معلومات إضافية, لا أنه يفسر ما لديه !
والناظر في الاجتهادات التي حاولت استخراج معناها من خلال القرآن, يجد أنها لم تُصبه تماماً, فلقد وسعت مدلولها فجعلته أعم بكثير مما وُضعت له, فاشتُهر في تفسير "العالمين" أنها ما سوى الله تعالى, فكل ما في الكون هو من العالمين. ومن ثم ظهرت إشكاليات كبرى مثل هل هم أفضل من كل الخلق حتى الملائكة! وكذلك الرسول محمد مثلاً؟!
والخطأ الذي وقع فيه المفسرون أنهم قد غفلوا عند تناولهم لهذه الكلمة عن أنها جمع مذكر سالم, وليست جمع تكسير! فلو جُمعت على "عوالم" لكانت بالمعنى الذي ذكره المفسرون, ولكن الله تعالى لم يجمعها على عوالم, وإنما جمعها على "عالمون", وهو ما لا يكون إلا مع العاقل! فهذا دليلٌ على أن الحديث عن عوالم عاقلة! وبهذا يمكننا استبعاد الجمادات والدواب وكل ما عدا العاقل! ومن ثم يمكن القول أن العالمون هم الأمم أو الجماعات أو المجتمعات البشرية المختلفة.(في زمانٍ ما وليس مطلقا) وليس للكلمة أي علاقة بالجن ولا الملائكة ولا الجمادات ولا الحيوانات ولا أي شيء ما عدا الإنسان!
وحُدد هذا المعنى من خلال النعوت التي جاءت مع الكلمة في القرآن. وبهذا نفهم أن بني إسرائيل فُضلوا على باقي المجتمعات في زمانهم, وبهذا لا تظهر إشكالية في وجود بعض الفاسقين فيهم, لأنه تفضيل مجتمع على مجتمعات, وليس أفراد على أفراد. وبهذا القول يستقيم الفهم في باقي الآيات, فمثلا نفهم قوله: "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ [آل عمران : 42]", فهنا نلاحظ أن العالمين لهم نساء! فهل لكل ما سوى الله نساء, أم أن النساء التي فُضلت مريم عليهن هن نساء المجتمعات البشرية في زمانها؟! "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ [آل عمران : 96]" فالبيت وضع للناس وهداية لكل المجتمعات والأمم, وليس للدواب والسماوات والأرض ؟!
إذا فالحديث في القرآن عن العالمين ليس حديثاً مطلقا عن كل الخلق, خارج عن الزمان والمكان, وإنما هو حديث عن التجمعات البشرية في زمانها, فإذا كان ثمة تفضيل أو اصطفاء فهو عليهم وليس على مر الزمان.

التكرار
من المسائل التي يطرحها القارئ للقرآن مسألة التكرار, فيتساءل: لماذا كرر القرآن القصص, هل كان ذلك لنقص علم, وذلك لأن مؤلفه "محمد" لم يكن يعلم إلا هذه القصص فأخذ يعيده, أم أنه كان يريد التأكيد على نقاط معينة, فأعاد من أجلها القصص, أم لغير ذلك؟!
وقدّم الإسلاميون إجابات عديدة لهذا السؤال, منها ما قاله الأستاذ مناع القطان:
"يشتمل القرآن الكريم على كثير من القصص الذي تكرر في غير موضع, فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن وتعرض في صور مختلفة في التقديم والتأخير, والإيجاز والإطناب, وما شابه ذلك, ومن حكمة هذا:
1- بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها: فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة, والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر, وتصاغ في قالب غير القالب, ولا يمل الإنسان من تكرارها, بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.
2- قوة الإعجاز: فإيراد المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي.
3- الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس: فإن التكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام, كما هو الحال في قصة موسى مع فرعون, لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل أتم تمثيل –مع أن القصة لا تُكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها.
4- اختلاف الغاية التي تُساق من أجلها القصة: فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام, وتُبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال. " ا.هـ
والناظر في التعليلات الثلاثة الأوائل يجد أنها غير مستخرجة من القرآن, كما أنها قائمة على أن آية القرآن الأولى بلاغية, -مما يعني عدم تأثيرها في غير العرب!!-, ويمكن القول أن العنصر الرابع هو القول المقبول, فبحسب اختلاف الغاية يختلف العرض, فعندما أريد أن استخلص عبرة من أحداث ما, فسأعرضها بما يبرز هذه العبرة, وعندما تختلف الغاية يختلف العرض! إلا أنه على الرغم من ذلك لم يقل لماذا لم يقص القرآن قصصاً آخر تظهر فيه هذه الغاية بشكل واضح!
ولقد اتخذ الدكتور خلف الله هذه الذريعة متكئاً للقول بخيالية قصص القرآن فقال:
"سؤال آخر سأله العقل الإسلامي نفسه فيما يخص هذا التكرار وهو أنه على فرض قدرته على الوقوف على الأسرار التي من أجلها كان التكرار فلماذا كان هذا الاختلاف؟ لماذا اختلف إيراد القصة الواحدة في موطن عنه في آخر؟ لماذا اختلف وصف القرآن لموقف موسى من ربه في سورة طه عنه في غيره من السور, مع أن الموقف واحد والحادثة واحدة؟! لماذا قال القرآن في سورة طه "وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ ...." الخ, ولماذا قال في سورة النمل عن نفس الحادثة والموقف: " إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)" الخ, وقال في سورة القصص غير هذين؟ إن الموقف واحد وإن الحادثة واحدة, ولكن الوصف يختلف والحوار غير الحوار وحديث الرب العلي مع موسى النبي في موطن غيره في آخر. لقد حاول العقل الإسلامي أن يجيب على أمثال هذه الأسئلة التي تخص تكرار القصص القرآني واختلاف الوصف والتصوير, ولكنه لم يهتد إلى رأي قاطع ومن هنا آثر الكثيرون عدّ القصص القرآني من الآيات المتشابهات. يقول الطبري: "والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني" وكذلك يقول غيره من شيوخ المفسرين. ولو أن العقل الإسلامي أقام فهمه للقصص القرآني على أساس بلاغي أو أساس فني أدبي لما وقف هذه الوقفة ولعرف منذ اللحظة الأولى أن الذي عده من التكرار ليس من التكرار في شيء, لأن هذه المواد التاريخية غير مقصودة من القصص وأن مقاصد القرآن من مواعظ وعبَر ومن إنذارات وبشارات تختلف في موطن عنها في آخر, ومن هناك كان الاختلاف, لأن اختلاف المقاصد يدفع من غير شك إلى اختلاف الصورة الأدبية. مقصد القرآن من قصة موسى في سورة طه غيره من قصة موسى في سورة النمل وقصة موسى في سورة طه قصة مستقلة, وقصته في سورة النمل قصة مستقلة ومن الوجهة الأدبية البلاغية, هذه قصة وتلك أخرى وعلى هذا فلا تكرار ولا اختلاف ولا تشابه. " ا.هـ
وأنظر في النصوص التي ذكرها التي ذكرها الدكتور خلف الله ليقول بالأدبية, فلا أجد فيها ضرورة جازمة تمنع أن يكون المذكور في السورتين قد وقع كما قال الرب, فلا يعني أن الله لم يذكر مشهداً من مشاهد الحدث وذكره في سورة أخرى أو أن الله عرض الكلام بشكل مختلف أنه لم يحدث بهذا الشكل! إن هذا التعليل من الممكن قبوله إذا كان المشهدان في السورتين متناقضان, وهما ليسا كذلك وإنما هما متكاملان, فما المانع من اختزل مشهداً لا حاجة لي به في سياق, وأذكره في سياق أخر, يكون له دور مؤثر في الغاية منه؟! ولا يوجد نصان من القصص -أو غيره- في القرآن متناقضان, مما يحتم حمله على التخيّل! وما قيل في المشهد يقال في الجُمل المذكورة, فلا يعني ذكر الله جملة ما على لسان شخص أنه لم يقل غيرها في هذا الموقف! المهم ألا يُقوّل الشخص كلاما غير متناسق!!
وبشكلٍ عام فإن تعليل الدكتور خلف الله التكرار بالأدبية لا يقدم ولا يؤخر, فهو وإن قدمه ليبرر اختلاف المفردات المستخدمة في القصة, إلا أنه لم يقل كذلك لماذا لم يأت القرآن بقِصص أخرى, هذا وإن كان قوله باختلاف طريقة العرض حسب الغاية التي ذُكر من أجلها, قول سليم, إلا أنه يعلل الاختلاف في العرض وليس التكرار نفسه!!
والمشكلة التي وقع عامة المتناولين أنهم نظروا إلى قصص القرآن بالنسبة إلى المنزِّل فقط ولم ينظروا إليه من ناحية المتلقي, فعندما يختلف المخاطب لا يكون في الأمر أي تكرار, فالله تعالى كان يخاطب النبي بالقصص أحيانا: "نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص : 3]", فالمخاطب الأول بالقصص هو النبي ثم من يؤمن, وأحيانا لا يكون الخطاب للنبي, ففي كل الآيات التي قال الله فيها: "واتل عليهم" لم يكن المخاطب الأول هو النبي, ومن ثم فهذا خطاب موجه لأفراد لغاية, وهذا خطاب موجه لآخرين لغاية أخرى, ومن ثم فلا تكرار! فإذا غضضنا الطرف عن مسألة اختلاف المخاطَب الأول بالقصص وانتقلنا إلى المخاطبين الأوُل به عامة, وجدنا أن القرآن في مخاطبته المشركين وأهل الكتاب, كان يخاطبهم بما هو معروف لديهم, على وجه الإجمال أو بتفصيل بسيط, فالأحداث الغابرة كانت معرفتهم بها بسيطة على وجه الإجمال, بينما كانت معرفتهم أكبر بالأحداث القريبة, فلقد كان لديهم مثلاً معرفة إجمالية عن نوح وعن الطوفان, فجاء القرآن وفصّل في هذه الأحداث, ولذلك نجده يقول في نهاية إحدى مرات القص: "تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود : 49]", فهو يفصّل لهم ما يعرفون إجمالاً, ويخاطبهم بتفصيل أكبر فيما يعلمونه مفصلا, مصححاً لهم بعض الذي يتداول بينهم, أما ما لا معرفة لهم به ولا علاقة فلم يخاطبهم به!
ولهذا نفهم لماذا أكثر القرآن من ذكر موسى والأحداث التي وقعت له, لأنها أحداث قريبة منهم, يعرفونها بتفصيلٍ ما, فهم الأمة أصحاب الرسالة السابقة, ومن ثم فمن المنطقي الحديث عن السابق القريب المماثل بزيادة قدر أكثر من البعيد الموغل في القدم! بالإضافة إلى أن أتباع هذه الرسالة كانوا يشكلون قدراً لا بأس به من المخاطبين بها, فهو تذكير لهم بأفعالهم في سابق الأزمنة, بخلاف الأمم السابقة التي لم يبق منها أحد! كما أن المخاطبين الأصليين بالرسالة –المسلمين- كانوا يرونهم ويتعاملون معهم ويرون أحوالهم, فكان القرآن يعرفهم بما كان هؤلاء عليه, حتى لا يفعلوا فعلهم ويصيروا مثلهم! كما أن أحداث موسى وفرعون كانت مما تعرفه العرب, بخلاف باقي أحداث بني إسرائيل وما حدث لهم أثناء الأسر البابلي وبعده, فكان من المعلوم لبني إسرائيل فقط, كما أن محمد عليه السلام لم يكن كأي نبي من أنبياء بني إسرائيل وإنما كان كنبيهم الرأس: موسى عليه السلام, فكان قصص مؤسس الديانة هو محور القصص, ناهيك عن أنها أحداث ستبقى في ذاكرة التاريخ من خلال تخليد التوراة لها, ففصل القرآن في هذه الأحداث, ليبطل الكثير من الافتراءات التي دُست في التوراة!
ونختم بقولنا: ليس كل ما قيل فيه أنه تكرار هو من التكرار, فأحياناً تؤدي القراءة الغير دقيقة للآيات إلى إسقاطها على غير أصحابها ومن ثم يقال بالتكرار وهو غير حاصل, ومن ذلك الآيات المقصوصة في سورة المؤمنين: "ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)", والتي قيل أنها في قوم عاد, وهو قول لا دليل عليه, فعاد أهلكوا بالريح! ولذلك قيل أنهم قوم ثمود, لأنهم أهلكوا بالصيحة. والذي أميل إليه أنهم لا عاد ولا ثمود, فالآيات لا تحتوي تشابها مع قوم هود وصالح فقط, وإنما وكذلك مع نوح, فنجد أن نبيهم قال كما قال سيدنا نوح: "قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ", ومن ثم فالنبي فيها غيرهم الثلاثة!! وهم قوم غير معروفي الاسم للعرب, لذا لم يُحددوا بالاسم! وكما تحدث عن شجرة تخرج من طور سيناء فكذلك تحدث عن قوم غير معروفين!!

