عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 12-15-2009, 06:32 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي ماذا حرم النبي على نفسه ولماذا؟


بسم الله الرحمن الرحيم
كان مطلع سورة التحريم من الآيات التي تسبب لي إشكالا كبيرا! وذلك للغموض المحيط بالشيء الذي حرمه الرسول على نفسه! فهل هو العسل؟! وهل هذا الموقف كاف لنزول سورة من القرآن!
أم هو مارية؟
وإذا كان مارية فلم الوعيد الشديد الوارد في السور لكل أزواج النبي, إذا كان هذا الموقف متعلق بواحدة أو اثنتين من أزواجه!
ولماذا يُتوعدن بالطلاق بسبب أن النبي اختلى بمارية في يوم ليس يومها وفي بيت غيرها!


كل هذه التساؤلات كانت تظهر عند النظر في هذه الآيات! إلى أن قرأنا الآيات مرة أخرى, وقرأنا الروايات المصاحبة لها, واستطعنا أن نحدد ما ما المحرم فعلا! وماذا كان سبب التحريم

وأول ما نبدأ به هو مناقشة الروايات الواردة بشأن هذه الآيات, والتي تتركز كلها حول السيدة عائشة:

من الحوادث الشهيرة التي ارتطبت بالسيدة عائشة, تحايل السيدة عائشة لتمنع النبي من شيء يحبه, وكان ذلك التحايل سببا لأن حرّم النبي الكريم على نفسه هذا الشيء!
واختلفت الروايات في الشيء الذي حرمه النبي الكريم على نفسه, فقالت بعض الروايات أن الذي حرمه النبي على نفسه كان جاريته مارية, لأنه وطأها في يوم عائشة وفي غرفة حفصة, فأبصرته حفصة, فحرمها النبي على نفسه, واستكتمها الحديث! فنبأت به أم المؤمنين عائشة, فأنبأه الله بإنبائها إياها!

وقالت روايات أخرى أن السيدة عائشة احتالت على النبي الكريم, بسبب الغيرة, فاتفقت مع بعض أزواج النبي ليخبرنه أن به رائحة كريهة من العسل الذي شربه! فحرّم النبي الكريم على نفسه العسل!
ثم نزلت سورة التحريم, وفيها يلومه الله عز وجل على تحريمه, ما أحل الله على نفسه!!
لذا نتوقف مع هذه الروايات, لنرى أيها كانت سببا للتحريم, وماذا حرّم النبي على نفسه فعلا؟!


إذا نظرنا في تفسير الطبري وجدنا أنه ذكر في سبب نزول هذه الآية الروايات التي قالت أن الذي حرّمه النبي على نفسه كان مارية! وذكر في ذلك روايات عدة, فقال:

"اختلف أهل العلم في الحلال الذي كان الله جلّ ثناؤه أحله لرسوله، فحرّمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم:
كان ذلك مارية مملوكته القبطية، حرمها على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلبًا بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته، لأنها كانت غارت بأن خلا بها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في يومها وفي حجرتها.

ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثني ابن أَبي مريم، قال: ثنا أَبو غسان، قال: ثني زيد بن أسلم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أصاب أمَّ إبراهيم في بيت بعض نسائه؛ قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حراما؛ فقالت: يا رسول الله كيف تحرّم عليك الحلال؟ ، فحلف لها بالله ألا يصيبها، فأنزل الله عزّ وجل: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ"
قال زيد: فقوله أنت عليّ حرام لغو. (.....)

عن ابن عباس، قوله: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ" ... إلى قوله: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سُؤْتَنِي.
فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "واللهِ لأرْضِيَنَّكِ فَإنّي مُسِرّ إلَيْكِ سِرًا فَاحْفَظِيهِ"؛ قالت: ما هو؟ قال: "إنّي أُشْهِدُك أنَّ سُرِّيَّتَي هَذِهِ عَلَىَّ حَرَامٌ رِضًا لَكِ
[1]" اهـ

والناظر في كتاب الطبري يجد أنه ذكر روايات كثيرة تقول أن المحرم كان مارية, وذكر روايتين تقريبا تقولان أن المحرم كان شرابا يحبه النبي!
ولم يذكر تفصيلا لهذا الشراب, فلم يقل أنه كان عسلا أو غيره, ولم يذكر له قصة! ولم يرجح الإمام الطبري في نهاية المطاف ما هو الشيء الذي حرمه النبي الكريم على نفسه!

فإذا نظرنا في كتاب البخاري وجدنا كثيرا من الروايات التي تتحدث عن أن المحرم كان عسلا, فنجده يقول:
"عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ زَعَمَ
[2] عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ. فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ, فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ. فَنَزَلَتْ: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ" لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ } لِقَوْلِهِ بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا" اهـ

فهذه الرواية تقول أن عائشة وحفصة هما من قاما بهذه الخدعة حسدا لزينب لأن الرسول كان عندها وشرب!
إلا أن البخاري يذكر لنا رواية أخرى تقول بغير ذلك, فيقول:
"
عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَيُحِبُّ الْعَسَلَ وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ
فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ قُلْتُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ فَقُولِي لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَا فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ.


وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ وَسَأَقُولُ ذَلِكِ وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. (.......) فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ.
قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قَالَتْ قُلْتُ لَهَا اسْكُتِي
." اهـ

فهذه الرواية تقول أن الرسول كان عند حفصة, فغارت عائشة, فقامت هي وسودة وصفية بهذه الحيلة, ولنا أن نتساءل: من تحايل على من؟
هل كانت عائشة وحفصة ضد زينب؟ أم عائشة وسودة وصفية ضد حفصة؟
وبغض النظر عن من قام بماذا, فإننا لا نجد في الروايتين ما يقول أن النبي حرّم على نفسه العسل, وإنما قال لا حاجة لي به, أو لن أعود إليه!


وفي جميع الأحوال فإن الموقف لا يستدعي بحال أن تنزل فيه سورة من القرآن! فهذا مما يحدث بين الأزواج, وهو أمر هين يسير!

[1] محمد بن جرير الطبري, جامع البيان في تأويل القرآن, المجلد الثالث والعشرون, تحقيق: أحمد محمد شاكر.

[2] الملاحظ أن بعض أسانيد هذه الرواية تكرر فيها "الزعم"! فنجد في هذه الرواية: "زعم عطاء أنه سمع" وفي رواية أخرى في البخاري كذلك نجد: " زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ"!! وهذه الروايات كلها عن عبيد بن عمير! فإذا كان هناك شك في سماع عطاء, فهذا يسقط الروايات من الأساس!

__________________
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود : 88]

رد مع اقتباس