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 01-26-2012, 06:23 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الخامسة عشر

فواتح القصص وخواتمه
من النقاط التي لم تلق اهتماماً كبيرا من المتعاملين مع قصص القرآن مسألة فواتح القصص وخواتمه, فلم نجد تركيزاً كبيرا عليها, ولا انطلاقاً في فهم القصص منها ولا تعريفاً للقارئ بما افتتح الرب العليم به قصه. فإذا سئلنا: ما هي الفواتح التي ابتُدئ بها قصص القرآن؟ سنجد أن أكثر القارئين لا يعلمون أن هناك فواتح معينة افتتح القرآن به قصصه, كما أنهم وعامة المفسرين! لا يهتمون بوجود اختلافات في بدايات القصص تحتم اختلاف طبيعة التعامل مع القصص, فيوضع كله في سلة واحدة! وهذا مسلك غير قويم, فما بُدئ بفاتحة معينة مثل: "وهل أتاك نبأ" لا ينبغي أن يُعامل معاملة ما بدأ بقوله "ولقد أرسلنا", وما بدأ ب "واتل عليهم" يجب أن يختلف التعامل معه عن الذي يبدأ بقوله "نتلوا عليك", فالمخاطب بالأول هم الآخرون, بينما المخاطب بالدرجة الأولى في الثاني هو النبي الكريم نفسه, ومن ثم فإن الغاية الأولى للقصص تختلف تبعاً للمخاطَب به! كما ينبغي أن تتشابه المعاملة التي تُنزل بالقصص الذي يُبدأ بنفس الفاتحة! فالله لم يبدأ بأي فاتحة اعتباطا, وإنما بفواتح معينة تعين القارئ على معرفة أي نوع من القصص هو والأطراف المخاطبين به أولا, وما هو المحور الرئيس له, فعندما يُبتدأ القص ب "كذبت" فإن هذا إشارة مباشرة إلى أن محور الحديث هو عن التكذيب وعن جرمه .... الخ, وإذا ابتدأ الرب القصص بقوله "إذ" فإن هذا إشارة إلى أن الموقف الفلاني هو نموذج طيب لما قيل سابقاً, وإذا بدأه ب "وإذ" فإن هذا إشارة إلى عطف هذا على المذكور سابقا!
وتبعاً للفاتحة التي يُبدأ بها القص, يمكن للمتعامل مع النص أن يحدد نوع العلاقة بين النص السابق والقصص اللاحق, ولأننا لم نجد من يعرف بفواتح قصص القرآن, نقدمها للقارئ الكريم لتكون له عوناً في تدبر كتاب ربه:
إذا نظرنا في القرآن وجدنا أن أكثر القصص يبدأ بقوله تعالى "إذ" أو "وإذ" –وخاصة في قصص الأقوال والحوارات-, ونجد هذا مثلاً في أول ما قصه الكتاب العزيز: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ...", وفي قوله: "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ ...", و "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ..... وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي" وكذلك كثيراً ما يبدأ بقوله "لقد" و "ولقد", -وفي هذا تأكيد للمحتوى المعروض -, والذي غالباً ما يُتبع بقوله "أرسلنا" ليؤكد رسولية الشخص الذي يقص من نبأه, مثل قوله: "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ .. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ..", " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [هود : 96]", "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... [النمل : 45]", "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ [الحجر : 10]".
ونجد أحياناً أن الله تعالى يفتتح القص عن بعض الأنبياء بقوله: "وإلى ... أخاهم ..", مثل قوله: " وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً .. [الأعراف : 65]", " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً .. [الأعراف : 73]", " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً.. [هود : 84]", إلا أن هذه الفواتح لا تُعتبر فاتحة مستقلة, وإنما هي تابعة لقوله "لقد أرسلنا" السابق لها في السورة, فنجد أن الله افتتح القص عن الأنبياء في سورة الأعراف بالحديث عن سيدنا نوح عليه السلام, فقال: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ .. [الأعراف : 59]", ثم عطف بوادئ باقي القصص على هذه البداية, ولهذا جاءت كلمة أخوهم منصوبة "أخاهم", لأنه لا حاجة لتكرار "ولقد أرسلنا" في كل مرة, ومن ثم فهي بادئة غير مستقلة وإنما تابعة.
كما افتتح الله القص في عشر مواطن بقوله " كذبت", جاء منها في الشعراء أربعة, وذلك في قوله: " كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ... كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ... كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ... كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ", وفي القمر أربعة كذلك بنفس الترتيب والأفراد, هي قوله: " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ .. كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ... كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ... كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ", والموطنان الأخيران في الحاقة والشمس.
كما افتتح الله قصّه ثمان مرات بقوله"واذكر", خمسٌ منها في سورة مريم جاءت على صيغة "واذكر في الكتاب ...", ومرتان في ص جاءت بصيغة: "واذكر عبدنا ..." ومرة في الأحقاف جاءت بقوله: " وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ... [الأحقاف : 21]"
وبغير هذه البوادئ ابتدأ الله العليم قصصاً بفواتح أخرى, مثل فاتحة "واتل عليهم نبأ", والتي جاءت أربع مرات في القرآن العزيز, هي: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ..[المائدة : 27]", "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا .. [الأعراف : 175]", "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ .. [يونس : 71]", "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ [الشعراء : 69]"
وكذلك نجد أن الله افتتح بفاتحة "هل أتاك حديث" أربعة مواطن قص, هي: "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات : 24]", "هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [النازعات : 15]", "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج : 17]", "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية : 1]".
بينما جاءت فاتحة "وهل أتاك" مرتين, هما: "وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى [طه : 9]" "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص : 21]"
وجاءت الفاتحة: "نتلوا عليك من نبأ" مرة واحدة في سورة القصص, وهي: "نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص : 3]". وكذلك جاءت الفاتحة "أم حسبت" مرة واحدة وهي قوله: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً [الكهف : 9]"
كما افتتح الله كذلك بقوله: "ألم تر" أو " ألم تر إلى" في مواطن عدة, وذلك مثل قوله: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ .. [البقرة : 243]", " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ ...[البقرة : 258]"
فإذا تركنا الفواتح وانتقلنا إلى الخواتم وجدنا أن الرب العليم قد يقص القصص ثم ينتقل بعده مباشرة إلى صنف آخر من أصناف آيات القرآن, بدون الحديث عن نوعه أو كيفية عرضه أو عن الغاية منه أو الدعوة إلى التفكر فيه, وأحيانا يفعل, فنجد أنه عظم وجل قدره يُعرف بنوعه وكيفيته في قوله بعد حديثه عن الملأ بعد موسى وطالوت وداود: " تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ..", فهذا القصص من آيات الله والله يتلوه بالحق. وبعد أن يتحدث عن مولد عيسى ودعاء زكريا بالولد وأحوال عيسى مع قومه يقول: "ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ... إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ....", وبعد حديثه عن القرى في سورة الأعراف يقول له: "تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا ..", وفي سورة هود يقول: "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ". وقال له في ثلاثة مواطن أنه يوحي إليه من أنباء الغيب, منها قوله في سورة يوسف: "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ"
ونعود فنقول إن هذه الفواتح والخواتم مفيدة نافعة لمن يبحث عن الغاية التي من أجلها ذُكرت كل قصة بعينها في موضعها, وهذا ما لا نجده من عامة المفسرين, فلم نجد أكثرهم يهتمون بإيجاد علة لوجود قصص بعينه في السورة, ناهيك عن ذكر السبب الذي من أجله كان المقصوص بهذا الشكل! وذلك لأن الوحدة الموضوعية لسور القرآن لم تكن من ضمن أولوياتهم في التعامل مع النص المعَالج, مع أنها هي العنصر الحاسم في فهم علة الذكر والعرض بشكل مخصوص.

الوحدة الموضوعية والسبب
على الرغم من أن كل المفسرين يقولون بأن قصص القرآن أحسن القصص, إلا أنهم لم يبينوا هذا في تناولهم القصص بشكل فردي بداخل كل سورة, فلقد قالوا بحكم عام, وأخذوا يستخرجون أسباباً توجب أن يكون قصص القرآن ككل أحسن القصص, فإذا أخذناه كأفراد مجزئة, لم نجد لديهم من الأسباب الكافية التي تثبت أنه أحسن القصص حقا! بغض النظر عن تفسيرهم له وبحثهم عما يكمله, والذي يبطل كل قول بالحسنية!! وهذا المسلك هو المنتظر ممن يتعاملون مع سور القرآن بشكل تقطيعي, فلا يتعاملون مع السورة كوحدة واحدة, وإنما كمجموعة من الآيات, فتُتناول كل آية بمفردها, فيعرض المفسر كمّا كبيرا من الأقوال, ثم يبدأ في الترجيح بينها, تبعاً لمذهبه! أو لما يرجح عنده عقلاً, وقليلاً ما يُرى لباقي النص دوراً في ترجيح قول من الأقوال وإبطال الأخرى!
ومن ثم فإن أقصى ما يفعله المفسر أن يظهر المناسبة بين هذه القصة والآيات السابقة لها, أما أن يبيّن لماذا ذُكرت القصة بهذا الشكل, فيبين لماذا عُرضت مُجملة في آيات لا تتجاوز أصابع اليد, أو لماذا فُصلت فأخذت الحيز الأكبر من السورة, أو أن يذكر العلة التي من أجلها ذُكرت مجموعة من القصص بعينها وراء بعضها, والحكمة من عرضها بهذا الترتيب, فهذا ما لا نجده من عامة المفسرين, وذلك لأن مسألة الوحدة الموضوعية للسور والتناسق بين الآيات مما لا يعولون عليه كبير تعويل! بل إننا وجدنا من يقول أن آيات القرآن قائمة على القطع وليس الاتصال!! ومن ثم فلا تناسب بين الآيات, لأنها نزلت في مناسبات مختلفة!
أما نحن فنقول –استناداً إلى كتاب الله- بالوحدة الموضوعية لكل سورة في القرآن, ونجزم بأن سور القرآن كاملة تشكل مع بعضها سورة كبيرة, متصلة الأجزاء والمعاني. وقولنا بالوحدة الموضوعية للسور لا يعني أننا نقول فقط بأن السورة تعرض عدداً من الموضوعات المتناسبة المتناسقة, وإنما نتقدم خطوة إلى الأمام فنقول بأن كل سور القرآن تتناول موضوعا واحدا يندرج تحته عدد من العناصر, فالموضوعات المختلفة في السورة هي عناصر الموضوع الأكبر الذي تدور السورة في فلكه, وبداية كل سورة متناسبة مع آخرها, وآخر السورة متناسب مع بداية السورة التالية لها, وأن كل سورة تفصل في عنصر أجملته السورة السابقة لها ! وبغض النظر عن فائدة طريقة التناول هذه في تحديد معاني المفردات المختلف فيها, فإن هذه الطريقة تحتم على المتناول أن يستخرج المحور الرئيس الذي تدور في فلكه السورة, وباكتشاف هذا المحور يكتشف المتناول الحكمة في ذكر قصة ما بعينها على هيئة التفصيل أو الإجمال, وكذلك الحكمة في ذكر عدد من القصص تركز على مسألة بعينها, تؤكد هذا المحور الرئيس للسورة وتبرهن عليه بوقائع سابقة, كما تكون معرفة الوحدة الموضوعية للسورة السابقة والعناصر المذكورة تحت الموضوع العام, سبب في معرفة علة ذكر القصص بهذه الهيئة, فقد يكون القصص تأكيداً لعنصر في سورة سابقة, أو تفصيلٍ لقصص مجمل في سورة سابقة, يزيد محتواه بياناً! وبدون معرفة المحور الرئيس للسورة لا يمكن اكتشاف الغاية الكبرى التي من أجلها ذُكر هذا القصص تحديدا وعلى هذه الهيئة خاصة! وحتى لا يظل الأمر مبهما ومجرد قواعد تنظيرية عامة, نقدم للقارئ بعض الأمثلة التي تبين كيف تثبت الوحدة الموضوعية حُسنية قصص القرآن.

الآلهة الباطلة
قرءنا كلنا سورة الأنبياء, ويعلم أن سورة الأنبياء سُميت بهذا الاسم لأنه ذكر فيها قصص عدد من الأنبياء, فإذا سئلْنا القارئ الذي غالباً ما قرأها عشرات المرات: ما هو الرابط الذي من أجله ذُكر موسى وهارون وإبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وزكريا ومريم في هذه السورة؟! وما هو السبب الذي من أجله تكون هذه القصص –كقصص- أحسن القصص؟!
وندعو القارئ لأن يقرأ السورة ويتدبرها, فإن وجد الرابط والعلة فبها ونعمت, وإن لم يجده نقدمه له قائلين:
الناظر في السورة يجد أن محورها الرئيس هو الله الرب الحق والآلهة الباطلة! فالرب الحق هو من يرسل الرسل هداية لخلقه وهو من يأتيهم الكتاب والحكمة, وإذا قضى فلا راد لقضائه, وما دونه فلا يستحق أن يكون إلها, وما عُبد دونه إلا آلهة مفتراة, لا وجود لها ولا تنفع ولا تضر, فالرب هو من يهلك ويحاسب, وهو من ينصر عباده ويجيب نداء من ناداه أما الآلهة الباطلة فتحتاج من ينصرها.
ونقدم للقارئ التصور العام للسورة:
تبدأ السورة بالحديث عن فعل من أفعال الرب وهو إرسال الرسل وكيف أن الناس يقابلون الرسالة بالإنكار والإعراض, فينكر الله عليهم هذا لأنه لن يوجد من ينصرهم: "أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) .. أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا .."
وبعد أن قص الرب موقف المخالفين من الرسالة والوحي يبدأ بذكر مثال على حمق من يتخذ آلهة من دون الله وهو موقف الخليل مع قومه, وكيف حاور قومه وبين لهم سبب غفلتهم ثم كسر لهم آلهتهم, وانتقد عليهم عبادة ما لا ينطق: "قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)", فهذه الآلهة الباطلة تحتاج من ينصرها, أما الله الرب الحق, فلقد كف النار عن إبراهيم ونجاه ونصره! وبعد أن نجاه الله بزمن وهب له البنين استجابة لدعائه. وكذلك أنجى الله لوطاً فلم يتركه في القوم الفاسقين, وكذلك نوحاً من قبل: "وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ؟ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)"
فمن ينادي الله يجيبه وينجيه وينصره, وكذلك داود وسليمان فإن الله هو من آتاهما علماً وحكماً وسخر لهم ما سخر فمكن لهم في الأرض, ثم يذكر الله نداءات عدد من الأنبياء ربهم وكيف أن الله أجابهم: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ .."
فهذا هو الرب الحق, أما الآلهة الكاذبة ومن عبدوها فهم في النار: "إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)"
أما الذين سبقت لهم الحسنى من الله, مثل الأنبياء الذين عُبدوا, بدون رضاهم مثل عيسى, فهم مبعدون عنها!!
وندعو القارئ أن يقرأ السورة مجدداً بعد أن ظهر له محورها الرئيس وعرف الحكمة من ذكر هذه المواقف من حياة هؤلاء الأنبياء, وكيف أنهم مذكورون كأدلة على صدق وعد الله ووعيده وإجابته لدعاء من يناديه, وسيجد –بإذن الرب القدير- خضوعا كبيرا في قلبه.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 01-26-2012, 06:24 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السادسة عشر
إتباع المُنزَل
إذا تركنا سورة الأنبياء وانتقلنا إلى سورة الأعراف وجدنا أنها كلها تدور في فلك موضوع واحد وهو: الأمر بإتباع المنزَل والنهي عن اتخاذ أولياء من دون الله. والناظر في السورة يجد تؤكد أن من يتخذ ولياً من دون الله يضل أو يهلك, ويظهر هذا المعنى من أول آيات السورة, فنجد الرب يقول: "اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ"
وأول من يذكره كمثال لمن أعرض عن أمر الله المنزل هو إبليس, عندما رفض بهواه السجود لآدم مع الملائكة, ثم يثني بآدم وزوجه نفسهما عند خالفا أمر الله: "اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ", واتبعا الشيطان فكان جزاءهما الخروج من جنتهما! ثم يأمر بني آدم بالإتباع وعدم الابتداع, فلا يزيدوا على ما أمر الله به وينسبونه إليه ولا يتكلموا عنه بغير علم, وإنما عليهم أن يتبعوا ما أنزل إليهم مع الرسل, فإن افتروا فلهم العذاب الشديد, ثم يذكر الرب العليم نوحا وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا! والقارئ لقصصهم يلاحظ أن الله تعالى ركز على مسألة تبليغ الرسالة والنصح, وكيف أن كلاً منهم كان يقول أنه يبلغهم أو أبلغهم: "وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ ..", " فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)"
وهذا هو دور الرسول أن يبلغ وعلى القوم القبول أو الإعراض, فإن فعلوا أفلحوا وإن لم أُهلكوا, ثم بعد ذلك يتكلم الرب العليم بتفصيل عن موسى وإرساله, وكيف أن الله فصّل له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء, وأن المعرض عنها يحبط عمله, ثم يضرب مثلاً بأهل القرية التي كانت حاضرة البحر, وكيف أن مخالفتهم لأمر الله أدت إلى إهلاكهم, ثم تحدث عن الممسكين بالكتاب وعن الإشهاد الذي أشهده ذرية بني آدم, ثم تُختم السورة بما بُدأت به وهو الحديث عن الولي: "إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)" فعلى الإنسان أن يتخذ الله وليا وأن يستعيذ بالله من نزغ الشيطان.
إذا فالقصص الذي ذُكر في السورة كلها هو ليُذكر الناس بعاقبة اتخاذ أولياء من دون الله, وكيف أن من يفعل هذا يهلكه الله, ومن ثم فعلى الناس الاحتماء بالله واللجوء إليه والاستعاذة به.

زيادة الجزاء
ونترك سورة الأعراف وننتقل إلى سورة أخرى لنبين أن القصص لم يُذكر فيها هكذا اعتباطا وإنما لغاية السورة, وهي سورة سبأ, فإذا نظرنا في السورة وجدنا أنها تدور في فلك تأكيد ثنائية الجزاء وأنه في الدنيا قبل الآخرة, وأنه يزيد مع الخلف أكثر منه مع السلف, وأن الشكر يزيد النعمة وأن كفر النعمة يضيعها.
ونقدم للقارئ تصورنا للسورة فنقول:
إذا نظرنا في السورة وجدنا أنها –بعد حمد الله- تعرج على موقف الذين كفروا المكذبين بالساعة وترد عليهم مبينة الحكمة منها, وأن الجزاء والعقاب يقع في الدنيا قبل الآخرة, فتقدم نموذجين مختلفين للناس تجاه آيات الله, موقف الذين أوتوا العلم, وموقف الكافرين والذي يعتمد على الشوشرة والسخرية وتشويه سمعة الداعي إلى الله, على الرغم من وضوح الصدق:
" وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)", وبعد أن ترد على المستهزئين, بالآيات تقدم السورة نموذجين على الجزاء والعذاب, فنموذج الذين أوتوا العلم المُجازَى هو داود وابنه (نموذجان في آن واحد), لأنهم شكروا الله: "وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) " فلقد أنعم الله على داود بنعم كثيرة, واستمرت النعمة مع ابنه الشاكر وزيدت أكثر مما كانت مع الأب.
وأما نموذج المعاقب فهو لسبأ وخلفهم (نموذجان كذلك), فلأن سبأ لم تشكر عوقبت, ولكن كان العقاب مخففا, فلم يُقض عليهم تماماً, ولكن لما استمر الخلَف على المعصية ولم يتعظ بما فعله السابقون عوقبوا أشد العقاب, فمُزقوا كل ممزق, حتى أصبحوا مجرد أحاديث يتناقلها الناس:
"لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)"
وفي هذا العبرة والعظة لمن يكثر الصبر والشكر. وتستمر السورة على نفس المنوال في الثنائية, إلا أننا نكتفي بما له تعلق بالقصص!

نموذج قصير
إذا نظرنا في سورة النازعات وجدنا أن الله العليم ذكر قصة سيدنا موسى إجمالاً في آيات معدودات, هي: "هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)"
فلماذا ذكرها الله مجملة هكذا, ولماذا ذكرها الله أصلاً في هذه السورة؟!
لا يستطيع القارئ أن يجد عند المفسرين إجابة لهذا السؤال, لأنهم لا يجزمون بما هي النازعات, لأن المشهد الأول في السورة مبهم لديهم, يتأرجح بين احتمالات عدة, ومن ثم فلا يمكن الجزم بمناسبة قاطعة بين هذه الآيات التي أوجزت قصة موسى, وبين السورة, ولا التعريف بالعلة التي من أجلها جاءت مختصرة, ولقد حاول الإمام الفخر الرازي أن يقدم علة لها فقال أنها تسلية للنبي وتثبيت له. وليس الأمر كذلك, فبفضل منهج التناول الموضوعي للسورة استطعنا تحديد مدلولات الآيات الأولى للسورة, وقلنا أنها تقدم مشهد نزول العذاب بالمكذبين المعاندين , وسورة النازعات من أولها إلى آخرها تدور في فلك الإنذار بالعذاب الذي ينزل بالكافرين المنكرين المعاندين, فهي تبدأ بمشهد نزول العذاب بالكافرين ثم تصف حال الكافرين عند نزول العذاب ثم تضرب لنا نموذجا معروفا لمن نزل بهم العذاب وهم فرعون وقومه ثم توضح للإنسان مقداره الحقير وفضل الله عليه وقدرة الله على إنزال العذاب به في أي وقت شاء ولكن العذاب لا ينزل هكذا عبثا أو اعتباطا بل هو مرتبط بأسبابه فإذا توفرت استحق الإنسان العذاب والذي لا يعرف الإنسان ميعاده فلا يعرفه إلا الله تعالى.
ولأن هذا هو الموضوع ناسب أن يكون القص على هذا الحال, فإذا كانت السورة من أولها تتحدث عن العذاب الذي ينزل بالكافرين بواسطة الملائكة نتيجة تكذيبهم وعنتهم ومحاربتهم واضطهادهم للرسل وللرسالة ناسب أن يذكر الله عز وجل هنا للرسول قصة نزول العذاب بفرعون وقومه فهو يذكّره بأن فرعون لما جاءه موسى ودعاه إلى عبادة الله العظيم, طغي وتجبر وادعى الإلوهية والربوبية فأخذه الله هو وجيشه, ونزل بهم العذاب بأن فُلق البحر استدراجا له فأغرق هو وجيشه. وهذا قانون عام يسري على من يناطحه, وكان فرعون أحد من سقطوا فيه! وفي هذا عبرة لمن يخشى, فهل يعتبر أحد! وكما رأينا فإن الموضوع لا يحتاج أكثر من مثال قصير, وهو ما قدمته السورة.

سورة الفيل
سورة الفيل من قصار السور, فإذا تسائلنا: إن سورة الفيل ما هي إلا "قصة", فما وجه الحسنية فيها؟! فستأتي الإجابة بالحديث عن الأوجه البلاغية الكثيرة فيها, وكيف أن الرب حمى بيته ممن أرادوا إهلاكه ... الخ
أما نحن فنقول أن وجه حسنها هو تصديقها لآية في سورة الهمزة السابقة لها, والتي تقول: ".. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) .."
والحطمة كما قال الرب العليم هي النار. ومن المستغرب أن تكون النار كثيرة التحطيم, فالنار تحرق ولا تحطم!! ولم يوضح المفسرون العلاقة بين النار والتحطيم !! فكيف تكون النار حُطمة؟!
فنقول: كون النار حطمة شيء غير مستغرب بالنظر إلى طبيعة المادة الموضوعة فيها, فالمواد إذا وضعت في النار إما أن تنصهر-مثل الزجاج- أو تيبس مثل الفخار أو تتآكل مثل الورق! ونحن إذا وضعنا في النار أي مادة قابلة للتيبس في النار, مثل الطين فإنها من شدة الحرارة تتحجر, ومع ازدياد الحرارة فإنها لا تتوقف عند التحجر وإنما تصل إلى مرحلة التفتت والتحول إلى تراب حار مرة أخرى. وهذا ما سيحدث مع هذا الصنف من الكفار, فهؤلاء ستوقد عليهم النار في أماكن مخصوصة حتى تصل أجسادهم إلى درجة عظيمة من التيبس, ومع استمرار الإيقاد, فإن أجسادهم اليابسة لا بد أن تتفتت "تتحطم".
والقول بأن أجساد الكافرين ستتحطم قول غريب, لذا جاءت سورة الفيل التي يقول الرب فيها: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)" فجاءت السورة كتأكيد واقعي من القرآن للغيبيات التي ذكرها في سورة الهمزة, كما هي عادة القرآن أنه إذا ذكر غيبا أن يذكر نموذجا مبسطا مصغرا له في الدنيا, يُعرف القارئ أنه قد رأى وعرف عينة منه في الدنيا فما باله بما في الآخرة! فالله تعالى ذكر الحطم الذي سيتعرض له الهُمزة اللمزة, ولما كان حطم النار غريبا على الأذن, قال الله تعالى للرسول ولكل إنسان: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .... فجعلهم كعصف مأكول!
فقدم بذلك المثال من الدنيا على الحطم, فهؤلاء أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل, فجعلتهم هذه الحجارة الملتهبة المنصبة المتتابعة كعصف مأكول, فصيرتهم فتاتاً صغيرا وهذا التصيير هو نوع من الحطم! فإذا كانت حجارة السجيل قد فعلت هذا في أصحاب الفيل, ألا تفعل النار الكبرى أشد من هذا في من فيها؟! إذا فالسورة كاملة جاءت كتصديق واقعي على أمر غيبي, ولهذا بدأت بالسؤال: "ألم تر", فهي تأكيد لما قيل في السورة الماضية.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 01-26-2012, 06:26 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السابعة عشر


منظور مختلف

بيّنا سابقا كيف أن السابقين قد أساءوا إلى قصص القرآن الأحسن بإقدامهم على تفسيره, وكيف أدى هذا إلى تراكم قدر كبير من الخرافات على القصص القرآني, حتى أنه أصبح من العسير فهمه أو تصوره بعيداً عن هذه الخرافات, مما أدى إلى إلصاقها بالنص القرآني نفسه!
إلا أن المعالجات الحديثة لقصص القرآن لم تستمر على نفس المنوال, فعلى الرغم من أن النصيب الأكبر منها سار على الدرب بتقديم النص القرآني مغلفا بالروايات الإسرائيلية التوراتية, إلا أنه ثمة توجه –آخذ في الانتشار- بدأ يظهر في السنوات الأخيرة, أصبح يتعامل مع القصص القرآني بشكل مختلف, فلم يعد يُعني بتقديم تفسير له أو مقارنته بما جاء في التوراة وكتب الأقدمين, وإنما يتعامل معه بشكل عام, فيستخرج من القصص المُفرق في سور القرآن تصورات عامة إجمالية, -وهو ما يمكن اعتباره نوع من"التأويل الموضوعي", يقوم على تتبع الآيات المتعلقة بمسألة ما في السور المختلفة- أو يعتمد على آيات بعينها داخل مشهد من المشاهد للتدليل على صحة نظرية أو استخراج تصور, بغض النظر عن باقي الأحداث. فيحاول بعض أرباب العلم أن يستخرجوا من القرآن ما يعتمدون عليه في أبحاثهم, لأنهم رأوا أن كلام الرب مليء بالإشارات ويمكم فهمه على مستويات عدة, بما يحقق مزيداً من الهداية لبني البشر, فنجد مثلاً من أرباب التاريخ من يحاول أن يستخرج "صورة تاريخية" لرحلة بني الإنسان على سطح الأرض, و"تطور" الرسالة الإلهية إلى البشر, من خلال النظر في قصص الأنبياء وأحوال أقوامهم, واختلاف طرق دعوتهم وترغيبهم في الإيمان, ونجد أن أرباب علم الاجتماع يحاولون دراسة سلوك المجتمعات البشرية للأمم السابقة وطرق حياتهم وتركيبة مجتمعاتهم, من خلال ما قُص عنهم, وكذلك يحاول أرباب علم النفس أن يحللوا نفسية السابقين كذلك, اعتماداً على ما قُص من أقوالهم وأفعالهم! بل ووصل الأمر إلى أن بعض الفقهاء أصبحوا يبنون أحكامهم على ما جاء في قصص القرآن, باعتبار أن شريعة ما قبلنا شريعة لنا, وأن الله لم يذكره لنا من باب العظة والاعتبار فقط, وإنما لأهداف أسمى.
وهذا توجه لا غبار عليه, فهو يعمل على إيجاد تأصيلات قرآنية للعلوم البشرية المختلفة, وهو أمر لازم لإنشاء قاعدة معرفية قرآنية في شتى نواحي الحياة, يُعتمد عليها في إقامة المجتمع المسلم, الذي يمتلك منظوره الخاص للحياة والمأخوذ من كتاب ربه, وليس منقولاً من غيره. والنقطة الفاصلة في مثل هذا التوجه أن تكون التصورات مستخرجة من النص القرآني نفسه, وليس من الروايات الملصقة بها, لأنها لن تؤدي إلا إلى استخراج تصورات ما أنزل الله بها من سلطان, ومن ثم فستكون النتائج كارثية إذا ما صُبغت هذه التصورات القاصرة المحدودة "المتطرفة" بصبغة علمية وعُممت على المسلمين وعُلِّمت كحقائق علمية اجتماعية أو تاريخية أو نفسية ... الخ مستقاة من كلام الخلاق العليم!
وهذه التصورات المستخرجة المستنتجة لن يُحكم عليها بالصحة الكاملة, إلا أنها ستظل في جميع الأحوال أفضل من المذكور في الروايات الخرافية, لأنها تصورات مستخرجة من علماء أصحاب تخصص, أكثر دراية بالواقع والمجتمع وحاجات البشر في زماننا هذا وفي الأزمنة السابقة.
ونقدم للقارئ الكريم نموذجين لما استخرجناه من قصص القرآن, من خلال التناول الموضوعي, القائم على تتبع قضية بعينها في سور القرآن.

تطور الأمم
قلنا سابقا أن القرآن ليس كتاب تاريخ, وعلى الرغم من ذلك يمكننا استخراج الخطوط العريضة لتطور الأمم من خلال استخراج الملامح العامة لدعوة الأنبياء. الناظر في تسلسل الأنبياء الذين عرضهم القرآن, يجد أنه قد قسمهم إلى مرحلتين حاسمتين: الأولى: النبوات الأوائل أو القرون الأولى, والذين بيّن القرآن ترتيبهم, والثانية: موسى ومن بعده, وهؤلاء لم يُعن القرآن بذكر ترتيبهم, وذُكر هذا التقسيم صراحة في قول الرب العليم: " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى .. [القصص : 43]"
ويمكن تقسيم مرحلة القرون الأولى إلى مرحلتين: الأنبياء القدامى, والذين جاءوا متعاقبين في فترات زمنية متقاربة, ويمكن تمثيلهم ب: نوح وهود وصالح, الذين كان النبي يذكر قومه بحال السابق لهم, ومرحلة الأنبياء المتوسطين, والذين يمكننا تمثيلهما بالخليل وأولاده وأحفاده ولوط وشعيب.
ومن ثم يمكننا القول أن القرآن اعتنى بذكر ترتيب أنبياء المرحلة الأولى لغاية أو لغايات, بينما لم تكن هذه الغاية موجودة مع الأنبياء بعد موسى, لذا لم يعرض لها! ومن ثم يمكن القول أن إحدى هذه الغايات التي من أجلها بيّن القرآن هذا الترتيب هي تقديم تصور عن تطور البشرية, وما سنقوم به هو محاولة استخراج سمات عامة لكل مرحلة, مُسمّين المرحلة باسم الرسول الذي جاء فيها.
ولن نبدأ حديثنا عن سلسلة التطور هذه بالحديث عن آدم وما قبله, فلقد عرضنا لها في كتاب سابق بتفصيل كبير, وإنما سنبدأها بمرحلة التميّز الأولى وهي حدوث الاختلاف والذي من أجله بُعث النبيون: " كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ..[البقرة : 213]"




مرحلة نوح
السمْت المميز الذي تفردت به هذه المرحلة هو ظهور الشرك وابتداء إرسال الرسل من البشر! والشرك وإن كان آفة عقلية, إلا أنه دليل على نضج العقل وبلوغه مرحلة يمكنه بعدها أن يصاب بهذه الآفة! وبهذا يكون البشر قد وصلوا إلى مرحلة من النضج ينبغي معها أن تختلف طريقة المعاملة, ففي مرحلة ما قبل نوح كانت الملائكة ترعى البشر وتعلمهم أمور حياتهم وتعرفهم بأوامر ربهم. ولمّا خطت البشرية خطواتها الأولى معتمدة على نفسها رُفعت هذه المساعدات وانقطع نزول الملائكة, -إلا أن هذا الأمر ظل في الذاكرة تتناقله الأجيال- فلم يعد الإنسان ساذجا عاجزاً كما كان في بداية حياته, وأصبح عليه أن يعتمد على نفسه, واستمر الحال على هذا المنوال قروناً ثم بدأ ظهور الانحرافات الإيمانية, التي أدت إلى ظهور الشرك في نهاية المطاف, ومن ثم بعث الله نوحا إلى قومه لينذرهم.
ويدلل على هذا التصور عديد آيات مثل قوله تعالى: "فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون : 24]", ومثل قوله تعالى "إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً .. [فصلت : 14]", هي دليل صريح على أن الملائكة كانت تأتي البشر الأوائل, إلا أنها لم تكن تأتيهم على الهيئة الملائكية, لأن البشر لا يتحملون الصورة الملائكية الأصلية وإنما كانت تأتي في صورة بشرية أو قريبة منها , ومعهم ما يدل على أنهم ملائكة, ويدلل على هذا قول سيدنا نوح لقومه: "وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ..", ففي قوله إشارة إلى أن الملائكة كانت تظهر في هيئة بشرية أو شبه بشرية, لذلك نفى أن يكون منهم, والله أعلم بالشكل الذي كانت تظهر به للبشر.
ولما كان البشر قد اعتادوا أن من يكلمهم باسم الله لا يكون إلا ملًكا, فقد استنكروا كون الآتي ليس بملك, وترفّعوا أن يؤمنوا لغير ملك, حتى لو أتى بملء الأرض أدلة وآيات! وترسخ هذا الاعتقاد حتى عند الأجيال التي لم تر الملائكة, فلقد تناقله الآباء بيقينية تامة!
وهذه الآيات دليل كذلك على تأخر حدوث الشرك وعلى كون الأجيال بين نوح وآدم أكثر من عشر أجيال, فالملاحظ أن قوم نوح يتكلمون عن "آبائهم الأولين" وهذا يعني أن آبائهم هؤلاء كانوا موغلين في القدم, لا أنهم كان بينهم وبين آدم عشر قرون –كما قالت التوراة وكما جاء في الحديث المنسوب إلى الرسول زوراً وبهتاناً-, ومن ثم فإن البشرية كانت على الإيمان بالله وحده لفترة طويلة, ثم ظهر الشرك أول ما ظهر في قوم نوح, فالأصل في البشرية كان الإيمان والتوحيد ثم ظهر الشرك والتعديد. ولا يعني قولنا بوجود فارق زمني كبير بين آدم ونوح أن البشرية كانت قد أنجزت في هذه الفترة الطويلة "تقدما" كبيراً, فعجلة التقدم البشري كانت جد بطيئة, وكان المجتمع لا يزال بسيطاً , فكونه أصبح "قوما" أو جماعة, من النقاط التي تحسب له, بينما هي من الأمور البديهية في أعرافنا! ومما يشير إلى حداثة تكون الأقوام هو عدم وجود اسم لقوم نوح! فالنظام الاجتماعي السياسي كان قد ظهر, إلا أنه لم يكن قد اكتسب الاسم المميز بعد.
وقولنا بأن قوم نوح لم يكن لهم اسم ليس قولاً جازماً لأن القرآن لم يقل به وإنما هو استنتاج من عند أنفسنا, لأن الآيات التي تعرض لسيدنا نوح, يجدها تقول دوما "لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ .. [الأعراف : 59], " إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ .. [نوح : 1]", وكذلك تحكي على لسان غيره -سيدنا هود-: "وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ .. [الأعراف : 69]"
فنلاحظ دوما أن الله لم يذكر في أي موضع من القرآن اسم قوم نوح, بخلاف باقي الرسل, والذين ذكر أسماء أقوامهم: "وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ..[الأعراف : 65]", ويقول: " وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً.. [الأعراف : 73] ", ويقول: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ... [الأعراف : 85]", ومن ثم فإن هذا فارق كبير بين نوح ومن بعده, ومن ثم نتساءل: لماذا لم يذكر الله اسم قوم نوح قط؟! لقد تفكرت في هذه النقطة كثيراً, ولم يظهر لي فيها وجه شاف, إلى أن اهتديت ذات مرة إلى أنه من الممكن أن لا يكون لقوم نوح اسم! فمن المعروف أن قوم نوح هم أول قوم أرسل إليهم رسول, وهم كانوا قريبي عهد ببدء تكون الأقوام, فبعد ظهور الناس وكثرتهم حدث التفرق, فسكنت كل جماعة في مكان ما, ولما لم يكن الناس كثيرين بدرجة كبيرة ولم تظهر تعقيدات الحياة فلم يكن الأقوام في حاجة إلى تخصيص و تمييز أنفسهم عن الغير, هذا بالإضافة إلى أن اللغة لم تكن متطورة كما هي الآن أو بعد سيدنا نوح, فمن المقبول جدا أن تكون هناك حقبة تاريخية في بداية البشرية لم يظهر فيها أسماء للقبائل أو الأقوام بل كانت كل قبيلة تعيش متجمعة في مكانها فقط, ولأنهم لم يكن لهم اسم مميز نُسبوا إلى نوح عليه السلام وعُرفوا به! وهذا القول وإن كان استنتاجاً إلى أنه خاضع للقرآن لم يزد عليه, فقدّم فارقاً لما فرق بينه القرآن, ولم يفعل مثلما فعل الآخرون الذين ألغوا الفارق بين قوم نوح ومن بعدهم من الأقوام فأخبرونا باسم قبيلة نوح!!
ومن المسائل التي يمكن استنتاجها كذلك من النظر في الآيات مسألة ظهور الأموال, والتي يدلل عليها قول الرب العليم على لسان نوح: "وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [ نوح : 12]", كما أنها تدل على ظهور الملكية الفردية عند البشر منذ قديم الأزل, فالأموال لم تكن مشاعا, بدليل ترغيب سيدنا نوح لقومه بها, فلو كانت مشاعا كما يدعي الماركسيون, لما كان لهذه الآية معنى, فيُرد قولهم بشيوعية المال عند الإنسان الأول. و لكن لا يُتصور أن الآية دليل على وجود المال بصيغته النقدية, لا فالمال يطلق على كل ما يتمول به من غير العقارات, فالبقر مال والحلي مال, أما الشجر والبيوت فعقارات.
وعلى الرغم من بساطة المجتمع إلا أن الملاحظ أنه كان قد انقسم منذ تلك العهود إلى طبقات: "فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ .. [هود : 27]", وهذه النقطة أيضا في الرد على الماركسية, فها هو المجتمع ينقسم منذ بداياته الأولى إلى ملأ وأراذل, وهذا ما كان وسيظل دوما طبع البشر, أن يرضى أكثرهم بالتبعية ويقوى قلة منهم على القيادة!
وعلى الرغم من أن عاداً هم الذين اشتهروا بالبطش والتجبر والقوة, وهم فقط الذين قال الله في حقهم "كفروا ربهم" وليس "كفروا بربهم": "أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)", إلا أن قوم نوح كانوا أشد ظلما وطغيانا: "وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)", وعلى الرغم من ذلك لا نجد إشارة من الله إلى قوتهم أو إلى تقدمهم أو ما شابه! والله أعلم لماذا, ويمكننا إرجاع الأمر إلى أن قوم نوح كانوا في مبتدأ الحياة البشرية وكانوا لا يزالون حديثي عهد بهمجية, ومن ثم فما كانوا قد تخلوا عن تلك الطباع في التعامل, لذلك كان تعاملهم مميز بالقسوة والطغيان بشكل عام, بخلاف الأمم التي أتت من بعدهم, فهم وإن ازدادوا قوة وتقدما, إلا أنهم ازدادوا في عين الوقت مدنية وإنسانية!

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-26-2012, 06:27 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثامنة عشر

مرحلة هود
قبل أن نبدأ حديثنا عن قوم هود ننبه إلى نقطة يغفل عنها كثيرٌ من قارئي القرآن, وهي مسألة وجود فترة زمنية طويلة بين نوح وهود, حيث ثمة انطباع عند بعض القارئين –كنت أنا أحدهم- أنه لم يكن ثمة فارق كبير بين نوح وهود! وتكوّن هذا الانطباع بسبب الحديث عن استخلافهم بعد قوم نوح, إلا أن كونهم خلفاء من بعد قوم نوح لا يعني أن الشرك قد ظهر فيهم سريعاً! نعم, هم استُخلفوا من بعدهم مباشرة, إلا إن هذا الأمر احتاج أعواماً مديدة, بل مئات الأعوام حتى يصلوا إلى تلك الدرجة من التطور التي ترقى كثيراً عن حال قوم نوح, وحتى يتلاشى أثر حادثة الطوفان من ذهن هؤلاء الأقوام, ومن ثم يسقطون في الشرك كسابقيهم.
أول ما يلحظه الناظر في حال قوم هود هو أن القرآن يركز على حدوث طفرة في خلقة هؤلاء القوم, فالله الخلاق العليم يقول: "وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً .. [الأعراف: 69]", ويقول: "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ... [فصلت: 15]"
ومن ثم نتساءل: كيف زاد الله هؤلاء القوم بسطة في الخلق؟ هل جعلهم أقوى من غيرهم أم أطول, وما هو سبب هذه البسطة؟ هل أتى هؤلاء القوم من سلالة معينة من البشر كانت تمتاز بخصائص وراثية عالية الجودة؟ أم أنه بسبب حدوث هذه الطفرة في خلقة هؤلاء القوم اكتسبوا هذه القوة؟! أم أن ظهورهم ازدادت اعتدالا, بخلاف الأقوام السابقة والتي كان فيها نسبة طفيفة من اعوجاج الظهر؟! لا نستطيع التحديد أو الجزم, إلا أننا ندعو علمائنا الأفاضل أن يبحثوا في جنوب الجزيرة العربية وينظروا في آثار اليمن القديمة وتاريخها, ليروا متى وكيف ولم كانت هذه الطفرة في البشر!
ولا يتوقف الاختلاف عند الخلقة وإنما يتعداه إلى الصنعة, فنجد أن نبي الله هود يذكرهم بنعم الله عليهم: "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ و َتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [ الشعراء : 129,128] , كما يذكرهم بأن الله أنعم عليهم بما وعد به من يؤمن على لسان نوح: "وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح : 12]", فزودهم الأنعام والتي لم تُذكر مع نوح فقال: "أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الشعراء: 134,133]", ومن ثم فمن غير المقبول أن يُقابل هذا بالكفر! وامتدت جوانب وآثار الرقي إلى جميع الجوانب الحياتية الاجتماعية, فلقد تشعبت الشعوب وتمايزت, ومن ثم أصبح اتخاذ كل قوم اسما مُميِّزاً أمرا ضروريا, بل ووصل الأمر إلى أن قوم عاد –لاغترارهم بقوتهم وبسطتهم- بدءوا يبطشون بغيرهم: "َوإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء : 130]".
ويمكننا القول أن قوم عاد هم أول من سنّوا الاعتداءات على الغير للسلب والنهب وبسط النفوذ والسلطان, وبئس ما سنّوا لمن جاء بعدهم. وعلى الرغم من أن قوم نوح كانوا قبلهم, إلا أن الحضارة العربية الأولى كانت حضارة قوم عاد , لأن قوم نوح لم يكونوا على مستوى من التقدم, يمكن أن يُسمى "حضارة"! وعن عاد أخذ كل من جاء بعدهم وقّلدوهم! حتى في شركياتهم!!

مرحلة صالح
كما استخلف قوم عاد من بعد قوم نوح, استُخلف كذلك ثمود من بعد عاد, إلا أنه لا يوجد في النص ما يشير إلى كبر المسافة الزمنية الفاصلة بين عاد وثمود, إلا أنه يقول أن هؤلاء كانوا خلفا لأولئك, وثمود من القبائل العربية, ولقد أرسل الله إليهم صالحاً مدعوماً بالناقة: "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأعراف : 73]"
والناقة من الأنعام المرتبطة بالعرب, ولقد ذكّر صالحاً قومه بعاقبة عاد, وهود ذكر قومه بقوم نوح, ومن ثم فإن نوحاً وهودا وصالحاً وأقوامهم عرب خُلص, وهذا دليل تأكيدي إضافي لأن بداية الحضارة البشرية ظهرت في الجزيرة العربية . فإذا نظرنا في الآيات وجدناها تقول أن قوم صالح اتخذوا خطوة جديدة للأمان وهي اتخاذ القصور ونحت الجبال بيوتا: "... تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً .. [الأعراف : 74]", فهل يمكننا القول أن هذه إشارة إلى بداية العصر الحجري, حيث بدأ استخدام الأحجار كمواد ومكان للبناء؟!
والسمة المميزِة لعهد صالح هو أنه بداية مرحلة الإرسال ب "الآيات الحسية", فالقرآن لم يذكر آية لنوح, ونفى أن يكون هوداً أتى بواحدة: "قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ .. [هود : 53]"
ومن ثم يظهر تساؤل في محله: لماذا لم يرسل الله بالآيات مع نوح وعاد بينما أرسل بها مع صالح؟! وكنت لم أجد إجابة لهذا السؤال فيما مضى, فقلت:
"نجد أن هذا شيء محيرٌ, فمن المفترض أنه كلما تقدمت البشرية زاد اعتمادها على العقل, فيفترض أن يُلغى الإيمان بالحسي ويطالب بالإيمان العقلي, ولكن يبدو والله أعلم أن البشرية لما بعد عهدها بتعليم الملائكة حدثت انتكاسة ما للبشرية فأدى ذلك إلى ضرورة أن يعطوا آية حسية مثل أن تخرج الناقة كآية حتى يؤمن القوم. " ا.هـ
ثم ظهر لي أنه ليس للأمر علاقة بالبعد عن عهد الملائكة أو بانتكاسة مفترضة, فلم يحدث أصلا قبلها أن طولب الناس بالإيمان بالحسي حتى يطالبوا بعدها بالإيمان عقلاً, فلم يكن هناك أي آيات حسية مع نوح أو هود! وإنما الإرسال بالآيات مرتبط بالرسالة وبفعل المخاطبين, الذين أُرسل إليهم الرسول ليرتدعوا عنه, ومن ثم كانت الناقة. (وسنفصل في هذه المسألة عند حديثنا عن قوم صالح).
فإذا نظرنا في ملمح آخر من ملامح الرسالة نجد أن الله لم يذكر أنه أنزل لصالح –ولا لنوح ولا لهود- كتاب, وكانت الرسالة تدور حول بعض التعاليم البسيطة المحدودة الرئيسة, التي كان يدعو قومه إليها, فكان النبي يكتفي بالدعوة إلى عبادة الله وترك ما يُعبد من دون الله, بالإضافة إلى ترك الخصال السيئة, وذلك مثل قوله تعالى: ".. فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف : 74]", وذلك لبدائية الحياة والمجتمع, ومن ثم ما كانوا في حاجة إلى كتاب كبير, وإنما كان يكفيهم وحي بسيط يذكرهم بالله وينبهم إلى أخطائهم, وحي يُصوِّب مسير المجتمع, ويدفعه إلى الأمام ويدفع عنه الهلاك!


خطوط عامة
بعد أن قدمنا ملامح عامة لتطور الأجيال الأولى للبشرية, نعطي القارئ الخطوط العامة للمرحلتين المتوسطة والمتأخرة, ونترك له إكمال التصور عن ملامح التطور الذي وصلت إليه الأمم في الأجيال التالية.
بعد قوم ثمود بفاصل زمني كبير أرسل الله الخبيرُ الخليلَ إبراهيم عليه السلام, والذي بدأت به المرحلة المتوسطة للأنبياء, وكذلك مرحلة الصحف والكتب: "صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى : 19]", ومن ثم يمكن القول أن بداية إنزال الكتب التشريعية كانت مع سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وفي هذه الفترة الزمنية الطويلة تأسست الدول بالمعنى المتطور, فظهر الحديث عن "المُلك", بينما كانت الأمم قبل الخليل أقرب إلى نظام القبائل والعشائر, والتي انقسمت إلى ملأ –عالة القوم– وأراذل وعامة, وكانت المعارضة للنبي دوما من الملأ, بدون ذكرا للملك أو للكبير, وفي هذا احتمال كبيرٌ أن السلطة لم يكن قد تم "مركزتها" بعد, بل كانت في أيد جماعات لهم أتباع, ومع مرور الزمان تطورت الأمم ومُركزت السلطة, وظهر النظام الملكي.
وليس ثمة اختلاف كبير بين حال الخليل وبين باقي أنبياء المرحلة المتوسطة, فهم أبناءه وأحفاده وأقاربه, وإن كانت السمة المميزِّة لتلك الفترة هي تلك الانتكاسة الكبرى التي وقع فيهم قوم لوط بفعلهم اللواط.
ومع سيدنا شعيب ظهر الحديث عن الكيل والميزان والتجارة وطرقها: "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً .. [الأعراف : 85-86]", فقد يكون في هذا إشارة إلى بدء حركة التجارة بين المجتمعات!
وبعد سيدنا شعيب, الذي انتهت به المرحلة المتوسطة للأنبياء, بفترة طويلة, جاء رأس أنبياء المرحلة المتأخرة, سيدنا موسى, بعد أن أهلكت القرون الأولى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى .. [القصص : 43]", جاء ليحرر أمة يُفترض فيها أن تحمل رسالة, فأتى بالآيات ليخرجهم لا ليؤمنوا بها! كما اختلف الدور الذي يأتي به الرسول, فلم يعد دوره الأول تحذير قومه الهلاك الطبيعي, وإنما تحذيرهم الهلاك الذي سيوقعون فيه أنفسهم بأيديهم. ولأول مرة ينزل الله تعالى على خلقه كتاباً تشريعيا متكاملاً, فيه موعظة وتفصيل لكل شيء. واستمرت هذه المرحلة حتى بُعث النبي الخاتم محمد عليه السلام, وبه تمت الرسالات وخُتم النبيين. وانتقلت البشرية النقلة الكبرى مع مجيء النبي الخاتم, ووصلت مرحلة النضج, ولم تعد بحاجة إلى رسالات مؤقتة أو مرتبطة بمكانها.


السنن الكونية
بعد أن قدمنا نموذجا صغيراً لاستخراج صورة عامة للتطور التاريخي للأمم, نقدم للقارئ نموذجا آخر للتأويل الموضوعي العام, وهو استخراج سنن الله الكونية من خلال استقراء الأحداث المقصوصة, ويعتبر هذا التوجه من التوجهات الحديثة في تناول قصص القرآن, وبدأت تظهر فيه كتابات تبين سنن الله في كونه, وكيف ترقى الأمم وكيف تنحدر وكيف تنهار. ومن أبرز سنن الله المبثوثة في القصص:
السُنة الأولى: تُهلك الأمم بذهاب الأخلاق.
وهذه السنة من السنن العامة الرئيسة, التي تندرج تحتها سننٌ أخرى. وقد يرى كثيرون أن الأخلاق وإن كانت هامة إلا أنها ليست العامل الأول لهلاك الأمم, فهناك عوامل أخرى اقتصادية وسياسية أهم. وكان لدي نفس الظن, إلى أن نظرت في هلاك الأمم في التاريخ الإنساني فوجدتها كلها قد هلكت بذهاب الأخلاق, ووجدت أن بيت الشعر القائل: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. وجدته صادقا تماما بدرجة مائة بالمائة, و تصور أخي كيف يكن حال أمة متقدمة اندثر فيها العفو أو الإيثار أو الشجاعة أو الاقتصاد أو العفاف والطهارة أو الصبر والثبات أو الصدق أو مُحقت فيها الشورى, كيف تظل متقدمة؟! حتما ستنهار, وتتبع عزيزي القارئ الممالك الكبرى التي اندثرت في أي مكان في العالم, وفي أي زمان, تابعة لأي دين كانت, تجد أن عوامل الهلاك واحدة, ويبدأ الهلاك بفساد المترفين, كما قال الرب العليم: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء : 16]".
فالفساد يبدأ من المترفين, وإذا تبعهم العامة أو سكتوا عنهم فسيحيق العذاب بهم جميعا, والله تعالى يقول: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 25]", فالعذاب ينزل بفساد المترفين وسكوت العامة, فالأمة لن ينفعها أنها ذات تقدم علمي أو خلافه, فستنهار على يد حضارة ذات أخلاق. وتتبع عزيزي القارئ الأمم التي انهارت, فكلها كانت أمم ذات تقدم وحضارة كبيرة ولكنها لفساد أخلاقها دب التحلل في أركانها, فاجتيحت على يد أمة ذات أخلاق وبداوة –خشونة- , فالإمبراطورية الرومانية مثلاً اجتيحت من قبائل الجرمان البربرية, والفرس والروم تم اجتياحهم بواسطة المسلمين العرب, والدولة الإسلامية في الأندلس اجتاحها القشتاليون, وأي دولة ينخر فيها دود الفساد ستنهار لا محالة. فها هي الدول العظمى تنهار بسبب الاستبداد وانتشار الفساد الناتج عن الرخاء المادي, بينما تظل الأمم البدوية لردح من الزمان بعيدة عن هذا الداء, حيث تعيش بأخلاقها الطبيعية في مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة الطفولة إلى أن تعتنق مبدأ, وهنا تنتقل هذه الأمة إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة الفتوة والشباب, وهنا تفرض هذه الأمة نفسها على الساحة المحيطة فتأخذ دورها في القيادة, فتنهض الأمم ذات الأخلاق التي تعيش على فطرتها. وهذه هي دورة الحياة فالأمم التي تعيش من أجل مبدأ معين تظهر وبقدر تمسكها واجتماعها على هذا المبدأ تستمر حتى تصل إلى الهدف وإلى الغاية, وعندما تنسى هذا المبدأ والغاية التي تحي من أجله يبدأ دبيب الانهيار, وبقدر ما كانت الأمة قوية البنيان تستمر, ولكنها لن تستمر إلى الأبد فلا بد من ظهور حضارة أخرى بدوية على فطرتها لم يظهر فيها الشذوذ أو الفساد الأخلاقي فتطيح بها عن الساحة وتأخذ مكانتها مهما كان دينها. والأمم هي التي تنزل الهلاك والدمار بنفسها بأفعالها, فلم يفعل الله بهم هذا عبثا أو اعتباطاً –حاشا العليم الخبير-: "َمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى : 30]", "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم : 41]", "فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران : 11]", "َفأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ [الأنفال : 54], "وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ.. [يونس : 13]", فبسبب أعمال الناس ينزل بهم الهلاك, ولو أحسنوا -بغض النظر عن دينهم- لما هلكوا, كما قال الإمام ابن تيمية "إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة", فالقيادة الحكيمة تقود الأمم إلى الفلاح والقيادة الفاسدة تقود قومها إلى الهلاك: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ فلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف : 55,54], ثم كان عاقبتهم جميعا رئيسا ومرؤوسا الخسران المبين: "يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود : 98]".
السنة الكونية الثانية : سنة التدافع .
وهذه السنة من السنن التابعة للسنة الأولى, فهي تتحرك محققة لها, فإذا نظرنا في كتاب الرب العليم وجدنا أن الله تعالى قد نسبها صراحة إلى نفسه, فيقول: "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ..[البقرة : 251]", ويقول كذلك: "... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج : 40]", فالله تعالى يوضح أن الناس لا يمكن أن يستمروا على حال واحد, بل لا بد من وجود ما يدفع الأمة إلى العمل و إلى الحركة, ولولا وجود الخصم لركن الناس إلى النوم, و الأمة التي تتكبر وتفسد في الأرض تفسد هي نفسها, لذا يرسل الله عليها من يهلكها, ولو لم يهيئ الله من البشر من يتصدى لطغيان هؤلاء الظالمين لفسدت الأرض, ويضرب لنا نموذجا على ذلك بسيدنا داود وحربه ضد جالوت, فقوم جالوت كانوا يفسدون في الأرض, فأرسل الله عليهم من يردهم عن إفسادهم وهم طالوت وجنوده, ويحل الأخيار مكان الأشرار فيصلُح حال الناس.
السنة الثالثة: الإيمان والعمل الصالح ضمانة الاستخلاف في الأرض.
فإذا آمن الناس وعملوا صالحاً فهناك ضمانة من الله أن يُستخلفوا في الأرض ويصيروا الأعلين: "وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ .... [النور : 55]"
وبسبب الفهم الخاطئ للاستخلاف وظني أن الإنسان خليفة الله في الأرض قلتُ سابقا: "قد يقول قائل: ولكن الدول الكافرة تستخلف في الأرض أيضا, ألم تصبح أمريكا هي سيدة العالم الآن؟ نقول: الذي فيه أمريكا الآن ليس استخلافا بل هو استدراج, فالدولة التي تستخلف هي التي تعمل بمنهج الله في الحياة فتصلح في الأرض, فتنشر العلم والخير و الرخاء في الدنيا بدون انتظار أي مقابل من الناس, لذا نجد أن الدول الاستعمارية الوحيدة على مر تاريخ البشرية كانت الدول الإسلامية, أما باقي الدول فهو دول تخريبية محتلة, ونحن نقصد بالدول الاستعمارية التي تعمر الأرض لأهلها, وهذا ما فعله المسلمون في كل بلد فتحوه وانظر ذلك في كل الدول الإسلامية, أما الدول الغربية الهمجية فهي تخرب ولا تستعمر وتمتص الخيرات إلى بلادها, و أما أمريكا فهي تستعبد الناس ولا تعمل بمنهج الله, فهي تفسد ولا تصلح, فهذا ليس استخلافا بل استدراج سيؤدي بها في نهاية المطاف إلى هلاكها, و الله أعلم. " ا.هـ
أما الآن فأقول: نعم, الدول المؤمنة وغير المؤمنة تُستخلف, ولكن الفارق في طول الفترة الزمنية التي تظلها وفي الدور الذي تؤديه, وفي ضمانة الاستخلاف, فقد يتوفر لدى بعض الأمم عناصر التمكين إلا أنه لا يتهيأ لها عنصر التوفيق والتيسير الإلهي, فيظل غيرها مستخلفاً أو يستحوذ غيرها على المكانة, أما مع الإيمان والعمل الصالح فالاستخلاف والتمكين مضمونان بأمر الله.


رد مع اقتباس
  #20  
قديم 01-26-2012, 06:30 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة التاسعة عشر


الأنبياء القدامى
تمهيد
بعد أن قدّمنا تأصيلنا في تناول قصص القرآن, والقائم على الاكتفاء بالقرآن وبما قال, والجزم بأن ما زاد عليه إما لا نفع فيه للقراءة الأساسية للنص لأنه لا يزيده وضوحا أو يبين مبهما, وإما ضار لأنه يجعل القارئ يفهم القصص بخلاف ما قال الله, ومن ثم يستنتج استنتاجات ويتصور تصورات عن الرب والإنسان والدين ما أنزل الله بها من سلطان, وإنما يمكن استخدامه في معالجات خاصة للقصص, تعتمد على المقارنة بين ما جاء في القصص والواقع أو الكتب المقدسة الأخرى ... الخ المعالجات المختلفة, ولكن ليس في القراءة المبدئية.
وقد يرى القارئ أن هذا توجه متطرف مبالغ فيه, لأن الروايات المصاحبة للقصص وإن كان فيها بعض الخرافات والإسرائيليات, إلا أنها نُقيت وتُنقى.
فنقول: هذا المسلك هو الآخر مسلك غير قويم, لأنه لا يخضع للنص القرآني نفسه, وإنما لعقول المتعاملين ولتصحيح علماء الحديث, فهناك من سيرفض بعض الروايات لأنها لا تتفق مع عقله, وهناك من سيقبل أخرى –على الرغم من مخالفتها للقرآن قبل العقل- لأنها صحيحة سنداً, وكلا الطرفين همّش القرآن, وأخذ يتكلم "عنه" وليس "منه".
لذا سنقدم للقارئ الكريم ولأول مرة في التاريخ الإسلامي منذ بدأ الكتابة عن قصص القرآن تناولاً له يخضع للنص خضوعاً تاماً, فيبين للقارئ كثيراً من مواطن الانحراف التي وقع فيها عامة المفسرين, وكثيراً من النقاط التي غفلوا عنها في تناولهم للقصص, ومن ثم قدّموا للمسلمين قصصاً غير الذي ذكره القرآن!
ولأن القصص المذكور في القرآن كبير الحجم عظيم المحتوى هائله, ولا يمكن احتواء كل ما قاله وتصحيح كل انحرافات المفسرين في كتاب واحد, مهما كبر حجمه, لذا فإننا سنكتفي بعرض الخطوط العريضة لكل نبي أو لكل حدث, ليكتشف القارئ ويتأكد أن القصص لا يحتاج في فهمه إلى أي زيادة, وكيف أن الزيادات كان ضرها أعظم بكثير من نفعها!
وكان من المفترض أن نبدأ حديثنا بعرض ما قصّه القرآن عن آدم, إلا أننا قد عرضنا له بالتفصيل في كتاب سابق, ومن ثم فإننا سنبدأ حديثنا بأول الأنبياء نوح عليه السلام, ثم باقي الأنبياء تبعاً للترتيب الذي ذكره القرآن, وبعد أن ننتهي من عرض قصص الرسل, نبدأ بعرض قصص غير الرسل, الذين ذكرهم القرآن.

نوح عليه السلام
سيدنا نوح شيخ الأنبياء المرسلين, ذلك النبي الذي عمّر في قومه مئات الأعوام, نموذج الصبر العظيم, والذي يستحق أن يُضرب به المثل في الصبر قبل أيوب! إذا تساءلنا: لماذا أرسله الله الحكيم؟! ستأتي الإجابة بأنه أُرسل ليدعو قومه إلى عبادة الله وترك الآلهة الأخرى. ولا خلاف حول هذه النقطة, ولكن هل كانت لرسالة نوح غاية أخرى غير دعوة قومه لعبادة الله وحده وترك ما هم عليه من الضلال؟! فستأتي الإجابة الحاسمة: ليس لنبي غاية في دعوته إلا هذه.
إلا أن الناظر في القرآن يجد أن هذه الإجابة غير صحيحة, فلقد كان لإرسال نوح غاية رئيسة ذكرها الرب في بداية سورة نوح:
"إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)"
فالله قال أن نوحاً أُرسل لينذر قومه من قبل أن يأتيهم عذاب أليم, إلا أن المفسرين فهموا الآية –وأنا كنت أفهمها كذلك أيضا-: "أن أنذر قومك لكي لا يأتيهم عذاب أليم", ومن ثم قالوا أن نوحاً دعاهم للإيمان حتى لا ينزل بهم العذاب, ومن ثم فلو آمنوا لما نزل بهم العذاب, أما القرآن فقال أنه أُرسل لينذرهم من قبل أن يأتيهم العذاب, وليس لكي لا يأتيهم, أي أن العذاب كان قادماً قادما, وكان دوره هو إنذارهم قدوم هذا العذاب ليفروا منه! ومن ثم فلو آمنوا وأطاعوا لتركوا تلك المنطقة, وذهبوا إلى منطقة أخرى ليستقروا فيها.
وبهذا نفهم لماذا كان سيدنا نوح يقول لقومه: " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)"
فقومه يرفضون تصديق كونه مرسلٌ من الله, ومن ثم يرفضون الخروج من المكان, لأن المعلوم أفضل من المجهول, وبلد في اليد خير من أخرى لم تُنشأ! فكان يقول لهم أن الله سيرسل السماء عليهم مدرارا فلا يخشوا فقدان الماء, وسيجعل لهم جنات وأنهارا, ويدعوهم إلى النظر في السماء التي تحيط بكل الأرض, فالمكان الذي سينتقلون إليه ستظلهم نفس السماء والشمس والقمر, وكما أن الإنسان يُنبت من الأرض ويعود إليها, فكذلك سيُنشأ الموطن الجديد, والله لم يجعل للناس موطناً واحدا حتماً, وإنما جعلها بساطا, ليسلكوا فيها سبلاً, فامشوا وتحركوا ولا تثبتوا على مكانكم الذي سيأتيه الطوفان.
إذا فأول اختلاف هو أن نوح أُرسل لينذر قبل وقوع العذاب وليس ليمنع وقوع العذاب! ونلاحظ أن الله بعث نوحاً قبل الطوفان بفترة زمنية هائلة, بلغت قرابة الألف سنة, وهي التي حدثت فيها تلك التغيرات المناخية, إلا أن قومه لم يستجيبوا. لذا يمكننا القول أن نبوة نوح عليهم السلام كان فيها جانبٌ علميٌ, فلقد أراه الله الدلائل على قرب وقوع الطوفان وأمره أن ينذر قومه, ولذا أخذ نوح ينبه قومه إليها: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ ..(٧١)", "أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" فهو كان يريهم الآيات الطبيعية حولهم, والمصدقة له, ويقول لهم أن هذا العلم ليس من عنده وإنما الله هو من يعلمه ما لا يعلمون. إلا أنهم كبر عليهم أن يصدقوا نبوءاته, فلم يستجيبوا له فاستحقوا أن يغرقوا: "فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ [الأعراف : 64]"! وبهذا نفهم لماذا كان نوح هو الوحيدَ الذي نُعت في القرآن –بالإضافة إلى الرسول محمد- ب "نذير مبين", ولماذا هم فقط من سماهم الله "قوما عمين".
والعجيب أنهم جعلوا دعاء سيدنا نوح على قومه هو السبب الذي من أجله نزل العذاب بهم, على الرغم من أنه ما دعاه إلا بعد نزول العذاب: "مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً [نوح : 28]", فسيدنا نوح دعا هذا الدعاء مع أو بعد الطوفان كما هو واضح من الآيات, ولست أدري كيف قلبوه وجعلوه قبل الطوفان, وكيف يوفقون بينه وبين قول الرب الحكيم: "وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [هود : 37]", فكيف يكون سيدنا نوح هو من دعا عليهم ثم ينهاه الله عن مخاطبته بشأنهم, لكي لا يتشفع لهم؟! هل أتشفع فيمن أردت إهلاكهم؟! أمّا على قولنا فهو دعا الله بعد أن رأى هلاك الظالمين ألا يبقي الله منهم أحداً حتى لا يضلوا المؤمنين.

إذا فقد أُرسل سيدنا نوح لينذر قومه واستمر في دعوته هذه صابراً مئات السنين, إلى أن شعر أنه مغلوب: "فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ [القمر : 10]", فلقد طلب النصر من الله, لا أنه طلب إهلاك القوم, وبعد فترة قصيرة أوحي إليه أنه لم تعد هناك فائدة من دعوته: "وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)", ومن ثم أمر سيدنا نوح بصناعة الفلك, الذي سينجو به هو والذين معه, "وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)"
ولأن التنور في عرف المفسرين وكثير من اللغويين هو "الفرن" الذي يخبز فيه, احتاروا كيف يفور, ومن ثم قالوا أن فوران التنور كان آية إضافية! على الرغم من أن الله لم يقل أن الفوران كان آية, وإنما علامة على وقوع الطوفان, ولقد خالف المفسرون قول الله فقالوا بخروج ماء من التنور, وليس بفورانه, فنجد الإمام الفخر الرازي يقول في تفسيره: "المسألة الثالثة: في التنور قولان: أحدهما: أنه التنور الذي يخبز فيه. والثاني: أنه غيره، (...) ، وقيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة.
القول الثاني: ليس المراد من التنور تنور الخبز، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال: الأول: أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال: "فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر: 11 ، 12 ]" والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً. الثاني: أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له، وأيضاً المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير. الثالث: "فَارَ التنور" أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضي الله عنه. الرابع: "فَارَ التنور" يحتمل أن يكون معناه أشد الأمر كما يقال: حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السفينة . فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال؟ قلنا: الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه " ا.هـ
وكما رأينا فلقد قال الإمام الرازي وغيره بخروج الماء من التنور, والله قال بفوران التنور, والتنور كما رأينا من أقوال السابقين هو وجه الأرض والمرتفع منها, وله علاقة بالصباح, لاحظ الاسم "تنور" "نور" "نار"! والرباط الوحيد الجامع لهذه الأشياء هو "البركان", والذي فيه نار وأرض مرتفعة ... ويفور! وعلى شكله سميت "التنورة" التي ترتديها النساء بهذا الاسم, وكذلك سمي التنور الذي يخبز فيه! والتنور فرن فتحته إلى أعلى –وليس مثل المألوف عندنا في الريف المصري- ونقدم للقارئ صورة للتنور, يرى فيها التشابه الكبير, ويقارن في ذهنه بينهما:

إذا فالله تعالى أعلمه أن علامة مجيء الأمر هي فوران التنور, فإذا جاء فعليه أن يسلك فيها من كلٍ زوجين اثنين: "فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ... [المؤمنون : 27]"
ومسألة حمل أزواج الحيوانات من المسائل التي يسخر بها غير المؤمنين من المؤمنين ويتساءلون: كم حجم السفينة التي تحمل زوجين من كل الأصناف وكيف جمعها نوح من مختلف أنحاء العالم؟!
فنقول: لن نقول كما قال البعض: إن حفص هو الوحيد الذي قرأ "من كل" بتنوين اللام, أما باقي القراءات فقالت "من كل زوجين" بدون تنوين, ومن ثم نأخذ في هذه المسألة بالقراءات وليس بقراءة حفص, فهي أكثر وتتفق مع العقل. وإنما نقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها والأمر على قدر الاستطاعة, فإذا أمره أن يأخذ من كل زوجين اثنين فهو يأمره أن يأخذ من كل ما يجده ومن كل ما هو حوله زوجين اثنين, فالمراد من ال "كل" هنا الكل الموجود والمتوفر وليس الكل المطلق لأن هذا مما لا يطيقه ولا يقدر عليه أحد, سواء سيدنا نوح أو غيره.
يضاف إلى هذا أن سيدنا نوح بدء حمل وسلك الحيوانات بعد الفوران, و"بتمعن قليل في آيتي "حمل الزوجين" وهما: (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود : 40]), و (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [المؤمنون : 27]), يتضح ببداهة لا غبار عليها, أن حمل (سلك) الحيوانات في الفلك جاء بتوصية تباشر توقيتا بعد فوران التنور لا قبله, ما يعني أن عليه أن يتخلى عن كل ما يملك من مواشي وأنعام وطيور ويحمل فقط "زوجين اثنين", وبهذا يُفهم سر التأكيد على "اثنين", فلا يحتمل الوقت لإنجاء كل المتاع, وسرعة الحمل وتوقيته ترينا نوعية الحيوانات التي أمر بحملها معه في الفلك. " ا.هـ
إذا فبدء تنفيذ الأمر كان بعد الفوران, وهذا يعني أن المحمول كان محدوداً وليس عاماً شاملاً, وهذا التصور راجع للقول بعالمية الطوفان وأنه غطى الأرض كلها, والذي قالت به التوراة, لأن كلمة الأرض, -والتي تفهم بمعنى البلد, كما في اللغات الأوروبية- تُرجمت بكوكب الأرضية, ومن ثم قالوا أن الطوفان عم الأرض كلها, وجاء المفسرون بعدهم فقالوا بقولهم مخالفين لكتاب الله, الذي قال أن الطوفان لم يعم الأرض وإنما كان محدوداً, ولا يعني قولنا هذا أنه كان في رقعة صغيرة من الأرض, فنحن نرى أنه أتى على مساحة لا بأس بها من جنوب جزيرة العرب, إلا أنه في نهاية المطاف لم يشملها كلها ولا كل الكرة الأرض, وأول ما نستدل به هو أن الله تعالى لم يقل بذلك, فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أن القرآن ينفي مسألة عالمية رسالة نوح, فلقد قالها الرب العليم في خمس مواضع أنه أرسل نوح إلى قومه ولم يقل إلى الناس أو إلى العالمين, فلو لم يكن مرسلاً إلى قوم خاصة وكان هؤلاء هم الناس الموجودون على الأرض لكان الكلام عبثا .
وإذا قيل أنه أرسل إلى قومه ثم أغرق الله كل البشر, فما ذنب هؤلاء الأبرياء الذين لم تصلهم الدعوة؟ ولم تهلك الأرض كلها بذنب قوم كفرة؟ فهل ندم الله على خلقهم وأراد أن يبدهم؟! –كما ادعت التوراة!- بداهة لم يرد الله هذا ولم يقله, وإنما قال أن نوحا أُرسل إلى قومه فقط, وليس هذا القول استناداً إلى استنتاج وإنما هو مذكور صراحة, فالله تعالى يقول: "قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود : 48]" فالآية صريحة في وجود أمم مع نوح.
ولأنها تخالف التصور التوراتي الذي أخذ به المفسرون اضطروا إلى تقديم تبريرات لها, فنجد الإمام الرازي يعرض التوجيهات المختلفة للآية, فيقول: "وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ" واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال: منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أمماً وجماعات، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلّاهم، فلهذا السبب جعلهم أمماً، ومنهم من قال: بل المراد ممن معك نسلاً وتولداً, قالوا: ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى: "وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ" [ هود : 40 ] ومنهم من قال: المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك!!، والمختار هو القول الثاني: ومن في قوله: "مّمَّن مَّعَكَ" لابتداء الغاية، والمعنى: وعلى أمم ناشئة من الذين معك. " ا.هـ
والأقوال التي ذكروها لا وزن لها لأنها لا مستند لها في القرآن, وإنما لتصديق قول التوراة, ولست أدري أين قال القرآن أنه لم يكن في الأرض غيرهم؟! فالله تعالى لم يقل أن الطوفان عم الأرض وإنما قال أنه جُعل آية لمن في الأرض, ونجد تصديق هذا أنه مما تناقله البشر ووعوه, على الرغم من انقضاء آلاف السنين عليه, وبهذا كان الطوفان عبرة وعظة لكل أهل الأرض, وليس السفينة:
"إن حادثة الطوفان جُعلت آية من عدة أبعاد, فالمغرقون جُعلوا آية للناس: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً [الفرقان : 37]), والحادثة بتفاصيلها جُعلت آية, وعليه فإن الهاء في (وجعلناها آية للعالمين) في سورة العنكبوت هنا, (ولقد تركناها آية, فهل من مدكر) في سورة القمر, مع أنها آية معطوفة على ذكر "السفينة" في النص الأول, وعلى ذات الألواح التي جرت في النص الثاني, فضمير الهاء في "جعلناها" و "تركناها" لا يعني السفينة والجارية, بل الحادثة كانت آية, الواقعة كانت آية, العقوبة كانت آية, وليست السفينة آية للعالمين, إن حادثة الطوفان المرعبة جُعلت آية للعالمين وانتشرت وبقي ذكرها في كل الشعوب, لكل من أراد أن يذكر الله ويخاف عذابه "فهل من مدكر", لذلك يقول الله تعالى في سورة الحاقة: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة : 11- 12]), فالتي جُعلت تذكرة هي الحادثة نفسها, ذُكرت على كل الألسن ولدى معظم الشعوب, وهي التي تعيها أذن واعية ." ا.هـ
وكيفية حدوث الطوفان فصلها القرآن, فقال: "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)", فلم يكن الماء نازلاً من السحب وإنما فُتحت به أبواب السماء, وهذا يعني أنه كان مطراً كونياً مصبوباً من الفضاء, والتقى الماء المنهمر من السماء مع الماء الخارج من الأرض التي فُجرت عيونا! وللأسف فهم المفسرون الآيات أن الله يقول أنه فجر عيون الأرض! أي أنه كانت هناك عيون ففجرها الله, بينما يقول الله أنه فجر الأرض عيوناً, أي أن الأرض تحولت إلى عيون, ومن ثم وقع هؤلاء بين الماء المصبوب من السماء والنابع من الأرض المفجرة, لذا فيمكن قبول نصف الرأي الذي قال به الأستاذ أحمد داود, والذي قال:
"لم يكن الطوفان فيضانا للأنهار, ولم يكن بسبب الأمطار الغزيرة, وإنما بسبب ارتفاع منسوب المياه في الخليج العربي, والبحر الأحمر وازدياد الضغط على مخزون المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية, هذا الضغط تسبب في انفجار بركاني (مائي) مما أدى إلى اندفاع المياه من فوهة أحد قمم جبال السراة الممتدة في غرب الجزيرة العربية, مسببا المزيد من التشققات والتصدعات وبالتالي انفجارات مائية أخرى في نفس المنطقة. " ا.هـ
فلا مانع من أن يكون ضغط المياه الجوفية هو السبب, ولكن أن نلغي دور المياه المصبوبة من السماء ونؤولها بأنها الماء النازل من فوهات الجبال فهو قول مردود. والقول بأن الطوفان كان نتيجة لتفجير الأرض عيونا مخالف لباقي الأساطير التي جعلت الطوفان ينتج بأمطار وفيضانات ناتجة عن زيادة مياه أنهار!
وتبقى نقطة واحدة نود الإشارة إليها وهي ما قالوه بشأن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا, فلقد قال الإمام الطبري في تناوله إياها: "كان هؤلاء نفرًا من بني آدم فيما ذُكر عن آلهة القوم التي كانوا يعبدونها. وكان من خبرهم فيما بلغنا ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس (وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) قال: كانوا قومًا صالحين من بنى آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر فعبدوهم. " ا.هـ
وهذه المقولة التي رواه الطبري عن محمد بن قيس تلقفها المفسرون فلا تكاد تجد قولا غيره في هذه الآية, على الرغم من أن الناظر في الآيات يجدها تقول شيئا آخر: "قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)"
وكما قرءنا فسيدنا نوح يشكو لربه أنهم اتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا, ومفهوم أن هؤلاء هم الملأ المترفون, وهؤلاء يقولون للعامة لا تذرن آلهتكم ولا ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا, ومن ثم فإن هؤلاء حتما ليسوا آلهة, حتى ولو كانوا لأناس صالحين سابقين, لأنهم أصبحوا في نهاية المطاف آلهة! فماذا يكونون؟ الراجح من خلال النص أن هؤلاء أقرب ما يكونون إلى الكهنة المعارضين لدعوة نوح عليه السلام, فالملأ يقولون للعامة ألا يذروا الآلهة ولا هؤلاء النفر, ومن ثم فالأقرب أنهم "رجال دين" ينفرون الناس من دعوة نوح, ويؤكد هذا قول الله تعالى "وقد أضلوا كثيرا .." فاستعمل الله جمع المذكر السالم, ولم يقل: وقد أضلت أو أضللن كثيرا ... فيكون هذا مرجحا إضافيا لأنهم بشر, وذكرهم الله تعريفاً بأول رؤوس الشرك, الذين دافعوا عن الأديان المختلقة ... والله أعلم.

رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::